اغتيال إبراهيم النابلسي.. هكذا ساهم بتأجيج جذوة المقاومة في الضفة الغربية

محمد النعامي | منذ ٤ أعوام

12

طباعة

مشاركة

"ما حدا يترك البارودة، وديروا بالكم على الوطن بعدي"، كانت هذه آخر الكلمات التي نطق بها الشهيد إبراهيم النابلسي الذي اغتالته قوات الاحتلال في البلدة القديمة بنابلس، في  9 أغسطس/آب 2022.

وأوصى النابلسي بهذه الوصية رفاقه فسمع صداها في أرجاء الضفة الغربية كافة، وترجمت على شكل زخات رصاص موجهة لقوات الاحتلال والتجمعات الاستيطانية.

واستقبل الشارع الفلسطيني خبر ارتقاء المطارد بحزن عميق وشيعه عشرات الآلاف من المواطنين في نابلس.

 وكانت جنازته والشعارات التي رددت فيها، وما تبعها من اشتباكات مع الاحتلال أشبه بإحياء انطلاقة للمقاومة المسلحة في الضفة، حسب فلسطينيين.  

وشملت عمليات إطلاق النار مناطق الضفة الغربية كافة، وخصوصا الجزء الشمالي منها كنابلس وجنين وطولكرم وطوباس.

"انتفاضة الفدائيين"

بعد 5 أيام من اغتيال النابلسي نفذ شاب فلسطيني عملية في مدينة القدس 14 أغسطس، أصيب على إثرها 7 مستوطنين بينهم 2 في حالة الخطر.

 واستهدف المقاوم مركبات وحافلات للمستوطنين، وانسحب لاحقا قبل أن تعلن قوات الاحتلال اعتقاله من منزله بعد ساعات.

واستقبل الشارع الفلسطيني العملية كرد أولي على اغتيال النابلسي، وهكذا قرأها الإعلام العبري. 

وكانت واحدة بين عشرات عمليات إطلاق النار التي تلت الاغتيال، بجانب المئات من المواجهات التي اندلعت في الضفة الغربية التي يرى مراقبون أنها دخلت مرحلة نضالية جديدة تشي ببوادر انتفاضة مسلحة.

ومن جانبه، قال الناشط الفلسطيني مصعب محمد (31 عاما) من نابلس إن الوضع في المدينة وفي الضفة الغربية تغير كثيرا عن السنوات السابقة، فالمقاومة نهضت من جديد وعادت البندقية هي الخيار الوحيد.

وأضاف في حديث لـ "الاستقلال": "المقاومة أصبحت أكثر تنظيما وبدأت تأخذ شكل كتائب تضم مقاومين من كل الفصائل، وتوزع المهام بينهم، كالرصد وهي المجموعات التي مهمتها مراقبة مداخل المدينة والتنبيه على أي اقتحام، وأيضا مجموعات الإمداد التي مهمتها إيصال السلاح والغذاء للمطاردين بسرعة".

وكذلك مجموعات الاشتباك وهم المقاومون المسلحون الذين يتصدون للتوغلات العسكرية للاحتلال واقتحامات المستوطنين لقبر يوسف شرقي نابلس، وفي مثل هذه الأوقات كل مسلح من المقاومين يتحول لمشتبك مع الجيش.

وأوضح الناشط الفلسطيني أن هناك مجموعات تتابع حذف تسجيلات الكاميرات في الأماكن التي يمر فيها المقاومون، وأيضا هناك من يتطوعون لإرشادهم بإرشادات أمنية.

وتابع "عندما تسير اليوم في الشوارع الرئيسية ليلا ستلاحظ وجود دوريات من المقاومين الملثمين والمسلحين، وهذا الأمر بات جزءا من ليل نابلس وجنين وغيرها وهو الأمر الذي لم يكن يحصل منذ انتهاء الانتفاضة الثانية".

وأردف "الناس تدعم المقاومين بما تستطيع وينظرون لهم كأبطال، وعند كل اشتباك وارتقاء لشهداء واصابات يسارع الجميع للتبرع بالدم في المشافي التي يصل لها المصابون، وغالبا يجري استقبالهم في مستشفى رفيديا الجراحي في نابلس، وكذلك تنادي المساجد لنصرة مناطق الاقتحامات".

وأكد أن السلطة الفلسطينية تخلي المكان الذي سيقتحمه الاحتلال قبل وصوله، ولا يتعرض أي من أعضاء الأجهزة الأمنية للجيش، وبعد انتهاء الاقتحام تعيد قوات الأمن انتشارها في أماكنها وكأن شيئا لم يكن.

