"إكسبو دبي 2020".. كلمة السر في مسارعة أبو ظبي لمصالحة طهران

شدوى الصلاح | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

قبل نحو عام من انعقاد معرض "إكسبو 2020 دبي" كشفت الرئاسة الإيرانية أن الإمارات تقدمت بمبادرة لتسوية القضايا السياسية بين البلدين.

المعرض المقرر إقامته في الفترة من 20 أكتوبر/تشرين الأول 2020 وحتى 10 أبريل/نيسان 2021، هو الأول الذي تستضيفه منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا.

تعول الإمارات على المعرض أن يدفع عجلة الاقتصاد والاستثمار على المدى القصير والمدى الطويل أيضا، ومن المتوقع أن يضيف المعرض لاقتصاد الإمارات ما يقرب من 33.4 مليار دولار بالإضافة إلى خلق توفير آلاف الوظائف خلال مرحلة التحضير.

لذلك تسارع الإمارات بإنهاء خلافاتها السياسية مع إيران لتجنب أي أعمال قد تعود بالضرر على المعرض، حيث بدأت هرولة أبوظبي للتهدئة بعد أن حذرت طهران باستخدام القوة العسكرية لحل الخلاف مع الإمارات، وأثبتت قدرتها على تنفيذ ذلك باستهداف السفن الإماراتية في مياه الخليج.

وتخوض الإمارات استعدادات مكثفة على قدم وساق لاستقبال الحدث العالمي الذي من المتوقع أن يجذب 25 مليون زيارة كأعلى حضور منذ إطلاق المعرض عام 1851.

حق الاستضافة

وسعت دبي بقوة لاستضافة المعرض كعامل مساعد لتحويل الإمارة التي يسكنها 2.2 مليون نسمة إلى مركز عالمي رئيسي للسياحة والتجارة والمال، وفازت في 2013 بحق الاستضافة متفوقة على ساو باولو البرازيلية ويكاترينبرج الروسية وإزمير التركية في تصويت لأعضاء المكتب الدولي للمعارض.

وحصلت دبي على تأييد 116 من أصوات أعضاء المكتب الذين لهم حق التصويت والبالغ عددهم 164، في جولة إعادة نهائية أمام يكاترينبرج الروسية، لتصبح دبي أول مدينة في الشرق الأوسط تستضيف المعرض الذي تأمل الإمارات أن يجتذب إليها استثمارات بمليارات الدولارات.

وفي 2015 تسلمت أبوظبي رسميا لقب "المضيف الرسمي" لمعرض "إكسبو 2020"، الذي يعقد كل 5 سنوات، ويستمر 6 أشهر تستغلها الدول المشاركة لاستعراض تفوقها التكنولوجي وثقافتها وهندستها المعمارية، وتنطوي تلك المعارض على مخاطر كبيرة للدول المستضيفة، إذ سيكون عليها الاستعداد لإنفاق مليارات الدولارات على البنية التحتية وبناء فنادق ومبان واستعدادات أخرى لجذب ملايين السياح.

رد محسوب

اقتراب موعد المعرض جعل السلطات الإماراتية أكثر حذرا في ردود أفعالها من الأحداث بالمنطقة، إذ جاء رد فعلها على حادث استهداف ناقلاتها النفطية قبالة ساحلها في 12 مايو/أيار الماضي "محسوبا"، في محاولة لحماية سمعتها كمركز أعمال آمن ومستقر، وأحجمت عن توجيه أصابع الاتهام لأحد، متعهدة بضبط النفس ومنع التصعيد.

وعلى مدار تصاعد الأزمة بين واشنطن وطهران خلال الشهور الماضية، وازنت الإمارات بين محاولة تحجيم إيران من ناحية وحماية مصالحها الاقتصادية كمركز للسياحة والمال والتجارة في الشرق الأوسط من ناحية أخرى.

واتبعت الإمارات أسلوبا حذرا درءا للمتاعب من عند عتبة دارها، كما لجأت لطريقة براغماتية وإستراتيجية لأن لديها الكثير لتخسره، حسب ما قاله دبلوماسيون غربيون.

كثفت أبوظبي تحركاتها تجاه تحسين العلاقات مع إيران وزارت طهران في زيارات رسمية وأخرى سرية، وأجرت مباحثات أمنية معها، وأحرزت تقدما ملحوظا في علاقتها مع طهران.

اعتبر مراقبون سياسات الإمارات تمهيدا لتحالف جديد قد ينشأ في المنطقة خاصة في ظل علاقات اقتصادية ودبلوماسية متينة بين الدولتين وصمت إماراتي مستمر عن المطالبة باسترداد جزرها الثلاث المحتلة من قبل طهران.

