الحرب على إيران.. أي تداعيات سياسية واقتصادية على دول المغرب العربي؟

"العدوان على إيران له تداعيات كبيرة على المنطقة العربية والمغاربية ككل"
في خضم الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، ورغم البعد الجغرافي بين دول المغرب العربي ومنطقة الصراع، إلا أن التفاعل المغاربي كان واسعا مع تطورات المنطقة، وسط تحذيرات من التداعيات الاقتصادية السلبية لما يجري.
الهجوم الأميركي الإسرائيلي في 28 فبراير/ شباط 2026، أدى إلى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة، خلف تباينا في المواقف الرسمية لدول الاتحاد المغاربي، لا سيما بعد الرد الإيراني الذي استهدف قواعد أميركية في المنطقة.
خطوات مدروسة
ففي المغرب، أكد وزير الخارجية ناصر بوريطة، وقوف الرباط إلى جانب دول الخليج والأردن إثر الهجمات الصاروخية الإيرانية التي تعرضت لها، معبرا عن إدانة بلاده الشديد لهذه الهجمات.
وفي الوقت الذي وصف فيه تلك الهجمات بـ"العدوان الصارخ" و"الاعتداء الآثم"، لم يتم الحديث عن موقف إزاء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.
أما الجزائر، والتي تربطها علاقات قوية مع إيران، فأصدر وزير خارجيتها أحمد عطاف بلاغين، الأول عبر عن حالة "القلق" من تنامي التصعيد العسكري ودعا إلى خفضه، والثاني مطلع مارس/آذار 2026 تحدث عن استقبال سفراء الدول العربية التي تعرضت لاعتداءات عسكرية، دون أن يذكر مصدرها بشكل مباشر.
وفي تونس، عبر وزير خارجيتها محمد علي النفطي عن تضامن بلاده الكامل مع السعودية والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عُمان والإمارات والأردن والعراق.
وجدّد دعوة تونس للوقف الفوري للعمليات العسكرية وتغليب منطق الحكمة والعقل، والعودة إلى مسار الحوار والتفاوض كسبيل وحيد لتسوية الخلافات والنزاعات، مع ضرورة التحرك العاجل من المجتمع الدولي لوقف هذا التصعيد الخطير.
الموقف الليبي كان متطابقا مع التونسي، وهو ما ورد على لسان المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية والتعاون الدولي، الطاهر الباعور، خلال الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية الدول العربية، في 8 مارس 2026 عبر تقنية الفيديو.
وأعلن الباعور عن "تضامن ليبيا مع الدول العربية المستهدفة بالاعتداءات، والدعوة إلى تغليب لغة الحوار والتفاوض بعيدا عن التصعيد العسكري".
فيما اعتبر وزير خارجية موريتانيا محمد سالم ولد مرزوك، أن التطورات بالخليج تستدعي اتخاذ خطوات مدروسة وفعالة وحكيمة، تراعي مختلف السياقات والخلفيات المرتبطة بالصراع الدائر، بما يضمن صون أمن واستقرار الشعوب العربية، التي يراد لها أن تُجر إلى مربع هذه الحرب.
وأكد ولد مرزوك خلال الاجتماع الوزاري المذكور، أن انتهاك سيادة هذه الدول وسلامة أراضيها يعد مساسا فعليا بالأمن القومي العربي، يجب التعامل معه وفق المقتضيات اللازمة، مؤكدا دعم موريتانيا للخطوات كافة. التي ستتخذها الدول المستهدفة للدفاع عن أمنها واستقرارها.
تفاعل شعبي
تعالت أصوات مغاربية محذرة من تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وأهدافها السياسية السلبية تجاه وحدة الأمة الإسلامية وقواها الحية.
وفي هذا الصدد، حذر الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، عزيز هناوي، من مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يرمي إلى تمزيق المنطقة العربية، وفرض مشروع سايكس-بيكو جديد يقوم على القوميات والإثنيات.
وأكد هناوي لـ"الاستقلال"، أن العدوان على إيران “له تداعيات كبيرة على المنطقة العربية والمغاربية ككل، والتي توجب الوعي والحذر والانتباه الشديد”.
ونظرا لمنع السلطات المغربية للوقفات الداعمة لإيران، قال هناوي: إن الاحتجاجات في المغرب ضد العدوان “لا يجعل المغاربة شيعة، ولكنه في المقابل يجب ألا يجعلهم صهاينة”.
