دبلوماسي عربي: اليمين المتطرف بات رقما صعبا وانتصاراته تعكس تدهور قيم أوروبا (خاص)

عمرو حبيب | a month ago

12

طباعة

مشاركة

قال السفير السابق للعراق في بلجيكا الدكتور جواد الهنداوي إن أحزاب اليمين باتت تشكل الثقل الأساسي في العمل السياسي بأوروبا، وأي حزب أوروبي في مرحلة تشكيل حكومة لم يعد بإمكانه تجاهلها.

جاء ذلك في حوار أجراه الهنداوي مع “الاستقلال”، خلال تعليقه على تحقيق أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا مكاسب كبيرة في انتخابات البرلمان الأوروبي التي أجريت في الأسبوع الأول من يونيو/ حزيران 2024.

ووقعت أكبر الصدمات في فرنسا، حيث حقق اليمين المتطرف أكثر من 30 بالمئة من الأصوات، ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإعلان حلّ البرلمان وتنظيم انتخابات تشريعية مبكرة.

وأوضح الدبلوماسي العربي أن دعوة ماكرون لانتخابات مبكرة تهدف إلى إبراز اليمين المتطرف كشيء مخيف للشعب الفرنسي، ومن ثم القضاء على هذا الصعود في مهده.

وعن العدوان الإسرائيلي على غزة وانعكاساته في أوروبا، أشار الهنداوي إلى أن الحراك الشعبي بأوروبا المتضامن مع غزة يعبر عن الضجر ضد الهيمنة الصهيونية على الأوروبيين أنفسهم، هم خرجوا للشوارع من أجل مستقبلهم قبل مستقبل الفلسطينيين.

ومع ذلك شدد على أن أوروبا لا يمكن أن تحيد عن موقف أميركا تجاه العدوان على غزة، هناك بعض المواقف الاستثنائية التي توحي ببعض الاستقلالية لكن في النهاية هي مع أميركا.
والهنداوي، سفير سابق للعراق في بلجيكا وحلف شمال الأطلسي “ناتو”، ومحلل سياسي مهتم بالشأن الأوروبي، ويرأس المركز العربي الأوروبي للسياسات وتعزيز القدرات ببروكسل، ويحاضر في جامعات فرنسية بالعلوم السياسية. 

انتخابات البرلمان الأوروبي

  • كيف ترى فوز أحزاب اليمين المتطرف بدول عديدة في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة؟

 صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة وغير المتطرفة، كان أمرا متوقعا، ونستطيع أن نقول إنهم في تقدم ملحوظ ومتدرج لكن ببطء إلا أنه كان تقدما مفعما بالثقة.

وهذه الأحزاب الآن تشكل الثقل الأساسي في العمل السياسي، وأصبحت رقما لا يمكن تجاوزه من قبل الحكومات وأصحاب القرار. فأي حزب في مرحلة تشكيل حكومة لا يستطيع تجاهل اليمين المتطرف أو حتى غير المتطرف. 

وأنا أرى أن صعود هؤلاء يعكس حالة من التدهور الاقتصادي والقيمي تمر بها المجتمعات الأوروبية حيث تجد في اليمين حلا متوقعا أو تنتظر منه أن يخرجها من هذه الحالة. 

  • بعد نتائج الانتخابات، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حل البرلمان ودعا إلى انتخابات برلمانية عاجلة.. هذا الإجراء مغامرة أم خطوة محسوبة؟ 

الدستور يخول لرئيس الجمهورية فعل ذلك حقيقةً، والدول القائمة على النظام البرلماني تمنح الحق لرئيس الوزراء بحل البرلمان أيضاً. 

في حالة فرنسا السبب الذي دفع ماكرون نحو ذلك هو النتائج التي حققها حزب ماري لوبان في الانتخابات الأوروبية، نعم هي انتخابات على مستوى أوروبا وليست محلية داخل فرنسا، لكن ذلك جعل ماكرون يستنتج أن هذا الصعود ينبغي أن تكون له تداعيات سياسية وعليه أن يتجهز هو وحزبه لمواجهة هذه التداعيات بشكل مبكر. 

وماكرون ينتظر من وراء هذا الحل أن يواجه الشعب الفرنسي هذه الموجة من الصعود من الآن. 

وتحليلي أنه يصنع من اليمين المتطرف شيئا مخيفا للشعب أو يتمنى أن يتمكن من خلال انتخابات مبكرة أن يقضي على هذا الصعود في مهده سواء على المستوى الأوروبي أو المستوى المحلي الداخلي.

فهو يدق ناقوس الخطر ويستنهض الانطباعات السلبية لدى الشعب ضد اليمين المتطرف وكأنه يقول لهم "الآن يجب أن نُسقطهم". 

