الجزائر ومالي تتقدمان نحو "قطيعة دبلوماسية".. ما الأسباب والتداعيات؟

على صفيح ساخن، تعيش العلاقات الجزائرية المالية بعد استدعاء باماكو سفيرها احتجاجا على ما أسمته "تدخلا للجزائر في شؤونها الداخلية" واستقبالها شخصيات تعدها "مناوئة" لسلطة الحكومة المركزية بمالي و"متحالفة مع الجماعات الإرهابية".
وأعلنت وزارة خارجية مالي في بيان صادر عنها في 22 ديسمبر/كانون الأول 2023، استدعاء سفيرها لدى الجزائر للتشاور عملا بـ"مبدأ المعاملة بالمثل"، بعد أن قررت الجزائر استدعاء سفيرها في مالي للتشاور.
وقبل ذلك، وفي 20 ديسمبر، أعلنت وزارة الخارجية في مالي، أنها استدعت سفير الجزائر "لإبلاغه احتجاجا شديدا" وذلك "على خلفية الأعمال غير الودية الأخيرة التي قامت بها السلطات الجزائرية، تحت غطاء عملية السلام في مالي".
وهو الأمر الذي ردت عليه الجزائر عبر استدعاء سفير مالي لديها وإبلاغه أنها ترفض التدخل في الشأن المالي بشكل مبدئي وتقوم بدورها كبلد فاعل في الوساطة من أجل تنفيذ بنود "اتفاق الجزائر".
وفي 21 ديسمبر 2023، استدعى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، سفير مالي لدى الجزائر، ماهامان أمادو مايجا، وذلك ردا على استدعاء وزارة الخارجية في باماكو سفير الجزائر لدى مالي.
وأكد بيان للخارجية الجزائرية، "تمسك الجزائر الراسخ بسيادة جمهورية مالي، وبوحدتها الوطنية وسلامة أراضيها، إضافة إلى قناعتها العميقة بأن السبل السلمية، دون سواها، هي وحدها الكفيلة بضمان السلم والأمن والاستقرار في جمهورية مالي بشكل ثابت ودائم ومستدام".
توتر غير مسبوق
ويرى مراقبون أن سبب تفجر الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، جاء بعد استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في 19 ديسمبر 2023، إمام الطريقة الكنتية بمالي، الشيخ محمود ديكو، أبرز المرجعيات الدينية المؤثرة في الشارع المالي، الذي يتخذ وأنصاره مواقف منتقدة للحكومة الانتقالية وقائدها الجنرال أسيمي غويتا.
ورأى الباحث السياسي الجزائري، وليد كبير، أن "السبب المباشر وراء هذه الأزمة هو غضب القيادة الحالية لمالي من الاستقبال الذي خُصص لأحد الوجوه المعارضة لسلطات باماكو -في إشارة إلى الإمام ديكو-، إضافة للاجتماعات التي عُقدت مع قيادات من حركة الأزواد بالجزائر دون تنسيق مع باماكو".
وأضاف كبير، لـ"الاستقلال"، أن هذه الأزمة الدبلوماسية "تؤكد سوء تدبير الدبلوماسية الجزائرية في ما يخص علاقاتها مع الدول المحيطة بها"، مبينا أن "هناك سوء فهم عميق وإدارة ضعيفة من قبل رئيس الدبلوماسية الجزائرية أحمد عطاف".
بدوره، أرجع الخبير الجزائري في الشأن العسكري، أكرم خريف، تصاعد حدة التوتر بين مالي والجزائر لغاية استدعاء السلطة الحاكمة في باماكو سفيرها في الجزائر إلى "استقبال الرئيس تبون الإمام ديكو".
ورأى خريف، لموقع "القدس العربي" في 24 ديسمبر، أن السلطات المالية "قامت بردة الفعل هذه بعد أن جاء الإمام ديكو للجزائر وحظي باستقبال كبير من قبل السلطات".
وتابع أن "من حق السلطات الجزائرية أن تعامل الإمام ديكو بتلك الطريقة نظرا لثقله الكبير في شمال مالي، ومن واجبها أن تستقبل كل الأطراف الموقعة على (اتفاق الجزائر) لأنها هي من ترأس لجنة متابعة الاتفاق، وبالتالي المخولة دوليا بالسهر على تطبيقه".
