Sunday 05 December, 2021

صحيفة الاستقلال

سبتة ومليلية بين المغرب وإسبانيا.. جهود الاستعادة والرؤية الأميركية

منذ 2021/10/14 20:10:00 | تقدير موقف
إقرار السيادة الإسبانية على الإقليمين تواجهه صعوبات جمة أبرزها إمكانية استغلال المغرب للتخوفات الأميركية من نفوذ الصين واستدعاءها
حجم الخط

المقدمة

أولا: المد والجزر الراهنان في العلاقات الإسبانية المغربية

أ. قضية "إبراهيم غالي"

ب. قضية المناورات الأميركية المغربية

ج. التطورات بخصوص سبتة

ثانيا: الجهود المغربية لاستعادة سبتة ومليلية

أ. استمالة الولايات المتحدة عسكريا

ب. السياسة الداخلية لإدارة الملف

ثالثا: تطورات الموقف الأميركي بخصوص سبتة ودلالاته

أ. الموقف الأميركي التقليدي

ب. جديد الموقف الأميركي

خاتمة


المقدمة

تعمل مدريد جاهدة لاحتواء الخلاف بينها وبين الرباط، ما بلغ حد تقديم وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة أرانشا جونزاليس لايا "كبش فداء"، كما تصدر عنها إشارات تشير لإمكانية التفاوض حول وضع إقليمي "سبتة" و"مليلية" المحتلتين. 

وعلى صعيد آخر، تتحرك إسبانيا لتأليب القوى الكبرى ضد المغرب والجزائر معا، وترسل إشارات بأنه لا مجال لمعاودة الحديث عن تسليم الإقليمين، وتسعى للاستقواء بالقوة الأميركية لترسيخ احتلالها عبر الصعود على متن أول سفينة مخصصة لقوات القيادة الأميركية لإفريقيا "أفريكوم"، وسط تكهنات بوجود مقاصة استعمارية جديدة.

وفي المقابل، يستمر الخط التصاعدي لردود الأفعال المغربية ليبلغ حد نشر المسيرات التركية من طراز "بيرقدار تي بي 2" ضمن نطاق لا يتجاوز 30 كم عن إقليم "مليلية"، فيما يسود الصمت حيال "سبتة. 

ويتمدد رد الفعل المغربي لصالح اتخاذ خطوة قوية لترطيب الأجواء مع الجزائر، الخصم العنيد لجنوب أوروبا.

ومن جهة ثالثة، نجد الفاعل الأميركي يسعى لفرض حضوره في غرب المتوسط؛ كما في شرقه، عبر شراء الجزر اليونانية وتحويلها لقواعد، مضافا إليها ضغوطه على الجزائر عبر فرنسا وإسبانيا، وانتهاء بما يثار من تكهنات وتأويلات للتودد المفرط في العلاقة بين المؤسستين العسكريتين الأميركية والإسبانية؛ حول وجود "اتفاقية وفاق ودي" جديدة تماثل سابقتها الموقعة في 1904، والتي سبق أن أخضعت المغرب العربي لفرنسا، لكنها اليوم تعمل ضد الفاعل الفرنسي الذي فضل الانسحاب للخط الثاني.

كيف يمكن قراءة المشهد المغاربي اليوم؟ وكيف يمكن تقييم القلق الأوروبي من تنامي القوتين الجزائرية والمغربية؟ وهل تسعى الولايات المتحدة حقا لتثبيت الخرائط الجيوسياسية في شرق المتوسط وغربه بقوة الأسطول السادس؟

وهل ثمة إمكانية لبناء مقاصة استعمارية جديدة يتم من خلالها ترضية المملكة المتحدة وإسبانيا على حساب المغرب العربي؟ وما هي تداعيات هذا المشهد على ترتيبات أمن المتوسط؟

هذه الدراسة تقدم اجتهادا في الإجابة على هذه التساؤلات.


أولا: العلاقات الإسبانية المغربية.. مد وجزر

ملفات شائكة عدة تهدد العلاقة بين الرباط ومدريد، وكانت وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة أقرب لـ"الانفعالية" منها للتوازن الدبلوماسي - وفق الصحافة الإسبانية - في تعاطيها مع سياسات المغرب التي كانت تحبط أفق الوجود الإسباني في الأقاليم المغربية المحتلة، وكانت قضايا جبهة "البوليساريو" وترسيم الحدود المغربية من طرف واحد، والسياسات تجاه سبتة ومليلية، من بين القضايا التي ألهبت التوتر. 

ومن جهة أخرى، فإن قضية "سبتة" و"مليلية" نفسها كانت موضعا للجدل، بين أنباء "إسبانية" حول احتمال تسليمهما إلى المغرب، وسياسة تسير في اتجاه الاحتفاظ الإسباني بهما بدعم عسكري أميركي. 

الدلائل تشير لوجود رغبة إسبانية في تهدئة الخلاف مع المغرب، وبلغ الأمر في هذا الصدد أن قدمت وزيرة الخارجية الإسبانية كـ"كبش فداء" لتحسين هذه العلاقات،  غير أن أنباء تسربت عن نوايا إسبانية للحصول على دعم أميركي يرتبط بالاحتفاظ بـالمدينتين المغربيتين، فما ملامح بؤر التوتر هذه؟ وما الدور الأميركي فيها؟

أ. قضية إبراهيم غالي:

من بين القضايا التي ألهبت التوتر بين البلدين خلال الفترة الماضية، قضية موافقة إسبانيا على استقبال إبراهيم غالي، زعيم جبهة "البوليساريو" التي تطالب باستقلال الصحراء عن المغرب، وذلك لغرض العلاج.

