"وجع رأس".. لماذا الهجوم على مادة التربية الإسلامية بمدارس المغرب؟
.jpg)
شن البرنامج الإذاعي "ديكريبطاج"، الذي يبث عبر إذاعة "MFM" بالمغرب، هجوما كبيرا على مادة التربية الإسلامية في المدارس وأساتذتها ومناهجها ومضامينها، ما أثار جدلا وغضبا كبيرا في المملكة.
الحلقة التي بثت في 4 سبتمبر/أيلول 2022 عن موضوع "إكراهات وتحديات الدخول المدرسي"، خلفت أثرا كبيرا بعد نشر الفيديو الخاص بها فيما بعد.
قال الضيوف خلال الحلقة إن تعليم التلميذ نواقض الوضوء هو "عبث" و"خزعبلات"، وإن مادة التربية الإسلامية تتضمن كلمات صعبة لا يفهمها التلميذ، وفق زعمهم.
المتحدثون بالحلقة، ومنهم لحسن حداد، وزير سابق للسياحة، كان ينتمي سابقا إلى حزب الحركة الشعبية ولحزب الاستقلال حاليا، استهزأوا من تعليم التلاميذ موضوع الطلاق وشروطه، قائلين إن مادة التربية الإسلامية تسبب ما أسموه بوجع الرأس للتلاميذ.
هذه الاتهامات وصفها رشيد المدور، العضو السابق بالمحكمة الدستورية، وأستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، في تدوينة على فيسبوك بأنها "تصريحات غير علمية، وظالمة في حق مادة التربية الإسلامية".
إساءة واستفزاز
فيما قال خالد الصمدي، كاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي سابقا إن الهجوم على مادة التربية الإسلامية وعلى اللغة العربية أمر دائم ومستمر، خاصة أن المادتين لهما ارتباط وطيد جدا بالهوية المغربية.
وتابع الصمدي في حديث لـ "الاستقلال"، أن هذا الهجوم الجديد على المادة، محاولة لإفراغ الأهمية الكبيرة التي تحظى بها إلى جانب العربية في النصوص الدستورية والقانونية بالمملكة.
وشدد المتحدث ذاته، أنه حين يكون هناك نقاش أو قرب فتح نقاش بخصوص القوانين والتشريعات المرتبطة بالمناهج الدراسية، تعلو حرارة التهجم على التربية الإسلامية واللغة العربية.
وأوضح أن هذا الهجوم ليس بمعزل عن جدلية الهوية والتنمية، إذ يعطي البعض الأهمية والأولوية للهوية وليس بنفس الحجم للتنمية، والعكس صحيح.
وأشار إلى أن ما وقع لا يمكن عزله أيضا عن السياق الدولي، إذ يرتفع الصراع حول منظومة المبادئ، ولا سيما أن القيم الإسلامية لها القدرة الكبيرة على التدافع، نظرا لصلابتها وقوتها.
وخلص الصمدي إلى أن الهجوم على المادة، يمكن فهمه أيضا باستحضار ما تعلق بالمناهج وبرامج المادة، والمواضيع التي تتناولها، ولا سيما ما ارتبط بالعلم والإيمان.
ولفت إلى أن المنتقدين الذين يعادون المادة، حين لا تتطرق لقضايا العلم والفن والإعلام وغيرها يقولون إنها بعيدة عن الواقع، وإن فعلت، يتساءلون عن علاقة المادة بهذه المواضيع.
من جانبها، أكدت الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية، أن ما ورد في حلقة "ديكريبطاج" أمر "شارد"، وأن فيه "إساءة لثوابت الدين الإسلامي ولمادة التربية الإسلامية".
وعبرت الجمعية خلال بيان لها في 11 سبتمبر 2022، عن شجبها لهذه الإساءة، داعية الإذاعة إلى الاعتذار الرسمي عنها.
وأوضح المكتب الوطني للجمعية أن البرنامج نعت المادة بأقبح النعوت، وأنهم تهكموا على أطرها وأساتذتها بما لا يليق، ودون سند من علم أو معرفة، مشددا أن المادة تحظى بعناية ملكية خاصة، وأن الإساءة لها هي إساءة لهذه الرعاية المولوية وتطاول عليها.
وبعد توقف الجمعية عند أهمية المادة في غرس القيم الإسلامية النبيلة، وإحداث التنمية المنشورة، وتعزيز الهوية الدينية والوطنية للمتعلمين، وصفت المتطاولين على المادة بأنهم "أبانوا عن كراهية وحقد دفين لكل ما هو إسلامي".
وأعلنت عن توجيه رسالة إلى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري "الهاكا"، بصفتها المؤسسة العمومية المختصة بمراقبة مضامين ما تنشره وسائل الإعلام وضمان عدم مخالفته للقانون.
وطالبت الرسالة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق البرنامج والإذاعة، مع ضمان حق الرد تنويرا للرأي العام بأهمية مادة التربية الإسلامية في النسيج المجتمعي.
