عامان على "اتفاق أبراهام".. شغف التطبيع يتراجع بين إسرائيل ودول عربية
.png)
مر عامان على توقيع الإمارات والبحرين "اتفاق أبراهام"، في 15 سبتمبر/أيلول 2020، كأول دولتين خليجيتين تطبعان علنا علاقاتهما مع إسرائيل، واللتين لحق بهما المغرب ثم السودان، وسط مؤشرات مقلقة لإسرائيل والإمارات بشأن تراجعها.
وكان ملفتا أنه لم يحتفل بمناسبة الذكرى الثانية لتوقيع الاتفاقيات سوى الإمارات، عبر زيارة رسمية قام بها وزير خارجيتها، عبد الله بن زايد آل نهيان، إلى تل أبيب، يرافقه وفد رسمي واقتصادي في 14 سبتمبر 2022.
ورغم هذه الزيارة إلا أن رجال أعمال ومحللين إسرائيليين يؤكدون أن "اتفاقيات أبراهام" تتحول مع الوقت إلى ما يشبه "السلام البارد" الذي تم التوقيع عليه أولا مع مصر والأردن عامي 1979 و1994.
وشهدت اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وكل من مصر والأردن رفضا شعبيا، ما حولها إلى "سلام بارد"، بيد أن النظام المصري برئاسة عبد الفتاح السيسي قام بتنشيط هذه العلاقات رسميا بصورة كبيرة، أملا في دعم إسرائيل لحكمه لدى واشنطن.
قلق إسرائيلي
وأكد استطلاع لمركز "البارومتر العربي" البحثي في 12 سبتمبر 2022، أن "ثمة رفضا عاما من المواطن العربي العادي لاتفاقيات أبراهام المدعومة أميركيا، التي تمثل صفقة سلام موسعة لدول المنطقة مع إسرائيل".
وأوضح أن "اتفاقيات السلام هذه مرفوضة بالمجمل في 9 من 11 دولة مشمولة بالاستطلاع، وأقل من 1 من كل 5 أو 10 أفراد هم من قالوا فقط إنهم يدعمون التطبيع مع إسرائيل"، وأكثر الرافضين في موريتانيا وليبيا وفلسطين والأردن ومصر.
في المقابل، أظهر الاستطلاع أن السودان والمغرب استثناءان، حيث أعرب 39 بالمئة في السودان عن تفضيلهم التطبيع، مقارنة بـ31 بالمئة في المغرب.

وعبر صهر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وكبير مساعديه في البيت الأبيض آنذاك، جاريد كوشنر، عن أسفه لتوقف قطار التطبيع في ظل الإدارة الحالية، زاعما أنه كان ينتظر انضمام ست دول (لم يسمها) إلى اتفاقيات أبراهام.
وقال إنه قبل تركه منصبه "أجرى مناقشات نشطة مع حوالي 6 دول أخرى تطمح للانضمام إلى الاتفاقيات"، منتقدا عدم استكمال إدارة بايدن لذلك، بحسب قناة "i24news" في 13 سبتمبر 2022.
فيما زعم مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أهارون هاليفا، أمام المؤتمر السنوي لـ"معهد سياسة مكافحة الإرهاب" بجامعة "ريخمان" في 13 سبتمبر 2022، أن "لبنان كان سينضم لاتفاقيات أبراهام لولا حزب الله".
وقال مسؤولون أميركيون لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في يناير/كانون الثاني 2021 إن إدارة ترامب كانت تقترب من الاتفاقيات مع موريتانيا وإندونيسيا لتكونا الدولتين التاليتين ذات الأغلبية المسلمة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، لكن ولايته انتهت.
لكن رجل الأعمال الإسرائيلي، ياريف فيشر، أكد أن الدعم الذي تحظى به اتفاقيات أبراهام بعد عامين على توقيعها "يتراجع".
وفي مقال نشرته صحيفة "معاريف" العبرية في 15 سبتمبر 2022، قال فيشر: "أردنا سلاما حقيقيا مختلفا عن السلام البارد مع مصر والأردن، لكن حصلنا على شبيه له بالضبط، ولم نصل إلى هناك بعد".