أتت استضافة إسبانيا لـ"غالي" في توقيت كانت ترتفع فيه حدة وتيرة المواجهة بين المغرب وإسبانيا نتيجة ضغط عدة ملفات، من أهمها ملفات ترسيم الحدود البحرية، وسياسات المغرب الاقتصادية والأمنية تجاه المعابر البرية مع "سبتة ومليلية"، و"المناورات الأميركية المغربية" قبالة سواحل "جزر الكناري" علاوة على سياسات المغرب التي تؤدي لتعزيز الهجرة غير النظامية. 

هذا بالإضافة إلى العلاقات الاقتصادية التي تجمع المغرب بالمملكة المتحدة، والتي من أبرز ملامحها إنشاء جسر أو نفق تحت البحر المتوسط يربط بين جبل طارق، الواقع في جنوب إسبانيا، والخاضع للمملكة المتحدة، وبين شمال المملكة المغربية، وهو ما قد يؤدي لإفقاد احتلال سبتة ومليلية أي مبرر اقتصادي.

الخطوات التي اتخذتها المملكة المغربية تأتي في إطار أعمال السيادة على ترابها، وفي إطار علاقاتها المؤطرة بالقانون الدولي، وأدى التزامن بين هذه الخطوات من جانب الرباط والخطوة الإسبانية إلى مزيد من التدهور في العلاقة بين البلدين.

واتجهت مؤسسات الدولة الإسبانية إلى استدراك تداعيات هذه الأزمة، وبخاصة مع وجود نزوع مغربي نحو إدارة ملف الأراضي المحتلة بحدة ودبلوماسية نشطة، ما دفع وزارة الدفاع الإسبانية للكشف عن ملابسات دخول "غالي" للأراضي الإسبانية، وتأكيد وزارة الخارجية على عدم مرور القادمين على متن "طائرة غالي" على مصلحة مراقبة الجوازات والجمارك، وذلك بغرض إخفاء هويتهم.

كما ضيق القضاء الإسباني الخناق على وزيرة الخارجية للكشف عن ملابسات دخول "غالي"، وشنت الصحافة حملة على سلوكها "غير البروتوكولي"، وانتهى الموقف بإجراء رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، تعديلا وزاريا شمل عدة وزارات، منها وزيرة الخارجية، ليخلفها خوزيه مانويل ألباريز، الذي بدأ حملة علاقات عامة قوية لتحسين العلاقات مع المغرب.

وتأمل إسبانيا جراء تغيير سياستها إقناع المغرب بتشديد الرقابة على حدودها البرية، لكبح موجة الهجرة غير المسبوقة التي تبعت هذا الإجراء وأثارت قلق مدريد.

ب. قضية المناورات الأميركية المغربية:

تجمع المغرب بالولايات المتحدة علاقات تاريخية، حيث كان المغرب أول بلد يبادر إلى الاعتراف بأميركا بعد استقلالها عام 1776، عقب حرب الست سنوات ضد بريطانيا العظمى في ذلك الوقت، كما واجهت الانفصاليين الأميركيين، ولهذا لم يكن مستغربا أن تعمل الولايات المتحدة على دعم المغرب في مواجهة مشكلاته الإقليمية. 

وآخر المساندات الأميركية تلك التدريبات المشتركة بين البلدين، والتي جرت في 14 مارس/آذار 2021، بالتزامن مع تصاعد الأزمة بين المغرب وإسبانيا، حيث أجرى كلا البلدين مناورة عسكرية مشتركة حملت اسم "مصافحة البرق 2021"، وتأتي هذه المناورة في إطار اتفاق الشراكة الدفاعية بين البلدين.

اللافت أن إسبانيا أعربت عن قلقها لأنها لم تحط علما بهذه التدريبات. وكانت السفارة الأميركية بالرباط قد نشرت بيانا مقتضبا في صفحتها على موقع "فيسبوك"، جاء فيه أن "السفن والطائرات المقاتلة الأميركية والمغربية تدربت جنبا إلى جنب، في "مصافحة البرق 2021". 

وأرفق منشور السفارة التدوينة بصورة للمدمرة ذات الصواريخ الموجهة "يو إس إس بورتر" والفرقاطة المغربية "طارق بن زياد"، وأشير في حينه لالتقاط هذه الصورة من فوق سطح حاملة الطائرات "يو إس إس دوايت دي أيزنهاور".

ورغم أن التدريبات مدرجة في أعمال حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن إسبانيا ادعت أنها شكلت مفاجأة لها، وعبرت عن غضبها في عدة مسارات دبلوماسية وإعلامية.

وكان مثار الغضب الإسباني أن هذه المناورات أجريت على بعد يتراوح بين 12 إلى 50 ميلا شمال جزيرة "لا غراسيوسا"، وهي إحدى مناطق "جزر الكناري" التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الإسبانية.

وكان طبيعة الموقف الإسباني المرتبك مما له دلالته، خاصة وأن مدريد تستضيف "قاعدة روتا"، والتي تعتبر من القواعد الأميركية الرئيسة في العالم، ويعود وجود "البنتاغون" في هذه القاعدة التي تقع في إقليم "قادش" (أقصى جنوب غرب إسبانيا) إلى خمسينيات القرن الماضي بموجب اتفاقية وقعتها "واشنطن" مع نظام الجنرال فرانثيسكو فرانكو".