وصف المفتش التربوي حسن عديلي ما ورد على لسان المتحدثين بالبرنامج عن مادة التربية الإسلامية، بأنها "مسيئة ومستفزة"، قائلا إنهم "تناوبوا على التعريض بالمادة وتحقيرها، والهجوم عليها وعلى مناهجها وأطرها".
ونبه عديلي في تدوينة على فيسبوك في 12 سبتمبر 2022، إلى أن إخضاع المادة ومناهجها للدراسة والتمحيص، بغية التطوير والتجويد، أمر لا مشكلة فيه.
واشترط أن يفعل ذلك أهل الاختصاص، ممن تتوفر فيهم المؤهلات العلمية والأكاديمية والاطلاع الواسع على المناهج الدراسية، فضلا عن ضرورة التحلي بقدر كبير من الموضوعية والنزاهة الفكرية.
وشدد المفتش التربوي على أن المتحدثين لا تربطهم بالمناهج أي روابط، فأحدهما وزير سابق في السياحة، والثاني مدير سابق في ألعاب القوى.
وذكر أن الوزير السابق، كان الأجدى له أن يصمت وأن يلزم بيته منذ سنة 2017، بعد أن عاقبه الملك (محمد السادس) بسبب التقصير في أداء واجباته، وحرمانه من تحمل أي مسؤولية عمومية مدى الحياة.
في الاتجاه نفسه، قال المفتش التربوي السابق، محمد سالم بايشى، إن مناقشة الدخول المدرسي يحتاج إلى أهل الاختصاص في التربية والتعليم، واصفا المتحدثين في البرنامج المذكور بأنهم لا تربطهم أي علاقة بموضوع التعليم، وأنهم لم يميزوا بين الجد والهزل في الكلام.
وذكر بايشى في منشور على فيسبوك في 11 سبتمبر 2022، أن بعض ما ورد عن ضيوف البرنامج قد تكون حالات معزولة وخاصة، ولا علاقة لها بالمادة وتوجيهاتها الرسمية، منتقدا وضع المادة وأهلها في قفص الاتهام.
تعسف دون مبررات
عدد من المفكرين والباحثين الأكاديميين انخرطوا في الرد على ما ورد عبر البرنامج الإذاعي، وفي هذا الصدد، قال عبد الكريم القلالي، أستاذ الفكر والعقيدة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إن الاستهزاء بالمادة لن يزيدها إلا ثباتا ورسوخا.
وتابع القلالي في مقال رأي نشره بالموقع الإلكتروني لجمعية أساتذة التربية الإسلامية، 11 سبتمبر 2022: "المتحدثون تغامزوا وتعاونوا على الباطل".
ودعا "الغيورين من أبناء البلد، إلى نشر ما ينفع وتعليم الخير، خاصة في ظل ما يعانيه المجتمع وأبناء الوطن من رذائل ومهلكات، تستهدف فلذات الأكباد، ومحاولة إهلاكم وتدميرهم".
من جانبها، قالت الباحثة الأكاديمية أمينة ماء العينين، إن الجدل المرتبط بمادة التربية الإسلامية، فيه تعسف دون مبررات.
وتساءلت في تدوينة على فيسبوك في 12 سبتمبر عن السبب الذي يمنع من النظر إلى هذه المادة كفرصة حقيقية لتمرير كل القيم الإيجابية التي يبشر بها دين عظيم كدين الإسلام.
وتابعت: "أتعجب كيف يغفل البعض عما يتعرض له الأطفال واليافعون من تهديدات تتعلق بالتحرش والنصب والاحتيال والاستدراج للتطرف والانحراف، ويتمسكون بمهاجمة مضامين مدرسية مراقبة ومؤشر عليها تربويا؟".
واعتبرت ماء العينين، وهي عضوة سابقة بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين، أن الحق مكفول في انتقاد المناهج والمقررات والمضامين لكن الاتهام غير المؤسس بالتشجيع على التطرف وترويج الخزعبلات، لن يفيد النقاش التربوي في شيء".
أما الباحث في الفكر الإسلامي وقضايا الإصلاح عبد العزيز الإدريسي، فشدد أن حلقة برنامج "ديكريبطاج"، تضمنت إساءَة بليغة لأصحابه الذين أبانوا عن جهل مركب بحقيقة منهاج التربية الإسلامية، وحقد دفين تجاه أساتذة وأطر المادة.
وفي تدوينة على فيسبوك 12 سبتمبر 2022، وصف ما جرى بأنه "منحط" خلال مقاربة بعض المضامين المعرفية والقيمية للمادة، واصفا المتحدثين بأنهم يهرفون بما لا يعرفون.
وتساءل المتحدث ذاته، عن مؤهلات هؤلاء الخبراء ليناقشوا كل القضايا بدون سابق إعداد أو اطلاع.