وأشار إلى أنه "رغم وصول التبادل التجاري مع الإمارات إلى مليار دولار، مع توقعات أن يصل إلى ثلاثة مليارات عام 2024، فليس هذا ما كان مأمولا".
وأوضح فيشر أنه "بعد تراجع شغف التطبيع، وبعد أن زار جميع المشاهير دبي، ومعهم أكثر من 450 ألف إسرائيلي، من المهم تحليل أين أردنا أن نكون، وأين نحن فعلا".
وشدد على أن "دعم الاتفاقيات يتراجع، ففي استطلاع نشر مؤخرا (يشير لاستطلاع معهد واشنطن) أيد الاتفاق من شعوب الدول المطبعة 23 بالمئة فقط (أي تراجع بنسبة 50 بالمئة خلال عامين)، وهو معطى مقلق جدا".
فشل سياسي
وأكد استطلاع لـ"معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" نشره في 15 يوليو/تموز 2022 أن هناك تراجعا كبيرا على دعم شعوب الخليج للتطبيع، وأن 23 بالمئة فقط من البحرينيين والإماراتيين يؤيدون اتفاقيات تطبيع اتفاقيات أبراهام مقابل رفض 77 بالمئة منهم.
واعترف الاستطلاع بتزايد عدد الخليجيين الذين يرفضون الآن "اتفاقيات أبراهام"، وقال إن هناك "أصواتا خافتة" و"أقلية" تعبر عن تقبلها لإقامة العلاقات مع الإسرائيليين سواء في دول اتفاقيات أبراهام أو السعودية.
وأوضح استطلاع "معهد واشنطن" أن أكثر من ثلثي المواطنين في البحرين والسعودية والإمارات ينظرون إلى "اتفاقيات أبراهام" بشكل غير إيجابي.
"فيشر" أشار أيضا إلى فشل الجانب السياسي، مؤكدا أن "الإمارات سوقت الاتفاق مع إسرائيل إلى أبناء شعبها على أنه أوقف خطة الضم الأحادي للضفة، وقالت لهم: "مستقبلا، سنهتم بإخوتنا الفلسطينيين".
لكن عمليا استمرت خطط إسرائيل وضعفت السلطة الفلسطينية وقويت حركة "حماس"، ما زاد أعداد الرافضين لهذه الاتفاقيات، بحسب رجل الأعمال.
ربما لهذا أكدت الخارجية الأميركية عبر بيان في 14 سبتمبر/أيلول 2022 أن "اتفاقيات أبراهام ليست بديلا عن السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين القائم على حل الدولتين، ونتطلع لتعزيز العلاقات والتعاون بين الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل".
بدوره، كتب المراسل الدبلوماسي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، لازار بيرمان، في 15 سبتمبر/أيلول مشيرا إلى تحول هذه الاتفاقيات لـ"سلام بارد".
وقال إن "الرواية الإسرائيلية ترى أن اتفاقيات أبراهام حققت نجاحا كبيرا منذ توقيعها قبل عامين في البيت الأبيض، ووصف الرئيس إسحاق هرتزوغ الاتفاقيات خلال استقباله وزير خارجية الإمارات بأنها "تغيير نموذجي في الشرق الأوسط".
لكن بيرمان أكد أنه "ليس كل جانب من جوانب العلاقات الجديدة يتقدم بسلاسة، فهناك تراجع للتأييد الشعبي".

ونقل عن الخبير في منطقة الخليج في المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية، موران زاغا، تأكيده "وجود مشكلة في اتفاقيات أبراهام".
وأضاف زاغا "يعتقد الناس أن هناك تطبيعا كاملا وأن هناك قبولا، لكن لا يزال أمام معظم الجمهور الإماراتي والبحريني وحتى المغربي طريق طويل قبل أن يقبلوا تماما بالإسرائيليين وإسرائيل، لم نصل إلى هناك بالكامل بعد ".
وتابع: "على عكس المظاهر المتناقضة عن لقاءات مريحة ومبهجة بين الإسرائيليين والعرب في الخليج والمغرب، تظهر البيانات اتجاها مقلقا لا لبس فيه حول كيف أصبحت اتفاقيات أبراهام أقل شعبية في شوارع حلفاء إسرائيل الخليجيين الجدد".