وأكد أن السلطات المغربية المعنية وعلى رأسها وزارة الداخلية، يجب ألا تقوم بمنع التظاهرات، فهي ليست منة بل حقا أصيلا، ومقتضى دستوري واضح.
كما انتقد هناوي ازدواجية الأنظمة العربية في التعامل مع إيران، قائلا: إن الكيان الصهيوني يقصف لبنان بشكل مستمر، يهاجم العاصمة بيروت وقرى البلد، دون أي موقف رسمي من الجامعة العربية التي باتت متخصصة في إيران، وكأن لبنان ليست جزءا من الأمة.
وذكر أن خلو بيان الجامعة العربية الأخير من الإشارة إلى لبنان ووقف المجازر في قطاع غزة وعموم فلسطين، هو رسالة مباشرة للكيان الصهيوني للاستمرار في جرائمه وحربه الدموية.
ورد هناوي على الذين يصفقون ويبتهجون بحرب أميركا وإسرائيل على إيران لتغيير النظام السياسي هناك، قائلا، إن عليهم أن يحافظوا على سلامة ذاكرتهم التي سيحتاجونها لاتخاذ موقف "حارق" عندما يتم تنفيذ نفس السيناريو في أي عاصمة أخرى بالمنطقة قد يكون لها برنامج علمي تقدمي أو موقف سياسي رافض للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والقدس.
وأردف مخاطبا هؤلاء، في إشارة إلى تيار “كلنا إسرائيليون” وبعض الأصوات العربية الداعمة للحرب على إيران، "لا ترموا حجارة كبيرة بالبئر الإيراني، لأنكم ستضطرون للنزول لجلبها من قاع بِئركم عندما تدور عليكم الدائرة يوما ما".
وكان حزب العدالة والتنمية المعارض، وحركة التوحيد والإصلاح، وجماعة العدل والإحسان، وحزب التقدم والاشتراكية، وفيدرالية اليسار الديمقراطي وغيرها من تيارات مغربية، قد أصدرت بيانات رافضة للعدوان على إيران.

فوضى عالمية
من جهتها، رأت حركة مجتمع السلم الجزائرية أن ما جرى فيه انتهاك صارخ لسيادة الدول ولمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الفوضى وعدم اليقين في المنطقة.
وحملت الحركة عبر بيان مطلع مارس 2026 الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية المسؤولية الكاملة عن تبعات هذا التصعيد، وما ترتب عنه من تداعيات خطيرة على الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.
ودعت الدول العربية والإسلامية إلى اتخاذ موقف موحد ومسؤول يرقى إلى مستوى التحديات الراهنة، ويعمل على كبح هذا الانفلات الصهيوأميركي الخطير، والذي أدى إلى دخول المنطقة في احتراب وتوتر لا يخدم إلا المشروع الصهيوني.
وفي تونس، أكدت حركة النهضة أن تونس، بحكم موقعها وانتمائها العربي والإسلامي والمتوسطي، معنية بالدفاع عن منطق التهدئة والحلول السياسية وبالابتعاد عن كل سياسات المحاور أو النفاق أو المزايدة التي لا تخدم الحق والمصالح الوطنية وذلك بالانحياز للعدل والاستواء عليه.
وشددت الحركة عبر بيان في 3 مارس 2026، أن التحصين الحقيقي للدول وللمجتمعات يكون ببسط الحرية، وبالنضال السياسي السلمي، وبخيار الدولة المدنية الديمقراطية، ورفض توظيف الحروب والصراعات الإقليمية لتبرير الاستبداد أو التضييق على الحريات في أي بلد.
وجدّدت الحركة التأكيد، وسط هذه العاصفة الإقليمية، أن لا مخرج لدولنا وشعوبنا خارج منهج الحوار والتعايش بين المختلفين وخارج قيم الإخاء العربي والإسلامي.

مخاوف اقتصادية
وتعيش الأوساط الاقتصادية المغاربية حالة من الاستنفار غير المعلن، إذ تتصاعد المخاوف من أن يؤدي التصعيد إلى تأثير سلبي على الشأن الاقتصادي وتبعا لذلك الاجتماعي.