وتخشى إسبانيا من أن تؤدي المتغيرات الجيوسياسية بالمنطقة إلى تجاوز "قاعدة روتا"، خاصة وأن النفوذ الصيني في إفريقيا يمثل هاجسا لإدارة "بايدن"، ما يجعل القارة السمراء مستهدفة بتوسعة الحضور العسكري الأميركي، وهو ما ترتقب معه القارة نقل مقر "أفريكوم" لإحدى الدول الإفريقية، وقد يكون المغرب أحد المرشحين لهذه الاستضافة.

والتعاون الأميركي المغربي على هذا النحو، يحمل رسالة ضمنية فيما يتعلق بدعم إسبانيا لجبهة "البوليساريو"، ولعل تطورات هذا الموقف كان مما دفع الولايات المتحدة للضغط على رئيس الوزراء الإسباني لاحتواء الخلاف مع المغرب. 

وكانت رسالة المناورات المتكررة بين واشنطن والرباط مفادها أن الاعتراف بمغربية "إقليم الصحراء" صدر ليدوم، وأنه لا محل للتراجع عنه بالنظر لأهمية المملكة المغربية ضمن الرؤية الإستراتيجية الأميركية.

ج. المواجهات بخصوص سبتة:

إقالة وزيرة الخارجية الإسبانية ارتبط كذلك بملفي "سبتة" و"مليلية". ففي إجراء منفصل، فيما يتعلق بمواجهة تحركات المغرب المرتبطة برفع يدها عن ضبط حركة الهجرة غير الشرعية، اتجهت الخارجية الإسبانية للمطالبة برفع عدد عناصر "وكالة الحدود الأوروبية" في المدينتين المحتلتين، علاوة على خطة مدروسة لدفع الإدارة الأميركية للتقليل من دعمها للمغرب في قضايا عدة. 

كما أعلنت الوزارة أن الحكومة الإسبانية تدرس ضم جيبي "سبتة" و"مليلية" في شمال إفريقيا بشكل كامل إلى منطقة "شنغن" الأوروبية.

وما زالت السياسة الإسبانية تجاه الإقليمين غامضة، رغم جهود حكومة مدريد لاحتواء الأزمة مع المغرب، وهو ما أدى لسلوك نادر في السياسة الخارجية الإسبانية بشكل خاص، والأوروبية بشكل عام، والتي يطاح فيها بوزير خارجية لتسببه في اندلاع أزمة حادة مع "دولة عربية". 

كما أن ثمة سلوكيات تحتمل تأويلات مفتوحة فيما يتعلق بالإقليمين، وقد ذكرت الدراسة بعضها في مقدمة هذه الدراسة، من حيث إشارة بعض المواقع لاحتمال اتجاه إسبانيا نحو إعادة منطقتي سبتة ومليلية للمغرب.

وهو ما دعمته بعض الأخبار الجانبية، منها - على سبيل المثال - إعلان وزارة الدفاع الإسبانية اعتزامها استخراج ونقل رفات 54 إسبانيا دُفنوا قبل أكثر من 280 سنة في "صخرة الحسيمة"، التي تعرف باسم "جزيرة النكور"، والتي تقع قرب الساحل الشرقي للمغرب، و في جزيرة "قميرة"، الواقعة غربي البحر الأبيض المتوسط، وطلبت وزارة الدفاع من ذوي المواطنين الإسبان المدفونين في الجزيرتين اختيار أماكن لدفنهم.

وفيما تكهن مراقبون إسبان بأن هذه الخطوة ربما تكون ضمن مسار ينتهي بإعادة "سبتة" و"مليلية" للسيادة المغربية، أعلنت وزارة الدفاع أنها ستنقل الجثامين إلى مقبرة "بوريسيما كونسبسيون" في مدينة "مليلية"، ما لم يختر أقاربهم دفنهم في مناطق أخرى، وهو ما ينفي عمليا سلامة الاستنتاج بأن إسبانيا في طريقها لإعادة المنطقتين للسيادة المغربية.

لكنه لا ينفي إمكانية حدوث هذا الأمر في الأجلين المتوسط أو البعيد، وذلك بالنظر للإجراءات المغربية الاقتصادية والأمنية التي ستؤدي لتحويل الجزيرتين إلى عبء على الاقتصاد الإسباني، وهو ما تعمل الحكومة الإسبانية على مقاومته دون أن تتوتر علاقاتها الدبلوماسية "الروتينية" بالمملكة المغربية.

في هذا الإطار، ومع تصاعد وتيرة التعاون العسكري الأميركي المغربي، اتجهت وزارة الدفاع الإسبانية لبذل جهد مواز وفعال لدعم العلاقات العسكرية الإسبانية الأميركية، ووضعت تصورا لبروتوكول يضمن مشاركة إسبانية فعالة في العمليات التي تنجزها كل من القيادة العسكرية الأميركية لإفريقيا "أفريكوم"، والقوات الأميركية في حلف "الناتو".

ومن بين جهود وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلز، اتجاهها لدعم مشاركة مدريد في برتوكول العمليات الأميركية المخصصة لكل من أوروبا وإفريقيا، وهو البروتوكول الذي جرى توقيعه خلال زيارة "روبلز" لقاعدة البحرية الاستكشافية المتنقلة "يو إس إس هيرشل وودي ويليامز".

