مجرد صورة.. من وراء حملة العلاقات العامة الجزائرية لتلميع النظام السوري؟

مصعب المجبل | منذ ٤ أعوام

12

طباعة

مشاركة

تتجهز الجزائر لاحتضان القمة العربية لعام 2022 بعد 17 عاما عن آخر مرة جرت على أراضيها، وهي مصرة على أن يشغل نظام بشار الأسد مقعد سوريا الذي حرم منه عام 2011.

وبدا واضحا لعب الجزائر دور قبطان السفينة التي تحاول تعويم الأسد، وإعادته إلى الحضن العربي، عبر تنفيذ زيارات إلى عدد من الدول العربية من أجل إقناعها بالتصويت لصالح عودته إلى الجامعة.

ولكن كل تلك المحاولات الاستباقية للجزائر، تخفي وراءها ثقلا عربيا داعما، لعلها تنتزع موافقة عربية لعودة الأسد للجامعة، غير أنها "تبدو غير مضمونة"، وفق دبلوماسيين سوريين.

ووافق وزراء الخارجية العرب، في 9 مارس/آذار 2022 على مقترح جزائري بعقد القمة العربية المقبلة يومي 1 و2 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام المذكور في الجزائر.

وتتزامن القمة مع الذكرى 68 لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة (ضد الاستعمار الفرنسي عام 1954)، بعد أن جرى تأجيل القمة عامي 2020 و2021 بسبب جائحة كورونا.

ومنذ تعثر عقد القمة في الجزائر، علا صوت عدد من الدول العربية منادية بعودة النظام لشغل مقعده بالجامعة، بعد قرار وزراء الخارجية العرب نهاية عام 2011، بتعليق عضوية سوريا، وسحب أغلب الدول السفراء من دمشق.

 وجاء ذلك، ردا على قمع أجهزة مخابرات الأسد لثورة الشعب السوري التي تفجرت في مارس/آذار من العام المذكور، مطالبة برحيل رئيس النظام بشار الأسد.

والجزائر لم تغلق منذ ذلك الحين إلى الآن سفارتها في العاصمة السورية دمشق، كونها كانت الدولة الوحيدة رفقة العراق التي تحفظت على قرار تجميد العضوية.

حملة علاقات

وأدانت الشبكة "السورية لحقوق الإنسان" المعارضة، خلال تقرير في 29 مارس/آذار 2022، محاولات الجزائر تكريس إفلات النظام من العقاب والتصويت تسع مرات لصالحه على مدى السنوات التسع الماضية في جميع الفترات التي كانت فيها ممثلة بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وأضاف التقرير أن "جميع الدول التي صوتت لصالح النظام السوري في مجلس حقوق الإنسان هي قمعية استبدادية معادية لحقوق الإنسان، مثل روسيا، الصين، فنزويلا، كوبا".

 واعتبرت الشبكة أن "تصويت تلك الدول بما فيها الجزائر لصالح النظام السوري يعني أنها تنفي الانتهاكات التي يقوم بها، كما أنه يعد مشاركة بها بحسب قواعد القانون الدولي".

وذكر التقرير أن الجزائر نفذت حملة علاقات عامة لصالح النظام، وزارت عددا من الدول العربية؛ من أجل إقناعها بالتصويت لصالح عودته إلى جامعة الدول العربية، "متجاهلة انتهاكاته الفظيعة التي بلغت جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري".

واعتبرت الشبكة أن الجزائر اتبعت "خطى أنظمة تابعة لإيران مثل العراق ولبنان"، مشيرة إلى أنها "كانت دائما ضد حقوق الشعب السوري، واصطفت إلى جانب النظام، وبالتالي فهي متورطة وداعمة للانتهاكات التي مارسها بحق الشعب".

وأشار التقرير إلى أن "الجزائر انحازت إلى مصالحها مع روسيا على حساب مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، والتزمت بما طلبته منها موسكو على غرار دول قمعية مثل فنزويلا وكوبا".

ويؤكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أن ما يفعله النظام الجزائري من دعم وترويج للأسد "يشكل إهانة عظمى للضحايا السوريين الذين قتلهم وشردهم النظام وبلغوا ملايين السوريين".