ففي ليبيا تبدو المخاوف كبيرة بسبب تداعيات الحرب على إيران، خاصة وأن البلاد تعتمد على الاستيراد لتأمين أكثر من 80 بالمئة من احتياجاتها الأساسية، الأمر الذي يعني أن أي توترات جيوسياسية في ممرات الطاقة والتجارة العالمية تتحول بسرعة إلى أزمة معيشية حادة.
وفي هذا الصدد، أكد تحليل نشره موقع "ليبيا24" في 8 مارس، أن القلق الأكبر ينصب حاليا على مصير العملة الوطنية، في ظل تهافت المستوردين التجار على شراء العملة الصعبة، ما يخلق ضغطا هائلا يرفع سعر صرف الدينار في السوق السوداء إلى مستويات قياسية.
ورغم أن ليبيا قد تبدو مستفيدة من ارتفاع أسار النفط، إلا أن المصدر ذاته أشار إلى "مفارقة ليبية"، وهي أن هذا الارتفاع ليس في صالح الميزانية العامة، نظرا لكون ليبيا لا تملك مصافي كافية لتغطية حاجتها من المشتقات المكررة، مما يجعلها تستورد جزءا كبيرا من احتياجاتها من الوقود والغاز بأسعار عالمية مرتفعة، مما يضغط على الميزانية العامة ويحد من أي فائض مالي محتمل.
وذكر الموقع أن اعتماد قرابة ثلث السكان على رواتب حكومية ثابتة لا تتغير بتغير الأسعار بسبب التوتر في الشرق الأوسط، يجعل أي ارتفاع في كلفة المعيشة يعني تراجعا حادا في القدرة الشرائية.
أما موريتانيا، والتي تعد مستوردا صافيا للمحروقات، فقد وجدت نفسها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، خاصة وأنها شرعت قبل شهر في تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم الحكومي عنها.
وفي هذا الصدد، ذكر موقع "أقلام" المحلي في افتتاحية 2 مارس، أن أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس سريعا على تكاليف النقل والكهرباء وأسعار المواد الغذائية، في ظل اعتماد البلاد على الواردات لتلبية جزء معتبر من حاجياتها الأساسية.
في المقابل، أكد المصدر ذاته أن الأزمة تحمل جانبا إيجابيا لموريتانيا بوصفها دولة دخلت حديثا نادي مصدر الغاز عبر مشروع "السلحفاة الكبرى آحميم" المشترك مع السنغال.
واعتبر الموقع أن ارتفاع أسعار الغاز عالميا قد يعزز من قيمة العائدات، مشيرا إلى أن هذا مشروط بطبيعة العقود المبرمة، وبقدرة المشروع على التكيف مع بيئة دولية تتسم بارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري، ما يجعل المكاسب المحتملة مرتبطة باستقرار نسبي في الأسواق.
وفي المغرب، قالت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، إن بلادها مستعدة لمواجهة التداعيات المحتملة على الاقتصاد بسبب حرب إيران، لافتة إلى أن الحكومة لديها آليات وقائية لدعم الفئات المتضررة.
وفي مقابلة مع القناة الفرنسية "بي إف إم" في 4 مارس، أوضحت العلوي أن المغرب "لديه اقتصاد يتمتع بالمرونة، واحتياطيات مهمة من العملة الصعبة، ومزيج طاقي يشهد نموا في حصة الطاقات المتجددة".
غير أن اعتماد البلاد على استيراد المحروقات يجعلها عرضة لتقلبات كبيرة، حيث اعتمدت الحكومة في موازنة العام الحالي سعر برميل النفط عند 65 دولارا بينما يشهد سعر البرميل ارتفاعا منذ بدء الحرب على إيران.
ويؤثر ارتفاع أسعار المحروقات على كلفة النقل وبالتالي على أسعار المستهلكين، التي شهدت انكماشا خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
وبحسب الوزيرة المغربية فإن "الحكومة تواجه بالفعل هذا الارتفاع، وفيما يتعلق بالغاز، الذي يُستهلك أساسا من قِبل الأسر"، مشيرة إلى أنه يمكن "احتواء هذا الأثر بفضل ماليتنا العمومية"، معبّرة عن أملها في أن تكون الأزمة قصيرة الأمد.