فهو يحاول تنفيذ ما يمكن عده تعبئة شعبية وتحريضا على التلاحم مع الدولة ضد هذا الخطر القادم. 

وطبعا في هذا مخاطرة ليست بالقليلة وإن كنتُ أتوقع أن ماكرون سيحقق ما يريد.

العدوان على غزة

  • ما رأيكم في التعاطي الأوروبي مع العدوان الإسرائيلي على غزة؟ وهل موقف أوروبا مجرد تماهٍ مع الموقف الأميركي؟ 

أوروبا لا يمكن أن تحيد عن الموقف الأميركي تجاه حرب غزة، لكن طبيعي أن تكون هناك بعض المواقف الاستثنائية التي توحي ببعض الاستقلالية لكن في النهاية هم مع أميركا في موقفها بشكل عام.

نجد مثلا في تصريحات جوزيف بوريل المنسق العام للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي إيجابية تجاه أهل غزة وشهدائها ونقدا لإسرائيل ومجازرها بشكل أو بآخر وهي تصريحات جيدة جدا، لكن الأمر لا يتعدى نطاق التصريح لا أكثر. 

والحقيقة أن أوروبا ليس لها موقف مميز أو موقف خاص في التعامل مع حرب غزة، وهذا ينطبق على الدول الأوروبية، كل على حدة أو على الاتحاد الأوروبي باستثناء بعض الدول مثل إسبانيا والنرويج اللتين اعترفتا بالدولة الفلسطينية. 

ولم نجد مثلا مبادرة قوية غير مسبوقة من أوروبا أو الاتحاد الأوروبي لوقف الحرب أو إيجاد حل واضح وعادل أو إصدار قرارات مهمة ضد إسرائيل. طبعا الحديث هنا عن الحكومات. 

  • الحراك الشعبي الأوروبي ضد العدوان على غزة كان لافتا وربما مفاجئا.. كيف ترون تعامل الحكومات مع هذا الأمر؟

بالتأكيد الحراك الشعبي في أوروبا ضد الحرب على غزة مثل نهوضا مهما جدا، ويقظة إنسانية عظيمة يجب أن تدرس بكل أبعادها ودلالتها.

هذه الثورة الشعبية هي في المقام الأول ضد دولة إسرائيل وليس ضد الحرب في غزة، الحرب في غزة هي الحدث الذي أشعل الموقف، لكن هؤلاء نزلوا ضد الدولة المحتلة نفسها وضد وجودها عبر المجازر والقتل والاحتلال. 

وهذا وارد جدا في بلادنا أما أن يكون في أوروبا فهو أمر لافت ومهم يستحق الوقوف عنده بالدراسة والتمعن. 

هذا الحراك حول فلسطين من قضية إلى دولة، وأرى أن ذلك انعكس في قرارات الأمم المتحدة المرتبطة بالتصويت للاعتراف بدولة فلسطين وفتح سفارات لها.

وكل هذا لم يأت من فراغ بل وراءه هذا الحراك الضخم واللافت. وهو أمر يجب استثماره من أجل أن تقوم دولة فلسطينية مستقلة. 

وأتوقع أن تحسب إسرائيل لهذا الأمر حسابات عديدة قبل اتخاذ بعض الخطوات على المستوى الدولي، فهي الآن تدرك حجم الغضب تجاهها وكذلك حجم الرفض. 

هذه اليقظة الأممية والأوروبية هي تعبير عن الضجر ضد الهيمنة الصهيونية على الأوروبيين أنفسهم، هم خرجوا للشوارع من أجل مستقبلهم قبل مستقبل الفلسطينيين رغم تعاطفهم طبعا مع فلسطين، لكنهم يعلمون أن التحكم الصهيوني ممتد إلى العالم أجمع. 

"طوفان الأقصى" أخرجت من داخل هؤلاء الناس في أوروبا ازدراءهم للكيان الصهيوني وعبرت عن رغبتهم في التخلص من هيمنته على روافد المجتمعات عموما. 

والمتظاهرون في أوروبا بعثوا رسالة واضحة مفادها أن هذا الكيان "مؤقت وليس له ديمومة". 

أما تعامل الحكومات فهي متنوعة كما نرى بين القمع والسماح بالتظاهر لكن الحكومات في أوروبا لا تغير موقفها السياسي بسهولة رغم الأمل في أن تتسبب هذه التحركات الشعبية والطلابية في بعض التغيير.