تجنب التصعيد

كان موقف الإمارات من استهداف سفنها أول مظهر من مظاهر الانعطافة في السياسة الخارجية في المنطقة في التعامل مع إيران، إذ أعقبته بإعلان سحبها قسما كبيرا من قواتها باليمن، مع إظهار مزيد من الاستدارة الإماراتية نحو إيران وتجنب التصعيد معها.

وقرأت صحيفة الأخبار اللبنانية موقف الإمارات بعيون إيرانية، بالإشارة إلى أن التفسيرات في طهران بين رأيين، الأول يرى أن المهم هو التحول السعودي إن حصل، وآخر يرى أن الموقف الإماراتي مناورة تكتيكية تحتاج إلى تأكيد الجدية.

ويمكن تفسير تصرفات الإمارات بأنها تهدف إلى حفظ استقرار البلاد وأمنه خاصة أنها مقبلة على حدث مهم، ولا تريد أن تلقي العلاقات مع إيران ظلالها على معرض إكسبو 2020 المقبل المقرر إقامته في دبي.

خاصة وأن إمارة دبي، التي لا تملك الثروة النفطية التي تتمتع بها العاصمة أبوظبي، أكثر عرضة للضرر،وتأثرت دبي من المقاطعة التي تقودها السعودية لقطر والعقوبات الأمريكية على إيران. 

ويقول روبرت موجيلنيكي وهو باحث في معهد دول الخليج العربية ومقره واشنطن: إن المناطق الحرة تعتمد أيضا على حرية الوصول للمسارات البحرية في الخليج.

وتعاني الإمارة، التي يركز اقتصادها على السياحة وخدمات الأعمال العالمية، من تراجع سوق العقارات وتباطؤ مبيعات التجزئة، بينما تستعد لاستضافة معرض إكسبو التجاري العالمي في عام 2020، وتعمل على جذب المستثمرين الأجانب عبر مبادرات مربحة، في مسعى لتحفيز اقتصادها الذي يمر بمرحلة من التباطؤ هي الاسوأ منذ 10 سنوات.

اقتصاد مكشوف

الإمارات تمتلك اقتصادا متنوعا أكثر انكشافا على الصدمات الإقليمية، وكانت للأزمة مع إيران تداعيات موجعة لاقتصادها، حيث أثرت العقوبات الأمريكية على إيران على التجارة بين البلدين.

وأشارت صحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن التراجع في التجارة الإيرانية يأتي في وقت تواجه فيه الإمارات مصاعب في النمو الاقتصادي خلال السنوات الماضية، وذلك بسبب تراجع النفط وزيادة كلفة الحياة، لافتة إلى انخفاض أسعار العقارات في دبي التي يتركز فيها معظم التجار الإيرانيين، بنسبة 25% مقارنة مع عام 2014، بالإضافة إلى أن نمو الناتج القومي قد تباطأ بنسبة 1.9% في العام الماضي. 

وحذرت من أن العواقب الاقتصادية للنزاع ستكون مدمرة على الإمارات، التي أقامت نموذجها الاقتصادي على موانئها البرية والبحرية والسياحة والتجارة الإقليمية، لافتين إلى أن دبي تقوم بإنفاق 8 مليارات دولار على البنية التحتية، حيث تقوم بالتحضير لاستقبال المعرض التجاري الدولي إكسبو 2020، فيما تظل إمارة الفجيرة، وهي إحدى الإمارات، أهم مراكز نقل النفط في العالم.

وحسب التقرير، فإن عدد الإيرانيين الذين يعيشون في الإمارات انخفض من 117 ألفا قبل عام إلى 73 ألفا، فيما انخفض عدد الزوار الإيرانيين للنصف من 700 ألف عام 2016 إلى 350 ألفا، مشيرا إلى أن الشركات والتجار الذين يركزون على إيران يفضلون التعامل من خلال تركيا وعمان وماليزيا بدلا من الإمارات. 

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن عددا من الإيرانيين اشتكوا من رفض السلطات تجديد إقامتهم بسبب المخاوف الأمنية، وبالإضافة إلى هذا فإن القدرة الشرائية للإيرانيين انخفضت بسبب فقدان الريال الإيراني نسبة 60% من قيمته، منذ خروج ترامب من الاتفاقية النووية في أيار/ مايو 2018.