وأردف أنه "من اللافت أنهم يناقشون مادة التربية الإسلامية ويكملون جُملا مفيدة، حتى ظهروا في بعض الأحيان وكأنهم في مجال للتقاذف الذهني دون أن أي رابط بين فقرات البرنامج الحواري".
وخلص الإدريسي إلى أن ضيوف البرنامج قدموا معلومات وأباطيل تدل على جهلهم المطلق بحقائق الدين، بالإضافة إلى عدم اطلاعهم على مضامين منهاج مادة التربية الإسلامية.
أما اتهامهم لأساتذة التربية الإسلامية وأطرها ومفتشيها فحقائق الميدان والشهود العيان تكذب هذا البهتان.
وعن خلفيات ما صرح به المتحدثون في البرنامج، قال الباحث في الفكر الإسلامي والجماعات الإسلامية، إدريس الكنبوري، إن ما ورد دليل على أن جزءا كبيرا من النخبة يجهل الإسلام.
وأوضح أن الكثير من المتحدثين يخوضون في تفاصيل العقيدة الإسلامية والنصوص القرآنية والحديثية بكل جرأة دون دراية.
وأضاف الكنبوري على فيسبوك في 12 سبتمبر 2022، "لا أفهم كيف يسخر البعض من أحاديث نبوية لمجرد أن عقله لا يستوعبها، ويتهكم عليها لأنه فهم منها المعنى الظاهر، ولم يكلف نفسه الرجوع إلى المفسرين والعلماء لتصحيح فهمه، أو حتى استعمال عقله استعمالا صحيحا لفهمها".
وعن رفض واستهزاء الضيوف بعدد من الأحاديث النبوية، قال الكنبوري، إن من واجب المسلم البحث عن مبررات لقبول الحديث إذا صححه العلماء، وليس عن مبررات لرفضه.
فقبوله لا يترتب عنه إثم إذا لم يصح في ذاته، ولكن رفضه يترتب عنه تكذيب النبي إن صح الحديث، والأول ليس مشكلة في العقيدة، لكن الثاني يضرب عقيدة المسلم في الصميم.
دمج المادة
تفاعلا مع كل هذا النقاش، دعا الكاتب منير الحردول، إلى دمج مادة التربية الإسلامية في المواد الدراسية وبدون استثناء، كقيم أخلاقية وعبادات عقدية.
وأضاف الحردول في مقال رأي نشر عبر جريدة "العالم 24"، في 13 سبتمبر 2022، أن ما يدرس في مادة التربية الإسلامية لا ينطبق على سلوكيات التلاميذ الصفية، وغير الصفية، وفي سلوكياتهم في المحيط والشارع وغير ذلك.
هذه الدعوة رد عليها كاتب الدولة السابق المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، قائلا إن هذا المقترح بالحذف والدمج كان حاضرا قبل 20 سنة، خلال عمل لجنة مشروع "تجديد المناهج التعليمية بالمدرسة المغربية".
وذكر الصمدي في حديث لـ "الاستقلال"، أن المقترح ناقشه المختصون في حينه واستعرضوا الحجج القوية التي تثبت مكانة المادة في صيانة الثوابت الدينية للأمة المغربية، والرفع من منسوب التوعية بالقيم الإسلامية".
![]()
وتابع المتحدث: "هؤلاء المختصون قدموا تصورا جديدا لمنهاج المادة يرتبط أكثر بسلوكيات المتعلمين وقضاياهم واهتماماتهم، مع تطعيم دروسها بالاشتغال التطبيقية لتنمية كفايات المتعلمين العلمية والتواصلية والمنهجية".
وعليه، جرى اعتماد هذا المنهاج التعليمي للمادة من سنة 2000 إلى سنة 2016.
وشهد تجديدا وتطويرا بإدخال تعديلات جوهرية على مستوى مداخل الوحدات الدراسية، وإعادة هيكلة محتوياتها وتجديد مضامينها سنة 2016.
وشدد الصمدي، أن كل هذا جعل تجربة المناهج التعليمية في مادة التربية الإسلامية بالمغرب مضمونا وسياقا تجربة جديدة ومتفردة، بالنظر لما هو معمول به في العالم الإسلامي، استفادت منها دول عديدة فطورت مناهجها التعليمية بناء عليها.
واليوم، يسترسل المسؤول الحكومي السابق: "تعيش المادة هجومات خشنة وناعمة وتحديات مفاهيمية وقيمية وتكنولوجية وتواصلية، تتطلب من المشتغلين بها يقظة دائمة واشتغالا جادا لتطوير خطابها ووسائل تدريسها وتعزيز مكانتها على مستوى الحصص وأنظمة التقييم".
كما يتطلب الأمر، وفق الصمدي، تعزيز كل ذلك بتكوين متين ومعاصر لأطرها حتى يعطوا القدوة في علمهم وعملهم ومحيطهم، وحتى تصمد المادة في وجه هذه التحديات وتستمر في أداء مهامها.

