وهي الزيارة التي جرت في 7 يوليو/تموز، والتقت خلالها بكل من القائم بالأعمال في السفارة الأميركية في مدريد، كونراد تريبل، ومدير المقر البحري للأسطول السادس للقوات البحرية الأميركية، الأدميرال بن رينولدز، ورئيس أركان الضربات البحرية وقوات الدعم في الناتو، العميد الجنرال ماركوس أنيبالي، وهي الزيارة التي نشرت مقتضبة على موقع "البنتاغون". 

جدير بالذكر أن موقع وزارة الدفاع الأميركية قد نشر أن قاعدة البحرية الاستكشافية المتنقلة "يو إس إس هيرشل وودي ويليامز" تمثل القطعة البحرية الأولى المخصصة تماما لقوات "أفريكوم" التي تعمل على مركبات ومعدات خاصة بالأسطول السادس الأميركي.

ومع التكتم على المعلومات بهذا الخصوص (الخبر على موقع وزارة الدفاع جرى نشره في 12 يوليو/تموز 2021، أي بعد 5 أيام من الزيارة)، يرجح مراقبون أن البروتوكول الذي جرى توقيعه يتضمن ضم منطقة سبتة إلى خطة حركة الأسطول السادس الأميركي.

الخطوة التي اتخذتها إسبانيا دفعت المغرب إلى أن يسارع لبناء قاعدة للطائرات المسيرة تركية الصنع "بيرقدار تي بي 2" على مقربة من مليلية المحتلة، في قاعدة "العروي" بالناظور. 

ويأتي القرار المغربي استباقا لمحاولة وضع ترتيبات أخرى تخص منطقة مليلية، وإبداء الاحتجاج على الخطوة الأميركية - الإسبانية. 

كما يمكن استيعاب التطور في موقف العاهل المغربي محمد السادس حيال الجزائر، والداعي إلى تطوير العلاقات المشتركة وفتح الحدود المغلقة منذ عام 1994، في إطار تقليل الضغوط الجزائرية على الرباط، وعدم استعدائها في ضوء ما تواجهه من تحديات مع مدريد، خاصة وأن إسبانيا تمثل خصما مشتركا بين الدولتين.

ولم يقدم المغرب على خطوة مماثلة بالنسبة لمدينة سبتة، إذ سيكون من جراء ذلك توتر العلاقة بين الولايات المتحدة والمغرب، وهو آخر ما تريده المملكة المغربية في إطار سباقها مع إسبانيا لاسترضاء الولايات المتحدة. 

وبرغم هذا، يرى مراقبون أن الإعلام الإسباني قلق، وأن مراقبين إسبان يرجحون أن يتجه المغرب لاختيار قاعدة أخرى بين مدينتي طنجة وتطوان لتكونا معا قاعدتين لرسو وانطلاق هذا النوع من الطائرات المسيرة، في مسافة لا تتعدى بضعة كيلومترات من حدود مليلية وسبتة.


ثانيا: مصادر القلق الإسباني حول سبتة ومليلية

رغم أن المغرب رفض التفريط في الجزيرتين، وأصر خلال تاريخه المعاصر بأسره على اعتبار المدينتين مجتزأتان من التراب الوطني، ورفض الاعتراف بالسيادة الإسبانية عليهما، وعلى جزر الكناري كذلك، حتى بعد منحهما الحكم الذاتي.

إلا أن العقد الأخير شهد تكثيفا للدبلوماسية والسياسات الداخلية الموجهة لاحتواء وضع المدينتين، وكان المدخل المرتبط بالسياسة الخارجية يتمثل في استمالة الولايات المتحدة على الصعيد الإستراتيجي ليوازن بها التفوق الإستراتيجي لإسبانيا، هذا علاوة على حزمة من السياسات الاقتصادية التي من شأنها إفقاد المدينتين بريقهما الاقتصادي لدى الإسبان. وفيما يلي تفصيل ما أجملناه في هذه المقدمة.

أ. استمالة الولايات المتحدة عسكريا:

كان المغرب حريصا على دعم علاقته الإستراتيجية بالولايات المتحدة طيلة فترة ما بعد الاستقلال، وإن تقافزت هذه العلاقة كثيرا خلال العقد الأخير، غير أن ذلك لا يعني أن العلاقات بين الدولتين وليدة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

العلاقات الأميركية المغربية تعود بجذورها إلى الحرب الأهلية الأميركية، وإلى موقف المغرب المؤيد لقضية استقلال الولايات المتحدة. 

ويمكن القول بأن البلدين كانا أول من يعترف ببعضهما البعض، حيث كان المغرب مبادرا للاعتراف بالولايات المتحدة بعد استقلالها عام 1776، عقب حرب الست سنوات ضد بريطانيا العظمى في ذلك الوقت، فكانت صاحبة الاعتراف الأول. 

وفي الجهة الأخرى، كانت الولايات المتحدة إحدى الجهات المستشارة بخصوص وثيقة المطالبة باستقلال المغرب سنة 1944. وفي سنة 1956، كانت الولايات المتحدة تحت رئاسة "دوايت إيزنهاور" أول دولة تعين سفيرا لها بالمغرب. ولهذا تحتل المغرب مكانة خاصة ذات بعد تاريخي بالنسبة للولايات المتحدة.

وخلال عقود ما بعد الاستقلال، ترسخ التعاون العسكري بين الطرفين، حتى عام 1978، حيث وقعت كل من الرباط وواشنطن على بروتوكول يتعلق بإجراء الأبحاث من أجل إنشاء مفاعل مدني تشرف على تموينه شركة "جنرال أتوميكس" الأميركية، ولا يزال البرنامج مستمرا تحت متابعة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

من جهة ثانية، يعد المغرب شريكا للولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، التي تم إعلانها عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001. 