وكان وزير الخارجية الجزائري السابق صبري بوقادوم، دعا في 14 فبراير/شباط 2020 إلى إنهاء تجميد عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، معتبرا أن موقف بلاده في هذا الشأن "حاسم وواضح ومبدئي، وأن عدم تفعيل عضويتها خسارة لأعضائها".

وفي 24 أغسطس/آب 2021، قال وزير خارجية الجزائر الحالي رمطان لعمامرة "إن سوريا موضوع أساسي في تحضير القمة العربية القادمة، وجلوسها على مقعدها في الجامعة سيكون خطوة متقدمة في لم الشمل وتجاوز الصعوبات الداخلية".

وعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، للقول إنه من المفترض أن تشارك سوريا في القمة العربية بالجزائر في مارس 2022، مضيفا أن بلاده تسعى لأن تكون القمة "جامعة للصف العربي".

ولاحقا أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في تصريحات صحفية في 10 مارس/آذار 2022 عدم وجود قرار حاليا حول عودة سوريا إلى الجامعة، مضيفا أن دعوة الأسد لقمة الجزائر تتطلب توافقا عربيا.

وألمح أبو الغيط إلى أنه يرصد اهتمام بعض الأطراف العربية من أعضاء الجامعة بعودة سوريا، ومنها دول تعلن هذا على الملأ، مثل: الجزائر، ولبنان، والعراق.

وأردف قائلا: هناك دول أخرى تتحدث عن الأخوة مع دمشق وتقيم علاقة طيبة معقولة، منوها إلى أن مناقشة عودة سوريا إلى الجامعة "سيترك للاتصالات الثنائية بين الدول العربية".

واجهة إماراتية

وقدم الدبلوماسي السوري السابق وكبير الزملاء في "مركز عمران للدراسات الإستراتيجية"، داني بعاج، لـ"الاستقلال"، لمحة عن كيفية تعاطي الجزائر مع ثورات الربيع العربي التي كانت ضدها.

وقال بعاج إن "الجزائر من الدول العربية التي لديها ثوابت لا تغيرها؛ بسبب التاريخ الاستعماري الذي عانت منه، مما جعلها تتمسك بسياسة (مناهضة للإمبريالية)، وبالمفهوم العام المناهض للتدخل في شؤون الدول".

وأردف قائلا: "هذا صحيح من جهة وغير صحيح من جهة ثانية في السياسة الخارجية، أي أنها تدعم كل تحركات التحرر فتساند البوليساريو ضد المغرب، وجنوب إفريقيا وتعمل على إقامة علاقات مع الدول التي تعتبرها تكافح الاستعمار، والهيمنة الغربية".

وأضاف بعاج انطلاقا مما سبق في الحالة السورية، أن "الجزائر تحاول أن تدعم عودة الأسد إلى مكانه، من منطلق تجربة الجزائر مع الإسلاميين بما يجعلها تتمسك بسيطرة الجيش على السلطة".

 ومضى يقول: "وبالتالي الجزائر أقرب لتبني موقف نظام الأسد وليس المعارضة، بعدما مرت بالعشرية السوداء (الحرب الأهلية في 1992) مما يجعلها تقف ضد الإسلام السياسي، كما أن الجزائر غير مؤيدة للربيع العربي، ولا سيما أن آخر تغيير حصل فيها كان مضبوطا بإيقاع الجيش كما حصل بمصر".

ويعتبر الدبلوماسي داني بعاج أن "ترويج الجزائر لعودة النظام السوري إلى الجامعة العربية، يأتي من محاولة الدفع باتجاه تعويم الأسد، لكن لا أعتقد أن الجزائر ستكون ناجحة أو أنها ستصل إلى نتيجة، إلا أن لها دورا أساسيا بالدبلوماسية دوليا وعربيا ولها كلمة مسموعة".

وذهب بعاج للقول: "لا أشك بوجود دفع خليجي من تحت الطاولة للجزائر للعب دور تلميع النظام السوري، وتحديدا إماراتي، وذلك لأن أبوظبي إذا تصدرت المشهد فلن تلقى استجابة لتورطها في أكثر من مكان".