ولفت إلى مخاطر ما تعنيه استطلاعات الرأي التي أجراها معهد واشنطن، والتي تشير مثلا لتراجع نظرة البحرينيين الإيجابية للاتفاقيات من 45 بالمئة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 إلى 20 بالمئة فقط بحلول مارس/آذار 2022.
أيضا كتب الباحث في معهد الأمن القومي الإسرائيلي، مئير بن شابات، ونائب مدير معهد "اتفاقيات أبراهام للسلام"، دافيد أهرنسون، مقالا مشتركا في موقع "مباط عال" في 15 أغسطس/آب 2022 يؤكدان أن ما حققته الاتفاقيات "لا يكفي والتحديات كثيرة".
الباحثان أكدا أن "المشكلة لا تزال في الشعوب التي لا تتغير وترفض التطبيع، بينما يتغير الحكام الموقعون على اتفاقيات التطبيع".
أسباب الفتور
وأشار العديد من الباحثين والصحفيين إلى أن أحد الأسباب الجوهرية لتراجع التطبيع واتفاقيات أبراهام هو أنها "لم تحقق أي مكاسب للفلسطينيين، ولم تعد لهم أرضهم أو تحسن حياتهم كما روجت الأنظمة المطبعة لتبرير خطوتها".
الباحث في الدبلوماسية الأميركية بمعهد الشرق الأوسط، مدير برنامج شؤون شبه الجزيرة العربية، جيرالد فيرشتاين، والباحث بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يويل جوزانسكي، شددا على ذلك في دراسة عن "قصور اتفاقيات أبراهام".
وأوضحا في الدراسة التي نشرها موقع "معهد الشرق الأوسط" (مقره واشنطن)، في 14 سبتمبر 2022، أن المشكلة تتعلق بعدم تحسين إسرائيل أحوال الفلسطينيين "ما دفع الاتفاقيات مع الدول العربية للفتور والتحول إلى سلام بارد".
وأشار الباحثان إلى أن "منتدى النقب" الذي عقد في مارس/آذار 2022 في مستوطنة سديه بوكير، وضم 6 دول عربية مطبعة، كان من ضمن جدول أعماله "اتخاذ خطوات لتحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين".
لكن لم يحدث أي تغيير حقيقي مرئي بالنسبة للفلسطينيين، وعلى العكس، هناك احتمال أن تؤدي انتخابات مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2022 في إسرائيل إلى فوز اليمين المتشدد ما سيؤدي إلى تأثير أكثر سلبية على الفلسطينيين، وهذا يؤثر على الاتفاق، وفق فيرشتاين وجوزانسكي.
وأوضحا أن "الجمهور العربي مستمر في النظر إلى إسرائيل من منظور سلبي، استنادا إلى فشلها في حل القضية الفلسطينية".

وأكدا أن اتفاقيات أبراهام انعكست إيجابيا على دول مثل الإمارات في صورة توليد فرص اقتصادية اقتنصتها، "لكن الاتفاقيات لم تترسخ بعد جذريا في مواقف السكان العرب".
ولخص تقرير لصحيفة "هآرتس" العبرية في 15 سبتمبر 2022 عزوف الشعوب العربية عن التطبيع وقصره على الأنظمة بالتساؤل: "إذا كان الإسرائيليون يتدفقون على دبي بعد عامين من اتفاقيات أبراهام، فأين السائحون الإماراتيون؟".
وذكرت أنه "يسافر عشرات الآلاف من الإسرائيليين إلى دبي كل شهر، لكن من زاروا إسرائيل من كل دول التطبيع هم 3600 سائح فقط من الإمارات والبحرين والمغرب خلال عامي الاتفاقية"، بحسب إحصاءات وزارة السياحة الإسرائيلية.
وذلك "رغم أن وزارة السياحة الإسرائيلية تنبأت في سبتمبر 2020 أن يصل 100 ألف سائح إماراتي إلى إسرائيل كل عام، وأن ينفق كل منهم ما بين 2000 إلى 20 ألف دولار في كل رحلة!"، بحسب "هآرتس".
