عناق إستراتيجي في الكنيست.. تحالف هندي إسرائيلي لمواجهة حركات المقاومة

شدوى الصلاح | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في مشهد عكس تحوّلًا لافتًا في ديناميكيات المنطقة وتبدّلًا في المشهد الجيوسياسي الإقليمي وتوازنات القوى، أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي التزام بلاده بتوسيع آفاق التجارة والاستثمار مع إسرائيل. مؤكدًا أن معاهدة الاستثمار الثنائية الموقعة العام الماضي ستوفّر "اليقين والآفاق الواضحة" للشركات في كلا البلدين.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، وقّعت الهند وإسرائيل اتفاقية لتعزيز وحماية الاستثمار المتبادل، لتصبح إسرائيل – وفق وزارة ماليتها – أول دولة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تبرم اتفاقًا من هذا النوع مع نيودلهي. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 3.9 مليارات دولار عام 2024، في مؤشر على تنامي العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.

وخلال كلمة ألقاها أمام الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي في 25 فبراير/شباط 2026، ضمن زيارة استغرقت يومين، قال مودي: "إنه لشرف عظيم لي أن أتحدث أمام هذا المجلس الموقر. أتحدث باسم الهند، وبصفتي ممثلًا لحضارة عريقة".

كما قدّم تعازيه لما وصفه بـ"الهجوم الإرهابي الوحشي الذي شنته حماس في السابع من أكتوبر". مضيفًا: "نشارككم الألم، والهند تقف إلى جانب إسرائيل في هذه اللحظة وفي المستقبل".

وأشار مودي إلى أن الهند كانت في السنوات الأخيرة من أسرع الاقتصادات نموًا عالميًا، معربًا عن تطلع بلاده أن تصبح من بين أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم قريبًا. واصفًا إسرائيل بأنها "مركز قوة للابتكار والريادة التكنولوجية"، وهو ما عده "أساسًا طبيعيًا لشراكة مستقبلية" بين البلدين.

من جانبه، رحّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنظيره الهندي قائلًا: "لم أشعر قط بمثل هذا الحماس كما شعرت بوجودك بيننا، يا صديق إسرائيل العزيز". مضيفًا أن البلدين "ضاعفا حجم التجارة وزادا التعاون ثلاثة أضعاف بطرق يصعب وصفها".

وتحدث نتنياهو عن تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والفضاء، إضافة إلى مبادرة "الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي" (IMEC) الذي يربط الهند عبر شبه الجزيرة العربية بميناء حيفا ومنه إلى أوروبا.

ووصف نتنياهو العلاقة مع الهند بأنها "تحالف متين" في مواجهة ما سمّاه "الإسلام المتطرف"، ويرى أن إسرائيل تقف "في طليعة الحضارة" في مواجهة هذه التحديات. كما كشف عن مساعٍ لتشكيل تحالف إقليمي جديد يضم دولًا عربية وإفريقية وآسيوية، إلى جانب اليونان وقبرص، بهدف مواجهة ما وصفه بـ"المحاور الراديكالية" في المنطقة.

في السياق ذاته، ألقى زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد كلمة مقتضبة خلال الجلسة الخاصة، قال فيها مخاطبًا مودي: "دولة إسرائيل بأكملها تُكنّ لكم تقديرًا كبيرًا لقيادتكم وصداقتكم... شكرًا جزيلًا لكم على حضوركم".

وشهدت الجلسة جدلا بعدما منح رئيس الكنيست أمير أوحانا مودي ما أُعلن عنه باسم "وسام الكنيست". واصفًا إياه بأنه "أرفع وسام يمكن أن يمنحه كنيست إسرائيل لرئيس وزراء الهند".

غير أن نوابًا من المعارضة شككوا في وجود الوسام ضمن اللوائح الرسمية للكنيست، ويرى أنه غير منصوص عليه ولم يحظ بموافقة أي لجنة، في خطوة أثارت نقاشًا سياسيًا داخل البرلمان.