ورغم رفض المغرب المشاركة في الحملة العسكرية على العراق في 2003، إلا أنها تجاوزت الضغوط الأميركية عبر المشاركة اللوجيستية. 

وراكمت الاستخبارات المغربية خبرة عملياتية واسعة في المتابعة الدقيقة للمجموعات السلفية، وبخاصة "تنظيم القاعدة"، وتعززت مكانة المغرب في الإستراتيجية الأميركية بعد ظهور "تنظيم القاعدة" في بلاد المغرب الإسلامي. وفي يونيو /حزيران، افتتحت منظمة الأمم المتحدة مكتبا متخصصا في شؤون مكافحة الإرهاب؛ برعاية أميركية.

وخلال فترة حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وقعت الرباط وواشنطن اتفاقية تعاون عسكري تمتد لمدة 10 سنوات. 

وتكررت التدريبات بين الولايات المتحدة والمغرب، مع شراكات أوروبية وإفريقية. وكان من بين تلك التدريبات، مناورات "مصافحة البرق 2021"، والتي أثارت حفيظة الإسبان، خاصة وأن البنتاغون كان يشهد جدلا حول أفضلية إسبانيا أو المغرب كمضيف للقاعدة العسكرية الأميركية الرئيسة في المنطقة. 

في هذا الإطار، ثارت تكهنات حول اتجاه الولايات المتحدة لنقل قاعدة "روتا" من إسبانيا إلى المغرب، حتى أعلن وزير الدفاع الأميركي أنه لن ينقل القاعدة، لكنه لا يستبعد إنشاء قاعدة جنوب المغرب استعدادا لسيناريوهات متعلقة بإفريقيا الغربية أساسا وتحسبا لنفوذ صيني مستقبلا علاوة على النفوذ الروسي.

قرار إقامة هذه القاعدة قيد الدراسة بتؤدة؛ بالنظر لحصول البنتاغون على موافقة السنغال بالفعل في 2016 لإقامة قاعدة عسكرية مؤقتة؛ لمواجهة القرصنة. 

وكانت الولايات المتحدة قد عرضت عام 2008 على المغرب استضافة مقر قوة القيادة الأميركية لإفريقيا (أفريكوم) على أراضيها لحظة إنشائها، وهو الطلب الذي رفضه المغرب آنذاك بسبب تداعيات التدخل العسكري الأميركي في كل من العراق وأفغانستان.

جددت الولايات المتحدة طرحها في 2016، حيث اقترح الخبير الأميركي لدى مجلس السياسة الخارجية، جيمس روبنس، على الإدارة الأميركية الاعتراف بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية بشرط قبول المغرب بنقل قاعدة "أفريكوم" إلى أراضيه. 

الهدفان الرئيسان للولايات المتحدة، من نقل مقر "أفريكوم" من ألمانيا إلى المغرب يرجع لتزايد الاعتماد الأميركي على مصادر الطاقة في القارة الإفريقية، إذ تشكل حوالي 25 بالمئة من المخزون العالمي، إضافة إلى تنامي الأزمات السياسية في الشرق الأوسط، علاوة على دعم الصين لتوجهها نحو إفريقيا.

ب. السياسة المغربية الداخلية لإدارة الملف:

رغم أنه لم يسبق أن تمت إحالة قضية سبتة ومليلية على اللجنة الخاصة بتصفية إرث الاستعمار في منظمة الأمم المتحدة، المعروفة باسم "اللجنة الرابعة"، ورغم أن الأمم المتحدة لا تعترف بالمدينتين كمنطقتين محتلتين، إلا أن المغرب لم يتخل في أي مرحلة من تاريخه المعاصر عن إعلانه أن المدينتين مجتزأتان من ترابه الوطني، واستمر في رفض الاعتراف بسياسة الأمر الواقع التي تباشرها إسبانيا، حتى بعد منح البرلمان الإسباني الإقليمين الحكم الذاتي عام 1995.

وكانت المدينتان تحت حكم البرتغال قبل أن تستولي إسبانيا على البرتغال، وتضمها للتاج الإسباني. 

وبعد إعلان البرتغال استقلالها عن التاج الإسباني، أعلنت - وفقا لنصوص "معاهدة لشبونة" الموقعة بين البلدين - اعترافها بالسيادة الإسبانية على المدينة وفقا لنصوص "معاهدة لشبونة".

وقبيل رحيل عام 2020، عادت قضية سبتة ومليلية، المدينتين الواقعتين على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى واجهة الأخبار، إثر مقابلة تلفزيونية خصها رئيس الحكومة المغربي آنذاك سعد الدين العثماني لإحدى القنوات العربية. 

وكان الأبرز في المقابلة هو تصريح العثماني نية المغرب فتح ملف المدينتين مع إسبانيا بعد حسم قضية الصحراء، لإنهاء ما يزيد عن خمسة قرون من الاحتلال. وكانت إسبانيا ضمن القوى التي تعمل على إطالة أمد النزاع حول قضية إقليم الصحراء، واعتبر ساستها أن إطالة عمر النزاع الصحراوي أكثر مما مضى، سيشغل المغرب عن الالتفات إلى الشمال وسيحول دون تطلعه لاسترجاع منطقتي سبتة ومليلية الرازحتين تحت السيطرة الإسبانية من قرون.