وتعد الجزائر الضامنة والراعية لتنفيذ "اتفاق السلام" الموقع بين الحكومة المركزية في باماكو وحركات الأزواد التي تمثل السكان الطوارق في شمال مالي (القريبة من الحدود مع الجزائر) في مايو/ أيار 2015.
وأكد خريف، على أن "مالي من حقها أيضا أن تطلب شروحات حول استقبال الإمام ديكو، خاصة أن هذه الشخصية كانت دائما في الإستراتيجية المالية تعمل كوسيط بين السلطة المركزية وعدد من الجماعات المسلحة".
أما المحلل السياسي المالي، عثمان آغ محمود، فرأى أن العلاقات التاريخية بين البلدين التي استمرت منذ "ما قبل استقلال الجزائر وفترة السودان الإفريقي في مالي، باتت حاليا في مرحلة غير مسبوقة من التوتر".
وشدد آغ محمود، لموقع "أصوات مغاربية" (مقره واشنطن) في 22 ديسمبر 2023، أن "السياسات غير المحسوبة للدبلوماسية الجزائرية أدت إلى هذا التدهور الذي تمكن البلدان من تجاوزه في مرات سابقة".
وأوضح أنه "خلال العامين الماضيين تمكن البلدان من تجاوز نفس الحساسيات، عندما كانت الدبلوماسية الجزائرية في عهدة الوزير رمطان لعمامرة الذي تمكن من إخماد بوادر سوء تفاهم بين البلدين وتحرك بنفسه مرتين نحو مالي لاحتواء الأزمة".
تصعيد مبالغ
وأمام هذا التوتر غير المسبوق، عد مراقبون تصعيد السلطات بمالي، بأنه رد فعل "مبالغ فيه" تجاه الجزائر، خاصة أنها تعد الراعي الرئيس لاتفاق السلام المبرم بين حكومة باماكو والحركات المسلحة في شمال البلاد.
الباحث المتخصص في الشأن الإفريقي أحمد عسكر، رأى أن "تصعيد باماكو يثير الشكوك حول أسباب ودوافع إقدامها على هذه الخطوة التي قد تعزز عداءها مع جوارها الإقليمي منذ الانقلاب العسكري الأخير في البلاد".
وفي 24 مايو/أيار 2021 قام موالون لأسيمي غويتا زعيم انقلاب أغسطس/آب 2020 باحتجاز رئيس الحكومة الانتقالية باه نداو ورئيس الوزراء مختار وان، إثر إقدام رئيس الحكومة الانتقالية بإجراء تعديلات لبعض الوزارات التي كان يشغلها العسكريون (وزارتا الدفاع والأمن).
وقال عسكر، في تحليل نشره عبر موقع "إنترريجونال للتحليلات الإستراتيجية" في 27 ديسمبر، إن "باماكو تشعر بالانزعاج من استضافة الجزائر لقادة الحركات المسلحة المالية ولرموز المعارضة التي تنتقد المجلس العسكري الانتقالي، لا سيما ديكو الشخصية المركزية في الحياة السياسية ويتجاوز تأثيره المجال الديني، ويوجه انتقادات شديدة للمجلس الحاكم".
واستدرك: "رغم ذلك، فإنه من الطبيعي أن تستضيف الجزائر قادة الحركات المسلحة في إطار متابعتها اتفاقية السلام الموقعة في عام 2015 بوساطة ورعاية جزائرية".

وأشار عسكر، إلى أنه "ربما تكون خلفيات هذا التصعيد داخلية، أي أنها محاولة من النظام المالي الهروب من أزمات الداخل".
وأفاد بأن "النخبة العسكرية الحاكمة في مالي متورطة في مستنقع أزمات داخلية، ما قد يدفعها إلى محاولة تشتيت الانتباه عن ذلك بافتعال أزمات في الخارج".
وتابع أن "محاولة افتعال أزمة خارجية تأتي بعدما انسحبت فرنسا من البلاد (في أغسطس 2022)، ولم يعد هناك عدو خارجي يمكن للنظام الحاكم في باماكو أن يثير ضده النعرة الوطنية للرأي العام للالتفاف حوله على حساب الأزمات المتراكمة الداخلية".