وتعكس هذه الزيارة، بما حملته من رسائل سياسية واقتصادية وأمنية، مسعى الجانبين إلى ترسيخ شراكة إستراتيجية تتجاوز البعد الثنائي، لتلامس إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط وخارجه.

انتقادات حادة

أثار منح رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ما أُعلن عنه بوصفه "أعلى وسام" في الكنيست الإسرائيلي موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث عد حقوقيون وناشطون الخطوة تناقضًا مع القيم الإنسانية، وتداولوا وسومًا عدة من بينها #ناريندرا_مودي و#نتنياهو و#الكنيست.

وتضمنت التفاعلات انتقادات حادة للزيارة ولطبيعة الخطاب المتبادل بين الجانبين، بينما دعا بعض المعلقين إلى إعادة النظر في العلاقات مع الهند والضغط عليها سياسيًا واقتصاديًا بسبب مواقفها الداعمة لإسرائيل.

خطوة محسوبة

في المقابل، رأى باحثون ومحللون سياسيون أن زيارة مودي لإسرائيل في هذا التوقيت تعكس تحوّلًا إستراتيجيًا في السياسة الخارجية الهندية، يقوم على تعميق الشراكات في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والاقتصاد.

ورأى آخرون أن الخطوة تندرج ضمن مساعي نيودلهي لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط وتعزيز تحالفاتها الإقليمية وفق حسابات المصالح الوطنية، حتى وإن أثارت استياءً في الشارعين العربي والإسلامي. مؤكدين أن الهند تتحرك ضمن إطار براغماتي واضح يهدف إلى ترسيخ تحالف أكثر صراحة مع إسرائيل.

مواجهة المقاومة

واستعرض أكاديميون ومحللون دلالات التحالف المعلن بين الهند وإسرائيل، مشيرين إلى أنه يتجاوز التعاون الاقتصادي ليشمل أبعادًا أمنية وإستراتيجية أوسع. وفي المقابل، رأى منتقدون أن هذا التقارب يحمل رسائل سياسية تمس قضايا حساسة في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ويعزز خطاب المواجهة الذي تبناه رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال المؤتمر الصحفي المشترك.

وتوقّف مراقبون عند حديث نتنياهو عن تشكيل تحالفات إقليمية جديدة. معتبرين أن إدماج الهند في هذا التصور يعكس سعي تل أبيب إلى توسيع شبكة شركائها خارج الإطار الغربي التقليدي.

صمت رسمي

كما عبّر ناشطون عن استيائهم من استمرار بعض الدول العربية في تعزيز علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الهند، رغم مواقف مودي الداعمة لإسرائيل. ورأوا أن الصمت الرسمي إزاء التصريحات المتبادلة بين مودي ونتنياهو يعكس ضعفًا في الموقف العربي تجاه التطورات الإقليمية.

وطالب بعضهم بإعادة تقييم العلاقات مع نيودلهي، وربط التعاون الاقتصادي بمواقف أكثر توازنًا من القضية الفلسطينية، في حين رأى آخرون أن إسرائيل نجحت في استقطاب قوة آسيوية كبرى إلى جانبها، مستفيدة من حالة الانقسام العربي وتراجع التأثير الإقليمي.

دعوات لمقاطعة الهند

وفي سياق متصل، دعا إعلاميون ونشطاء إلى اتخاذ خطوات عملية للرد على الزيارة، من بينها مراجعة العلاقات التجارية والاقتصادية، والضغط عبر أدوات مثل ملف العمالة الهندية في الدول العربية.

كما تصاعدت دعوات لمقاطعة المنتجات الهندية، ويرون أن التحرك الشعبي والاقتصادي قد يشكل وسيلة ضغط لإعادة توجيه السياسات، في ظل ما وصفوه بغياب رد فعل رسمي يتناسب مع حجم التحول في مسار العلاقات الهندية الإسرائيلية.

وتعكس هذه المواقف حجم الانقسام في قراءة الزيارة؛ بين من يراها تحولًا إستراتيجيًا طبيعيًا في سياق توازنات دولية جديدة، ومن يعدها اصطفافًا سياسيًا حادًا ستكون له تداعيات أوسع على المنطقة.