وثارت في 13 مارس/آذار 2021 دعوة دشنها نشطاء مغاربة، وطالبوا فيها بتخصيص هذا اليوم من كل عام يوما وطنيا للمطالبة باسترجاع المدينتين، والتذكير بأنهما "مناطق محتلة يجب تحريرها".

واعتبر نشطاء الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان أن سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، بدليل الوقائع التاريخية والجغرافية، وشنت المنظمة حملة إدانة واسعة ضد ما أسمته جهود "طمس المعالم الإسلامية" و"الزيارات المتكررة للمسؤولين الإسبان بهدف شرعنة الاحتلال الإسباني للمدينتين المغربيتين".

وخلال العقد الأخير، اتجه المغرب لتبني سياسة تؤدي إلى تفريغ المدينتين من جدواهما الاقتصادية بالنسبة لإسبانيا، ورفع تكلفة احتفاظ المملكة الإسبانية بهما. وخلال هذا العقد، تمكن المغرب من إنشاء ميناء "الناظور" ذي الطاقة الاستيعابية الضخمة، هذا علاوة على ميناء "طنجة 2" الذي يعمل بحجم تبادلات عالمية تفوق 7.3 مليارات يورو سنويا.

وفي نفس الإطار، اتخذت السلطات المغربية إجراءات لإغلاق المعابر التي تصل مدينتي سبتة ومليلية بباقي التراب المغربي، من أجل الاستفادة من عوائد التجارة ورسوم رسو السفن، حيث أغلقت السلطات المغربية معبر مدينة سبتة عقب تقرير صدر عن البرلمان، في فبراير/شباط 2019، ورد فيه أن "المغربيات الممتهنات للتهريب المعيشي بالمعبر، يعشن أوضاعا مأساوية، وينمن ليومين وأكثر في العراء". ومرت معابر "مليلية" بظروف مشابهة، ودام الإغلاق لأكثر من 6 أشهر.

ولم تلبث السلطات المغربية، تحت وطأة الضغوط الدبلوماسية، أن أعلنت في سبتمبر/أيلول 2020، اتجاهها لفتح المعابر بشروط تتمثل في تقليص عدد المعابر في كل من المدينتين إلى معبر واحد فقط في كل منهما، وإغلاق المعابر الأخرى، كمعبر "تراخال 2" في سبتة، ومعبر "باريو تشينو" في مليلية، وستسمح بفتح معبر واحد يخصص لعبور المسافرين فقط والموظفين والعمال القانونيين.

- إزالة الجمارك التجارية في كلا المعبرين من أجل منع التهريب.

- تحويل تدفق السلع إلى ميناء "بني نصار"، أو ميناء "طنجة المتوسط"، بعد اعتبار المدينتين أوروبيتين.

- منع نشاط التهريب المعيشي، ومهنة حمل البضائع في المعبرين بشكل نهائي.

- تعديل قانون العمل في المدينتين بحيث يتضمن "إقامة قانونية".

- إعلان المغرب التزامه بإيقاف تدفقات المهاجرين السريين على سبتة ومليلية؛ بما يفيد استحداث تعزيزات أمنية حيال المعبرين.

وفي هذا الصدد، أقر خبراء إسبان بأن المغرب - بهذه الإجراءات - يكون قد نجح بالفعل في خنق اقتصادي المدينتين.

ويضاف لهذه الإجراءات كذلك، مسار النفق / الجسر الرابط بين مدينة جبل طارق الواقعة في جنوب إسبانيا، والخاضع للمملكة المتحدة، وبين شمال المملكة المغربية، وهو المشروع الذي سبق طرحه في عام 1979، وأجريت بشأنه عدة دراسات تقنية. 

هذا الطريق من شأنه أن يضيف هواجس إضافية للسلطات الإسبانية؛ القلقة من تطور السياسة الاقتصادية المغربية، والتي يراها مراقبون إسبان التفافا حول الأدوار والأوضاع الاقتصادية لمدينتي سبتة ومليلية.


ثالثا: تطورات الموقف الأميركي بخصوص سبتة ودلالاته

إن صح هذا التوجه التفسيري، برغم الدلائل التي تؤيده، فهل هذا التوجه يعد تحولا في الموقف الأميركي؟ ما هي ملامح الموقف الأميركي حيال قضية سبتة في الماضي؟ وما ملامح التحول؟ وما أسبابه؟ والأهم: ما تداعياته؟ السطور القادمة تقدم اجتهادا في هذا الإطار، يمتد إلى خاتمة الدراسة.

أ. الموقف الأميركي التقليدي:

في التوقيت الذي كانت فيه مدريد تعول على تدخل الولايات المتحدة لحلحلة أزمتها الدبلوماسية مع المغرب، والتي ارتبطت باستقبال إسبانيا زعيم جبهة "البوليساريو"، قامت واشنطن بمعاودة التأكيد على موقفها من الخلاف المغربي الإسباني حول إقليمي سبتة ومليلية، حيث دعت كلا من الرباط ومدريد إلى العمل معا لحل الأزمة في مدينة سبتة السليبة. 

الموقف السياسي الأميركي كان متوازنا رغم الجمود الذي كانت تعيشه العلاقات الإسبانية الأميركية منذ وصول جو بايدن للبيت الأبيض. 

وكان زعيم المعارضة الإسباني بابلو كاسادو قد فجر مفاجأة كبيرة عندما كشف غياب الاتصالات بين رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز والرئيس الأميركي.