واستدرك بالقول: "وبالتالي هنا من الأفضل من وجهة النظر تلك أن تقود الجزائر هذا الحراك الداعم للأسد، إضافة إلى أن هناك رؤية تقوم على أن عودة النظام السوري إلى الجامعة هو الأنسب لممارسة الضغط عليه بشكل أكثر فاعلية فيما هو خارجها، وهذه حجة ضعيفة لكونها تهدف بالنهاية لتعويم الأسد أكثر وأكثر". 

وزار بشار الأسد الإمارات في 18 مارس/ آذار 2022، كأول دولة عربية منذ أكثر من عقد وبشكل مفاجئ وبدون مراسم رسمية والتقى حينها ولي عهد أبو ظبي، الحاكم الفعلي للإمارات، محمد بن زايد، وحاكم إمارة دبي محمد بن راشد آل مكتوم، في محاولة لكسر عزلته العربية.

مهمة فاشلة

وتصطف كل من الإمارات، وسلطنة عمان، ولبنان، والأردن، والعراق، والجزائر، في موقف موحد كأكبر الدول الداعمة لعودة النظام السوري للجامعة، وخاصة بعد تسارع وتيرة التطبيع معه.

كما أن مصر على لسان سامح شكري وزير خارجية نظام عبد الفتاح السيسي قال في 20 مارس/ آذار 2019، بأن القاهرة "ليس لديها أي شروط لعودة سوريا" إلى الجامعة العربية.

وفي هذا الإطار اعتبر الدبلوماسي السوري السابق، بشار الحاج علي، لـ "الاستقلال"، أن بحث الجزائر عن توافق لإعطاء النظام بطاقة رسمية لحضور قمة الجزائر، "كونها لم تقطع علاقاتها مع الأسد، وهي الدولة العربية التي تعتبر ما يحدث بسوريا محاربة للإرهاب وليس ثورة، وتتبنى موقفا داعما للتدخل الروسي منذ عام 2015".

ويتفق الحاج علي مع بعاج من أن "القيادة الجزائرية تربط ذلك ضمن ما تستذكره عن أحداث ما يسمى (العشرية السوداء)، وهي السنوات العشر التي تلت فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات البرلمانية وتم إلغاؤها مما دفع الجيش للمواجهة معها ومع فصائل (الإسلام السياسي)".

ورأى الدبلوماسي أن "الجزائر لا تستطيع إقناع الدول العربية في الموافقة على عودة نظام الأسد لتسلم مقعد سوريا في الجامعة، مع رفض لذلك من دول أخرى مهمة وفاعلة، وهي تربط ذلك بإنجاز الحل السياسي وفقا للقرارات الأممية".

وانطلقت العملية السياسية بسوريا في عام 2014، عبر بيان جنيف الصادر في 2012، وتبعه لاحقا صدور القرار الأممي 2254 نهاية 2015، وينص على تشكيل حكم انتقالي وكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.

لكن النظام تعمد شل مفاوضات جنيف مع المعارضة، إلى أن وصل هذا المسار الأممي إلى طريق مسدود، بعدما أدخلت روسيا المعارضة في متاهة جديدة تحت اسم اللجنة الدستورية السورية المكلفة بصياغة دستور جديد للبلاد بإشراف من الأمم المتحدة.

وفشلت اللجنة على مدى سبع جولات منذ أن بدأت أعمالها في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2019 في تحقيق أي نتائج ملموسة أو الاتفاق على مادة واحدة من الدستور، وذلك لاتباع النظام أسلوب العرقلة بموافقة تامة من داعمتيه إيران وروسيا.

وضمن هذه الجزئية يشير الحاج علي إلى أنه "على الرغم من تسويق سياسة عودة النظام لمحيطه العربي من بعض الدول التي تدفع بهذا الاتجاه تحت حجة إبعاده عن إيران، إلا أن ذلك صعب، ولن يحدث لعدم مقدرة النظام على هذه الخطوة، وربط هذا أيضا بالحل السياسي وفقا لقرارات مجلس الأمن وخاصة القرار 2254، وهو ما زال يراوغ فيه الأسد".