وكشف محمد أن الفصائل كافة لها وجود في الميدان بنابلس ولكن سرايا القدس الجناح العسكري للجهاد الإسلامي هي التنظيم الأكثر حضورا وتنظيما، وأيضا كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة "فتح" الذي حله الرئيس محمود عباس قبل سنوات، وكتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس. 

وشدد على أنه ينظر لعائلات الشهداء والمطاردين شعبيا بشكل عظيم ويجري تكريمهم، حتى إن الشارع بات يتخذ من آباء عدد من الشهداء قادة كوالد الشهيد إبراهيم النابلسي في نابلس ووالد الشهيد رعد خازم في جنين.

الضفة تتغير 

وتشهد الضفة الغربية موجة مقاومة منذ معركة سيف القدس مايو/أيار  2021، ونشطت خلال هذه الموجة عمليات إطلاق النار في الداخل المحتل عام 1948، واشتدت عقب اغتيال الاحتلال للمطارد النابلسي.

ولمواجهة هذه الموجة، أطلقت إسرائيل عملية "كاسر الأمواج" نهاية مارس/آذار 2022 لاستهداف المقاومين ومنع المزيد من الأعمال المقاومة ضد جيش الاحتلال.

ورصد مركز المعلومات الفلسطيني "معطى" خلال يوليو/تموز 2022، عن تنفيذ 588 عملا مقاوما، أدت إلى جرح وإصابة 18 إسرائيليا.

ووثق التقرير 44 عملية إطلاق نار ضد أهداف تابعة للاحتلال، منها 12 في نابلس ومثلها تتالياً في جنين، وتصدى المقاومون فيها لاقتحام قوات الاحتلال اليومية، وخاضوا اشتباكات عنيفة معها.

وتزايدت عمليات إطلاق النار بشكل أكبر في أغسطس وبالتحديد عقب اغتيال النابلسي، إذ تشهد الضفة حالة متزايدة من شدة الاشتباكات وسرعة انتشارها. 

ومن جانبها، قالت الصحفية الفلسطينية نداء بسومي، إن المقاومة في الضفة الغربية فقدت شكلها المنظم وتأثيرها على الاحتلال منذ عملية السور الواقي، عام 2002 في جنين، ولكن في العام الماضي بدأت الفصائل العسكرية تستعيد وجودها وكان النابلسي ورفاقه من رموز هذه النهضة المسلحة في نابلس.

وأضافت في حديث لـ "الاستقلال": "النابلسي المطارد من قبل الاحتلال، شكل رمزا للشباب الفلسطيني في الضفة الغربية، ورغم عدم تسلحه إلا ببندقية وكمية محدودة من الرصاص فقد قاد المقاومة في نابلس وكان على رأس المقاومين في كل اشتباك وأصبح ملهما".

وأوضحت الصحفية أن سكان الضفة شعروا أنهم قادرون على مواجهة الاحتلال وصده، خصوصا مع عمليات اطلاق النار ومشاهد فرار المستوطنين والجنود عند منطقة قبر يوسف في نابلس.

وبينت أن الجيل الحالي لم يعتد من قبل على هذه الحالة المقاومة في الضفة الغربية، وابتكر أساليب جديدة كالإرباك الليلي وأحيا عمليات إطلاق النار على الحواجز والمستوطنات.

وتابعت "أدرك الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية أنه قادر على مواجهة الاحتلال بعد سنوات من العجز وبدأت الموجة من جنين".

 وبعدها أصبح العمل المقاوم المنظم في تصاعد، ويوما بعد يوم زاد عدد المقاومين في جنين وعدد المجموعات المسلحة حتى انتشر هذا النمط المقاوم في مدن الضفة.

وأكدت بسومي أن الضفة منذ معركة سيف القدس أخدت طابعا جديدا، وشكلت العديد من المدن كتائب عسكرية لصد الاقتحامات ككتيبة جنين ونابلس وطوباس وطولكرم، وحتى رام الله شهدت تصديات وعمليات إطلاق نار في الأشهر الأخيرة، وهو أمر لم تعتده منذ سنوات طويلة.

وأضافت "لم تصل المقاومة الحالية في الضفة الغربية لدرجة كبيرة من القوة والتأثير حتى الآن، بل تحاول بناء قوتها، رغم عدم توفر المناخ المناسب لذلك كما الفصائل الفلسطينية في غزة، وحتى الأسلحة هي من جيوب المقاومين أنفسهم ولا يوجد دعم لهم".

وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية في تقرير لها، إلى أن النابلسي واحد من بين عدة مطاردين من مناطق متفرقة بالضفة الغربية، أصبحوا أكثر شهرة على شبكات التواصل الاجتماعي، وأن هناك الكثيرين من الفلسطينيين يلتقطون لهم الصور ومقاطع الفيديو ويمجدونهم.

ولفتت الصحيفة، إلى أن هذا الجيل الجديد من المسلحين الفلسطينيين، يتلقى تمجيدا كبيرا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، رغم أنهم من صغار السن.

من جهتها قالت صحيفة "هآرتس" العبرية، إن النابلسي ليس له انتماء تنظيمي، لكن شعبيته تشير إلى نوع جديد من الأبطال المحليين الذين ظهروا في الآونة الأخيرة على خلفية الأوضاع في الضفة الغربية.

وتشير الصحيفة، إلى أن النابلسي وبعض المطاردين تحولوا إلى "أساطير" وأبطال، بعد أن ظهروا في مقابلات إعلامية فلسطينية محلية، وكان هناك اهتمام كبير تجاههم على مواقع التواصل الاجتماعي.

هل تنجح السلطة؟

وتستمر موجة المقاومة في الضفة الغربية رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها السلطة لوقف تصاعد العمل المقاوم من خلال حملات الاعتقالات ومواصلة التنسيق الأمني.

وخلال حملة الاحتلال ضد المقاومة في الضفة، اعترف وزير الجيش الإسرائيلي، بيني غانتس في 18 أغسطس أنه "بفضل التنسيق الأمني ​ على المستوى الميداني، هناك العديد من المستوطنين والجنود الذين جرى إنقاذهم".

وقالت صحيفة "إسرائيل اليوم" إن هناك موجة من الغضب الفلسطيني ضد السلطة ورئيسها محمود عباس، بعد موجة الاعتقالات والاغتيالات التي نفذها الجيش في صفوف المقاومين الفلسطينيين خلال الأيام القليلة الماضية.

ونوهت الصحيفة أن "نابلس ومخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، هي مناطق سائبة تمتنع السلطة عن العمل داخلها، والتحدي ينشأ تقريبا في كل مرة يدخل فيها رجال الأجهزة الأمنية إليها لتنفيذ اعتقالات".

ومن جانبه قال الكاتب الفلسطيني فايز أبو شمالة إن السلطة هي رأس حربة الاحتلال في كسر موجة المقاومة المندلعة حاليا في الضفة الغربية.

وأردف في حديث لـ "الاستقلال": "نتذكر كيف بدأت بأوامر من غانتس حملات أمنية خاضتها ضد جنين في بداية تصاعد المقاومة داخل المخيم، ولكن  لم تنكسر رغم كل ذلك".

وأضاف: "ما يدلل على نهج السلطة هو عدد المقاومين في سجونها وخصوصا سجن أريحا الذي لم يبق مقاوم إلا وحقق معه فيه بأشد أساليب التعذيب والإهانة".

وواصل القول: "لا تستطيع أجهزة الأمن في دولة الاحتلال الاستغناء عن السلطة فهي تلعب دورا تكامليا مع اسرائيل في جهودها لكبح جماح المقاومة ومنع اندلاع انتفاضة مسلحة ثالثة وهو أمر تعهد به عباس علنا في حال بقي في منصبه كرئيس".

وأكد أبو شمالة أن ما تعجز عنه المخابرات الإسرائيلية تنفذه المخابرات الفلسطينية في رام الله، ولطالما خرج مسؤولون في السلطة يتحدثون للإعلام العبري عن كم العمليات التي أجهضوها.

وأوضح أن تأكيد غانتس على حرص اسرائيل على العلاقات مع عباس وسلطته يبرز الأهمية الأمنية للسلطة في حفظ أمن دولة الاحتلال، وخصوصا منعها تنامي المقاومة في الضفة والحيلولة دون عودة حماس لميدان المواجهة كما في غزة.

وتابع "أثبت الواقع أنه مهما فعلت السلطة والاحتلال ومهما كان بطشهما فإن المقاومة تنمو من جديد فهي مركب من مركبات الشعب الفلسطيني، وما يحصل اليوم في الضفة وخصوصا شمالها دليل على فشل هذه السياسة والقادم أكثر إيلاما"، وفق تقديره.