التصريح الإعلامي الصادر عن نائبة المتحدث باسم الخارجية الأميركية، غالينا بورتر، كان بنصه "ندعم عمل كل من المغرب وإسبانيا معا من أجل التوصل إلى حل"، وهو ما دفع وسائل إعلام إسبانية، لاعتبار تجنب الولايات المتحدة التعليق على الأزمة في سبتة، كونها قضية ثنائية بين المغرب وإسبانيا. ويمثل هذا امتدادا للموقف الأميركي من القضية.

تصريحات "بورتر" تجاوزت خط التوازن بين حليفيها الإسباني والمغربي لصالح تضمينها قليلا من التقريع لمدريد التي تعالت شكواها من هجرة المغاربة لإسبانيا من خلال قوافل الهجرة إلى سبتة.

وتضمنت تصريحات بورتر القول بأن "الولايات المتحدة ملتزمة بتعزيز عمليات الهجرة "الإنسانية والمنظمة والعادلة" من خلال السياسات الثنائية والمتعددة الأطراف، فضلا عن برامج تطوير قدرات السلطات المحلية. 

هذه التصريحات تأتي في إطار من تزامن النزوح الجماعي على سبتة مع التوتر في العلاقات بين المغرب وإسبانيا بسبب استقبال إسبانيا لزعيم جبهة "البوليساريو".

وكانت "أزمة جزيرة ليلى" في 2002، والتي تصاعدت لتبلغ حد المواجهة المسلحة، قد استدعت تدخلا أميركيا بعد تحول الاتحاد الأوروبي إلى وسيط غير نزيه في هذه الأزمة، وكشفت عن ملامح التصور الأميركي التقليدي للأزمة الحدودية بين البلدين.

تحرك وزير الخارجية الأميركي آنذاك، كولن باول، لإنتاج عملية تسوية عكست الموقف الأميركي من الخلاف حول الأقاليم المغربية المحتلة.

وتضمنت رسالة "باول" تحديدا المقصود بالعودة للوضع السابق، يشمل "انسحاب جميع القوات المسلحة والمسؤولين الحكوميين سواء بالملابس العسكرية أو المدنية عن الجزيرة وإخلاءهم منها، وإزالة جميع المخافر الأمامية والأعلام وغيرها من رموز السيادة من الجزيرة وإخلاءها منها، مع التفاهم على أن استعمال الجزيرة ومجالها الجوي والمياه المحيطة بها سيكون متناغما مع نشاطات ما قبل يوليو/تموز 2002". 

كما ورد أن الإجراءات التي قام بها الجانبان "فيما يتعلق بهذه المسألة لن تلحق أي ضرر بموقفيهما حول وضع الجزيرة القانوني"، وأن الجانبين سيرتبان "أمر إجراء محادثات في المستقبل لتحسين العلاقات الثنائية بينهما".

ب. جديد الموقف الأميركي:

بداية، لا بد وأن نشير إلى أنه لم يوجد مصدر مباشر يشير لهذه المعلومة. 

غير أن رمزية وضع القاعدة البحرية الاستكشافية المتنقلة "يو إس إس هيرشل وودي ويليامز"، باعتبارها أول قطعة مخصصة لقوات "أفريكوم"، وزيارة وزيرة الدفاع الإسبانية لها، يجعل لهذه الزيارة بعدا خاصا بإفريقيا بشكل خاص، انطلاقا مما يسمى "الأراضي الإفريقية لإسبانيا"، رغم أن بيان وزارة الدفاع الأميركية ربط الزيارة بتكثيف التعاون العملياتي على الصعيدين الأوروبي والإفريقي معا. 

ويرجح مراقبون أن ملامح الترتيبات المتعلقة بهذا الصدد قيد التبلور راهنا، وتتضمن مقاصة استعمارية جديدة؛ تمنح بموجبها سبتة ومليلية للإسبان تحت تصرف أميركي في مقابل منح "جبل طارق" للمملكة المتحدة، وهو ما يعني استقرار الخرائط الجيوسياسية، وهو - بدوره - ما يجعل الأمر أكثر حساسية فيما يتعلق بالتعريف به.

قد يكون الموقف الأميركي، المؤسساتي مدفوعا بتقارير دولية تنظر للمغرب - برغم أهميته ضمن إستراتيجية مكافحة الإرهاب - باعتباره ينتج تدفقات مالية في اتجاه دعم منظمات تعتبرها واشنطن وأوروبا إرهابية.

وأبرز مؤشرات هذا الطرح ذلك التقرير الذي أصدرته "مجموعة العمل المالي"، والذي ضمت فيه كلا من المغرب والسنغال وبوركينا فاسو وجزر كايمان لمجموعة الدول "تحت المراقبة" لتقصيرها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. 

ومن جهة أخرى، ربما أدى تمنع المغرب عن قبول الإلحاح الأميركي باستضافة "مقر أفريكوم" إلى اتجاه الولايات المتحدة للبحث عن بديل، وهو ما وفرته إسبانيا عبر ما يسمى "إقليمها الإفريقي".

غير أن هكذا ترتيبات، ولو كانت قيد التجهيز، فإنها تنطوي على بروتوكول "يتضمن" اعترافا بسيادة إسبانيا على الإقليمين، وهو ما يمثل تطورا واضحا في الرؤية الأميركية التي ضمنت - خلال "أزمة جزيرة ليلى" - أن أية إجراءات أقدم عليها أي من الطرفين المغربي والإسباني، لن تؤثر على موقفهما القانوني من الإقليم في حال المحاججة القضائية اللاحقة.