وبخصوص تونس، فيرى الاستشاري والمختص الدولي في مجال النفط، محمود الماي، أن إغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط البحرية عالميا، سيؤثر على مختلف دول العالم، ومنها تونس.
وأوضح الماي لموقع "إلترا تونس"، أن ارتفاع الأسعار على المستوى العالمي سيخلف عجزا تجاريا إضافيا في تونس حال تجاوز صعوبات التزود أساسا، وهو ما سيكون له تأثير مباشر على موازنات تونس وعلى الحركية الاقتصادية في البلاد.
وذكّر بأن العجز الطاقي لتونس يمثل نحو 60 بالمئة من عجز الميزان التجاري، وهو ما سيتواصل في ظل الظروف الحالية وفي ظل عدم إيجاد حلول للشركات الناشطة في مجال التنقيب والاستكشاف للبحث عن مصادر أخرى لتأمين حاجيات التونسيين من الطاقة.
رؤية مستقبلية
وأكد رئيس الحكومة المغربية الأسبق عبد الإله ابن كيران، أن ما نراه من حرب على إيران “ليست بالأمر العادي أو الهين، بل هي حدث كبير جدا وتاريخي”.
وشدد ابن كيران في كلمة افتتاحية لاجتماع الأمانة العامة لحزبه -العدالة والتنمية-في 7 مارس، أن خروج الأمة من هذا المأزق، يستوجب على دولنا في المنطقة، ولا سيما الكبرى منها، أن تفكر عاجلا في وضع أسس تحالف حقيقي، عسكري سياسي اقتصادي، يبشر بأنه يمكن أن ندافع به عن أنفسنا في المستقبل.
وأردف بأنه “ما يجري يبين أنه كان من المفروض أن تكون دولنا السنية، قد رتبت شؤونها لمثل هذا اليوم، كما أنه مطلوب من المغرب العربي أن يصحح وضعه، ويلتف ويلتحم ويعالج خلافاته، ويوحد نفسه كتحالف أو محور أو شيء من هذا القبيل”.
وأشار ابن كيران إلى أن أميركا هاجمت إيران ولم تدافع عن حلفائها العرب الذين كانوا يمدونها بكل شيء، لأنها لا تبالي إلا بدولة واحدة وهي "إسرائيل"، لأسباب متعددة تحدث عنها المختصون.
"الوضع سلبي ولا ندري إلى أين سيمضي"، يقول المتحدث ذاته، معتبرا أنه يجب أن نرجع إلى أنفسنا، وخاصة مصر وتركيا والسعودية لما لها من كفاءات خاصة، فهذه الدول إن اجتمعت واتحدت يمكن أن تُكوِّن في نفسها ما يمكن أن تُعول عليه في المستقبل.
وبعد أن ذكر أن الحزب عبر عن رفضه المطلق لهجوم إيران على الدول الخليجية، شدد على أن مساندتها اليوم هي قائمة على أمر منطقي وبسيط، وهو أنها دولة تعرضت لهجوم خارج كل منطق، حيث كانت في مفاوضات كادت تعطي نتيجة، لكن تم الغدر بها، ولذلك نرى الولايات المتحدة تبحث عن مبررات معقولة ومقبولة لهذا الهجوم.
ونبه ابن كيران إلى أن الخبراء يتحدثون عن تركيا أو مصر كهدف جديد للعدوان والحرب الصهيونية عقب الانتهاء من إيران، وكل في علم الله وقدرته، مما يبين أننا نمضي لوضع صعب جدا لا قدر الله.
"يجب أن يبادر قادتنا لنبذ الخلاف والتعاون المشترك، ويتحملوا مسؤوليتهم التاريخية، لأننا أمام قضية حياة أو موت أمام دولنا وأمتنا"، يقول أمين عام حزب العدالة والتنمية، مسترسلا، فهذا أمر ضروري إن أردنا أن تكون لنا كرامة وأن نحافظ على استقلالنا.
وخلص ابن كيران إلى التوجه لله بالدعاء بأن يلهم الأمة حتى ترجع إلى دينها وقرآنها، مشيرا إلى أن 90 بالمئة من الأمة الإسلامية هم من أهل السنة والجماعة، ولذلك يجب أن يكونوا في مركز القيادة، وأن تُحترم باقي الطوائف وأن تَحترم موقعها ومكانها في الأمة.

