وسجل عسكر، أن "هناك سببا آخر قد يقف وراء هذا التصعيد ويتمثل في شعور باماكو بالقدرة على القضاء على الحركات المسلحة في الشمال، خاصة بعدما استعادت السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بالاستعانة بشركائها الدوليين، مثل الغطاء الجوي والدعم اللوجستي الذي يوفره الحليف الروسي عبر قوات فاغنر".
ولفت إلى أنه أمام هذه التطورات الميدانية أرسلت مالي "رسالة تحذيرية تصعيدية إلى دول الجوار الإقليمي، لا سيما الجزائر، بأخطار إيواء الحركات المسلحة أو تقديم الدعم اللوجستي لها والتوافق معها، خاصة مع استمرار العملية العسكرية المالية ضد التمرد في شمال البلاد للقضاء عليه نهائيا بمساعدة روسية وإقليمية".
فتور أم قطيعة
وأمام تعدد أسباب تصعيد باماكو للهجتها تجاه الجزائر، يُطرح سؤال عن مآلات هذا التوتر غير المسبوق وهل يمكن أن يتطور إلى قطيعة دبلوماسية بين البلدين.
أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف، حسني عبيدي، قلل من خطورة هذا التوتر على العلاقات بين البلدين، مبينا أن العلاقات "لم تصل بعد إلى مستوى الأزمة"، مردفا أنه "يمكن القول إن هناك نوعا من الفتور يمكن أن يشكل بوادر أزمة إذا لم تستطع العاصمتان أن تحتويا هذه البوادر".
ورأى عبيدي، لقناة "دويتشه فيله" الألمانية في 22 ديسمبر 2023، أن "هناك سوء تفاهم" بين البلدين، مشيرا إلى أن "الجزائر مازالت تعتقد أنها راعية اتفاق 2015 التي وضعت حدا لحرب كانت أن تودي بالدولة المالية".
وأكد أن "إعادة التشاور مع كل الأطراف المالية مهم جدا لتجاوز تحديات الفراغ الذي تركه انسحاب فرنسا وبعثات الأمم المتحدة ثم الصراعات المتكررة مع رغبة السلطات المالية في بسط سيطرتها الكاملة على مناطق التنازع".
وأوضح أن "كل هذه الأمور مقلقة بالنسبة للجزائر، لذا بادرت في محاولة إنقاذ اتفاق مالي لسنة 2015 وهو الأمر الذي لم يستسغه النظام المالي"، مضيفا أن الجزائر هي راعية هذا الاتفاق ولكن المؤكد أن الشراكة مع الحكومة المالية "أمر مهم جدا".
وإذا كان عبيدي يرى أن البلدين قادران على تجاوز سوء الفهم، رأى الباحث السياسي الجزائري، رئيس الجمعية المغاربية للسلام والتعاون والتنمية، وليد كبير، أن الخطوة التي أقدمت عليها باماكو "لن تتوقف عند سحب السفير وربما قد تتطور إلى قطيعة دبلوماسية".
وأضاف كبير، لـ"الاستقلال"، أن "الجزائر متخوفة من خطوات تصعيدية أخرى خصوصا بعد الاجتماع الوزاري الذي عقد بمدينة مراكش بين دول الساحل الأربعة (تشاد، النيجر ومالي وبوكينافاسو) مع المغرب بخصوص المبادرة الدولية التي أطلقها العاهل المغربي محمد السادس لتسهيل استفادة دول الساحل من المحيط الأطلسي".
ويرى أن "هذه الإشارة تخيف النظام الجزائري من إقدام باماكو على قرار تاريخي يفضي إلى سحب الاعتراف بجمهورية البوليساريو الانفصالية ومن ثم الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه".
وخلص كبير، إلى أن "العلاقات بين الجزائر ومالي لن تعود إلى مجراها الطبيعي في القريب العاجل، لأن ردة الفعل كانت قوية من الجانب المالي وقد نشهد تطورات أخرى".
