دواع أمنية

تضع الإمارات في حسبانها جيدا تهديدات طهران المتتابعة باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية وتحريك وكلائها في المنطقة، إذ حمّلت إيران قاذفات صواريخ على متن قوارب تجارية إيرانية في الخليج، في مايو/آيار الماضي، بعد أسابيع فقط من تَوصُّل المخابرات الأمريكية إلى ما يفيد بأن طهران أصدرت توجيهات لوكلائها ليستعدوا لاتخاذ نهج مواجهة أكثر تصادمية مع الولايات المتحدة.

كما لوح يحيى رحيم صفوي، أحد كبار مساعدي المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، بضرب القواعد والسفن العسكرية الأمريكية في الخليج، مؤكدا أنها تقع في مرمى صواريخ بلاده.

وقال في تصريحات له في يونيو/حزيران الماضي، إن: "للأمريكيين أكثر من 25 قاعدة عسكرية في أنحاء المنطقة"، مبينا أنهم: "يعلمون جيدا بأن هذه القوات هي في مرمى صواريخ إيران، وأن كل الأسطول الأمريكي والأجنبي في الخليج هو في مرمى صواريخ (ساحل –بحر) التابعة للقوة البحرية للحرس الثوري".

التهديد ذاته تبناه رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، في أغسطس/آب الماضي، محذرا من مغبة مهاجمة بلاده عسكريا، ملوّحا باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة. وهدد لاريجاني واشنطن صراحة بالقول: "هناك قواعد عسكرية فيها أمريكيون، قد تكون أهدافا محتملة للجيش الإيراني".

وتعد دبي المقرر إقامة معرض "إكسبو 2020" بها، أكبر ميناء توقف بالنسبة للسفن الحربية الأمريكية خارج حدود الولايات المتحدة، كما تستضيف الإمارات عموما 5 آلاف عسكري أمريكي، أغلبهم في قاعدة الظفرة الجوية في أبوظبي، وترابط فيها طائرات مسيرة وقوة من مقاتلات "إف-35" المتطورة الأمريكية.

الخلايا النائمة

تعي الإمارات جيدا قدرات إيران على تحريك خلاياها النائمة والتي لم تسلم الإمارات من وجودها، فمع تصاعد حدة التوتر بين إيران والغرب خاصة فيما يتعلق بالعقوبات المفروضة على النفط وحرية الملاحة في الخليج، غدت إيران قادرة على الاستفادة من شبكتها من الوكلاء المتشددين لشن هجمات نيابة عنها. 

وفي هذا الصدد، قال القائد السابق للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، الجنرال محمد علي جعفري: "الجانب المشرق في النزاعات الأخيرة يتمثل في حشد قوة تضم حوالى 200 ألف شاب مسلح في مختلف البلدان في المنطقة".

يضم "جيش التحرير الشيعي"، غير الرسمي، الميليشيات الشيعية العراقية، والحوثيين اليمنيين، وبالطبع مجموعة "حزب الله" اللبنانية، وهذا تحت إشراف "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإسلامي الإيراني.

وسوابق إيران في استخدام خلاياها النائمة في الإمارات، متعددة، وعلى رأسها خلية "حزب الله العنقودية"، التي تم إسقاطها قبل 6 سنوات، وأصبحت  قضية أمن دولة.

وقال الشاهد الأول في القضية: إنه تم تشكيل خلية "حزب الله" في الإمارات، بوساطة عملاء تابعين لجهاز الاستخبارات الإيرانية، وهم أعضاء فيما يسمى بـ "الحرس الثوري الإيراني"، بالتعاون مع عناصر تابعة لـ "حزب الله" اللبناني، منذ عام 2004، وبقيت تعمل خلية نائمة في الإمارات، حتى انكشف أمرها، وافتضحت عام 2013، بعد أن أصبحت خلية فعالة استطاعت تجنيد مجموعة من الأعضاء.

وأضاف الشاهد: "مصادرنا السرية داخل الدولة وخارجها أسهمت في الكشف عن خلية حزب الله العنقودية، وتلك المصادر كشفت أن مخابرات حزب الله والمخابرات الإيرانية كانت تجمع هذه المعلومات بهدف التخطيط لاستهداف وضرب المواقع الحساسة في دولة الإمارات".

حقوق الإنسان

وتواجه الإمارات تحديات كثيرة لإقامة معرض "إكسبو 2020"، إذ أطلق ناشطون في منظمات حقوقية موقعا إلكترونيا https://dubaiexpo2020.com/  يبرز انتهاكات حقوق الإنسان في الدولة.