الموقف "موضع التدقيق" في هذا الصدد يشير لأحد أهم ملامح الإستراتيجية الأميركية لمنطقة "قلب العالم"، حيث تسعى الولايات المتحدة لضمان استقرار خرائط البحر المتوسط من دون تغيير.

وهو ما يفسر توسعها المفرط في إقامة القواعد العسكرية في شرق المتوسط، على الجزر اليونانية، وهو ما يمكن قراءته في إطار الرغبة الأميركية في منع اللاعب التركي الصاعد من العبث بترتيبات "اتفاقية لوزان" الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923.

خاصة وأن خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد تطرق إلى ما اعتبره مراقبون تهديدا بإزالة دول من الخريطة، ونقلت عنه قناة "سي إن إن" قوله: "تركيا تملك القوة لـ"تمزيق" خرائط ووثائق اتفاقات شرق المتوسط "المُجحفة"، علاوة على تصريحاته المتعددة بخصوص الدولة الفلسطينية، وتحركات تركيا الإغاثية واللوجيستية والأمنية المرتبطة بقطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.

الوضع في غرب المتوسط لا يختلف كثيرا عن شرقه، حيث تنظر أوروبا بعين القلق لسباق التسلح بين كل من المغرب والجزائر، وكتب مراقبون عديدون عن قلق فرنسي وآخر إسباني من هكذا تسلح، وكتبوا عن استعجال المواجهة بين دول أوروبية وكل من الجزائر والمغرب. 

ويرجع سبب تفشي هذا القلق إلى تكرار النموذج التركي في غرب المتوسط من خلال إقدام المغرب على ترسيم حدوده البحرية من طرف واحد بعد المماطلة الإسبانية، وكذا الحال فيما يتعلق بالجزائر التي تواجه المماطلة الإسبانية بلهجة دبلوماسية خشنة حتى الآن.

هذا فضلا عن تخوفات الغرب من السلاح الروسي المتقدم في الجزائر، والذي جعل منها الدولة الثانية إفريقيا وعربيا في القوة العسكرية.


خاتمة

بعد هذا الاستعراض الوافي لمعطيات الموقف في غرب المتوسط، يثور التساؤل: هل فعلا تتجه الولايات المتحدة لمعاداة الحليف الإستراتيجي المغربي لمجرد إخضاعه؟

كان صعود وزيرة الدفاع الأميركية لأول قطعة بحرية موجهة لقوات "أفريكوم" بمثابة ضوء أحمر لاتجاه المؤسسة الأميركية لتسوية الخلافات في غرب المتوسط؛ أسوة بالترتيبات التي اتخذت لتسوية نظيرتها في شرق المتوسط.

وبرغم جهود إسبانيا لاحتواء الخلاف مع المغرب، وهو المبرر بشكل أساسي بتحديات الأمد القصير، وخاصة فيما يتعلق بالهجرة الجماعية، وهو الأمر الذي يقلق أوروبا بشكل قوي، وهو ما قد يمثل أحد روافد الضغوط لإقالة وزيرة الخارجية الإسبانية التي عمقت مخاوف أوروبا بدعوتها لاستيعاب سبتة ومليلية ضمن منطقة "شينغن"، وهو ما كان يعني قدرة المهاجرين غير النظاميين على الانتقال لأية دولة أوروبية، متى تمكنوا من تدبير أوراق الإقامة في الإقليمين المحتلين.

ويبدو التوجه المغربي لنشر الطائرات المسيرة بمحاذاة الحدود مع مليلية دون سبتة خطوة ذات مذاق احتجاجي، تبقي على العمق الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، لكنها تقدم عتبا في "سياق ما"، وهو العتب المرتبط باستقدام "بيرقدار تي بي 2" التركية لواجهة التماس بين الدولتين، لتصبح هذه الجبهة ثالث جبهات التماس بعد "إس 400" التركية، و"إس 500" و"سو 57" الجزائرية، وغيرها من الترتيبات التي تعني أن الرغبة الأميركية في استقرار خرائط الإقليم لن تؤدي إلا إلى اشتعاله في أية لحظة؛ تدخل المنطقة في مواجهة بالوكالة.

إن التوجه لإقرار السيادة الإسبانية على الإقليمين تواجهه صعوبات جمة، أبرزها إمكانية استغلال المغرب للتخوفات الأميركية من النفوذ الصيني، ومن ثم استدعاء الصين. 

ورغم صعوبة تصور إقدام المغرب على هذه الخطوة، إلا أنها ليست مستبعدة، وخاصة مع تفاقم الشعور العدائي في المغرب والجزائر تجاه إسبانيا "المحتلة" طيلة العقدين الماضيين، وهو التفاقم الذي بدت تداعياته جلية في مواجهات 2002 حول "جزيرة ليلى".

كما أن هذا الوضع العدائي يمكن أن يؤدي لتشكيل محور عابر للمتوسط؛ تدعمه كل من روسيا والصين، يتضمن تركيا والجزائر والمغرب، ما قد يؤدي لاشتداد المواجهة حول ليبيا، ومعاودة إشعال فتيل المواجهات الأهلية فيها لضمان تحييدها أو ضمها لأي من المحورين المتصارعين في شرق المتوسط. وتبقى قادمة الأيام حبلى بتطورات تكشف ما آل إليه الحوار حول هذه القضية.

حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

أميركا إسبانيا الاتحاد الأوروبي الجزائر الصين العراق المغرب تركيا روسيا سبتة ومليلية