وكان ملفتا أن صحفا عبرية امتلأت في الذكرى الثانية لتوقيع الاتفاقيات بمقالات مسؤولين إماراتيين يتغزلون بالاتفاق وما أحدثه من تطور في العلاقات بين إسرائيل والإمارات.
ومنها مقال وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية ثاني الزيودي في صحيفة "جيروزاليم بوست" 15 سبتمبر 2022، ومقال للمحلل السياسي الإماراتي سالم الكتبي عما حققه الاتفاق أيضا بنفس الصحيفة في 7 سبتمبر.
وقال رئيس إدارة التجارة الخارجية في وزارة الشؤون الاقتصادية أوهاد كوهين لموقع "المونيتور" الأميركي في 9 سبتمبر 2022 إن معدل نمو التجارة الإسرائيلية مع الإمارات أعلى بكثير من البلدان الأخرى.
لكن كوهين حذر قائلا: "يعتقد الكثير من الإسرائيليين أنهم سيجدون المال في شوارع أبو ظبي ودبي، لذا قامت أعداد غير مسبوقة منهم بالحج إلى الإمارات، لكن العديد منهم لم يكن لديهم تقدير واقعي لما تقدمه الإمارات".
صندوق أبراهام
وفي السياق تم تجميد أشهر صندوق تم إنشاؤه نتيجة لاتفاقيات أبراهام، بمبلغ 10 مليارات دولار وعد به رئيس الإمارات، محمد بن زايد لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، ما عد أكبر مؤشر على تراجع الاتفاقيات بعد عام واحد.
وفي حين تم رفع التجميد أوائل عام 2022 فإنه لم يبدأ بعد في تمويل الاستثمار في إسرائيل، وليست هناك حماسة إماراتية لدخول مشاريع كما بدا الأمر في بداية التطبيع، وبعضها مثل مواني دبي وميناء حيفا توقفت، بحسب سفير إسرائيل بالإمارات أمير حايك لقناة "i24news" في 14 سبتمبر 2022.
وأكد السفير أن الإماراتيين أقل اهتماما بالشركات الناشئة، ولم تنجح إسرائيل في إيجاد أي مشاريع جديرة بالاهتمام، مشيرا إلى تقديم شركة الموانئ الإماراتية العملاقة موانئ دبي مناقصة لتشغيل ميناء حيفا في إطار خصخصته، لكنها انسحبت منه.

وجمدت إدارة بايدن في 7 يوليو 2021 "صندوق أبراهام" الذي أنشئ في سبتمبر 2020 حتى ينفق على "قطار التطبيع"، بحسب صحيفة "جلوبس" الإسرائيلية.
وقبل تجميد الصندوق منعت إدارة بايدن أيضا الإشارة إلى اسم "اتفاقيات أبراهام" كما أطلق عليها ترامب، وفقا لموقع واشنطن فري بريكون"" الأميركي في 4 يونيو/حزيران 2021.
ولم تعمل أغلب المشاريع التي وافق عليها الصندوق في مجالات الطاقة والتكنولوجيا المالية، وغيرها.
وردا على هذا سعت الإمارات لإنعاش التطبيع بالإعلان في مارس/آذار 2022 عن إنشاء "صندوق للاستثمار في إسرائيل" بـ10 مليارات دولار.
إلا أن هذا الصندوق فشل أيضا في الانطلاق بعدما تأجلت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو للإمارات، لتوقيع إعلان مشترك حوله، ثم خسارته رئاسة الوزراء.
المصادر
- عامان على "اتفاقيات أبراهام": تقدّم سريع جداً وتحدّيات كبيرة
- الطريق المتبقية: بعد عامين على اتفاقيات أبراهام الدعم لها يتراجع
- The Middle East Non-Peace Accords and Non-Cooperation on Russia
- Two years after Abraham Accords, worrying trends emerge amid achievements
- Two years on, what is the state of the Abraham Accords?
- Abraham Accords Two Years On: Israelis Flock to Dubai, but Where Are the Emirati Tourists?
- كيف ينظر مواطنو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى التطبيع مع إسرائيل؟