وقالت الباحثة في معهد باريس الفرانكفوني للحريات لوري ميشال: إن الموقع يمثل رسالة احتجاج على الصمت الدولي لانتهاكات حقوق الإنسان المروعة في دولة الإمارات، ومنحها حق استضافة أحداث دولية رغم انتهاكها للحقوق والحريات.

وذكرت ميشال: أن الموقع يوجه رسالة إلى كل من يريد المشاركة في معرض "إكسبو 2020" بأن عليه أن يطلع على الجانب المظلم من ممارسات الإمارات القاسية بحق الناشطين والنساء والأكاديميين، ويستعرض جرائم الحرب التي ترتكبها أبو ظبي في اليمن ودول أخرى، وفقا لما أورده الموقع الإلكتروني الرسمي لمعهد باريس الفرانكفوني.

وأشار معهد باريس إلى أن الإمارات تحاول من بوابة استضافة معرض "إكسبو 2020" وأحداث دولية مشابهة، التغطية على انتهاكاتها الواسعة لحقوق الإنسان وما تتورط فيه من ارتكاب جرائم حرب في اليمن وغيرها من الدول.

محمد العادل رئيس المنظمة التركية العربية الإفريقية للتعاون الاقتصادي والإستراتيجي بأنقرة، قال: "الإمارات لديها هواجس أمنية واقتصادية من تهديدات إيران، الحسابات الاقتصادية حاضرة لدى الإمارات في توجهاتها نحو إيران".

مجرد جعجعة

وأشار العادل في حديثه لـ "الاستقلال" إلى أن: "الإمارات اعتمدت على وعود واشنطن بالتصدي لطهران لكن الواضح أن هناك علاقات تقليدية خفية بينهما"، لافتا إلى أن: لهجة الحديث بين أمريكا وإيران وإسرائيل وإيران "تبقى مجرد جعجعة على وسائل الإعلام ولا تصل حد المواجهة".

وبين "العادل": أن هذا ما أشارت إليه الإدارة الأمريكية عموما وخاصة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لا يريد حربا مع إيران، ويبحث عن تسوية ومستعد لاستقبال الرئيس الإيراني وما إلى ذلك.

وأضاف: "هذه كانت رسائل مهمة للإمارات بأنه لا يمكن الاعتماد على وعود الإدارة الأمريكية في فرض عقوبات أو مواجهة عسكرية مع إيران، مما دفعها إلى الرؤية بعقلانية والبحث عن حد أدنى من التواصل السياسي مع طهران لتسوية بعض الخلافات الأمنية التي تواجه منطقة الخليج".

ولفت "العادل" إلى أن: "الإمارات لديها هواجس أمنية من تهديدات المسؤولين الإيرانيين، والتي دفعت دول الخليج إلى البحث عن رؤية جديدة للتعاون مع إيران"، مستطردا: "لاشك أن إيران مهما اختلفت عن المنطقة في حساباتها السياسية والمذهبية تبقى محورا مهما جدا في منطقة الشرق الأوسط".

وشدد على ضرورة البحث عن صيغ للدبلوماسية والحوار السياسي بين دول المنطقة وعدم التوجه للخيارات الصعبة المتمثلة في الحرب والحصار، ناصحا بـ "خفض لغة التهديد".

وجزم رئيس المنظمة التركية العربية الإفريقية للتعاون الاقتصادي والإستراتيجي بأنقرة أن: "الأطراف الخارجية لا يمكن بأي حال أن تتحرك وفق مصالح المنطقة وإنما تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الإقليمية والدولية"، معتبرا توجه الإمارات نحو إيران: "توجه صحي للغاية يخدم ويمهد لتسوية سياسية عقلانية تخدم أمن المنطقة وتؤسس لعلاقات جديدة".

وأضاف العادل: "لا شك أن هناك هواجس اقتصادية لدى الإمارات لأن الاقتصاد الإماراتي خدمي بالدرجة الأولى ويتأثر تأثرا بالغا بهروب الاستثمارات والإيرانيون لديهم استثمارات كبيرة جدا خرجت بعضها وهددت بخروج بعضها الآخر". 

وأشار إلى أن: حدوث أي قلق أمني في الإمارات سيؤثر على هذه الاقتصاديات الخدمية ويشل الحركة الاقتصادية، مؤكدا: "ليس من مصلحة إيران أو أيا من دول الخليج الوصول إلى هذه المرحلة التي يمكن أن تسبب إشكاليات وحرب يصعب إنهاؤها خاصة أن أطراف إقليمية دولية ستدخل بشكل أو بآخر".