الحرب الروسية الأوكرانية

  • كيف تقيّمون الدعم الأوروبي لأوكرانيا منذ الغزو الروسي؟ وهل تتوقعون تطور هذا الدعم لتصبح أوروبا شريكا فعليا بالحرب؟

موقف أوروبا من أوكرانيا في حربها متقدم جدا ويثبت أيضا أن أوروبا لا تخرج من عباءة الولايات المتحدة، والدعم له أشكال متعددة ليس فقط عسكريا إنما هو دعم إنساني واجتماعي واقتصادي وأمني واستخباراتي بخاصة من ألمانيا وفرنسا. 

والرئيس الفرنسي أخيرا صرح بتصريحات قوية أزعجت روسيا ورئيسها بوتين بل أزعجت شخصيات سياسية فرنسية. وتقييمي لهذا الدعم أنه متقدم جدا يكاد يقترب من التلاحم الشامل مع أوكرانيا. 

لكنني لا أعتقد أن هذا الدعم قد يتطور لدرجة تجعل أوروبا شريكا علنيا وفعليا في الحرب، نعم يوجد خبراء أوروبيون يساعدون الجيش الأوكراني وبالطبع سلاح أوروبي.

لكن لا أتوقع أن تفعل أوروبا ذلك بأن تنخرط فعليا في المعارك لحسابات عديدة مرتبطة بالمنطقة واحتمالية توسع الحرب ورد فعل روسيا. 

  • هل تتوقعون أن تصبح أوكرانيا عبئا على أوروبا وبالتالي تتخلى عنها؟

لا يحتاج الأمر إلى توقع، بالفعل أوكرانيا صارت عبئا على أوروبا خصوصا على المستوى الشعبي، من بداية الحرب البعض من الشعب الأوروبي خرج في مظاهرات تأييدا لروسيا وأزعج ذلك الولايات المتحدة والحكومات في أوروبا.

فالشعب الأوروبي متذمر ويتحمل عبئا اقتصاديا كبيرا بسبب هذه الحرب. وكان هذا أمرا متوقعا من البداية، الأوروبيون يهمهم الوضع الاقتصادي وأوكرانيا تمثل عبئا من هذا الجانب. 

وبالتالي انكشف الهدف الأساسي للولايات المتحدة وهو إضعاف روسيا وأوروبا أيضا كي تُحكم هي قبضتها على الجانبين بل على العالم. 

أميركا لا تتخلى عن مثل هذه الأهداف في المواقف العسكرية وهذا واضح تاريخياً. والشعب الأوروبي يدرك ذلك ولذا فهو يعد أوكرانيا وأزمتها بشكل عام عبئا عليه وعلى مصالحه.

المسلمون واللاجئون

  • بعض التقارير تحدثت أخيرا عن هجرة ملحوظة للمسلمين الفرنسيين إلى دول أخرى.. هل بسبب الإسلاموفوبيا؟

لا أعتقد ذلك، هذه التقارير غير دقيقة، أنا أرى أن الإسلام في حالة تعايش بشكل عام في أوروبا بل إن رقعته في توسع حتى في فرنسا التي شهدت بعض الأحداث والتحركات ضد المسلمين، وهذا الأمر فيه مبالغة وبعض الادعاءات. 

وعلى مستوى أوروبا مدينة بروكسل مثلا 30 بالمئة من سكانها مسلمون، وإن كان سؤالك عن فرنسا فإن هذه التقارير لا تقدم أرقاما واضحة وتبالغ في الأمر. هذه رؤيتي. 

  • مع مرور الوقت تشدد أوروبا الرقابة على الحدود البرية والبحرية لمنع اللاجئين من الوصول إليها.. ما الحلول المطروحة حيال هذا التشديد؟

لا حل سحريا لمشكلة اللاجئين أبدا.. هذه أزمة تاريخية وستظل قائمة، كل ما يمكن فعله هو إيجاد إدارة ناجحة ومخطط لها جيدا للتعامل مع هذه الأزمة.

فالتضييق عبر الحدود البرية أو البحرية لن يكون حلا أبدا وسيجد اللاجئون حلولا بديلة لأنهم يفرون من بلادهم بدافع الفقر أو التهديد الوجودي لذا فتراجعهم شيء غير وارد. 

هناك أمور تجعل المسألة معقدة مثل وجود مستفيدين من وراء اللجوء، ولكل دولة لها خصوصيتها في التعامل مع هذه الأزمة.

لكن وجود إدارة جيدة للمسألة لدى كل دولة هو الطريق الأنسب للتعامل مع اللاجئين القادمين من بلادهم بعد أن أصبحت حياتهم فيها مستحيلة. 

مشكلة اللاجئين لا يوجد حيالها اتفاق واضح بين كل أوروبا على التعامل معها، لذلك يصعب أن نقول إن هناك سياسة موحدة في هذا الشأن خصوصا أن المشكلة متعلقة بالسياسة والاقتصاد والواقع المجتمعي والإنساني والأممي وأمور كثيرة متشابكة.