Monday 21 June, 2021

صحيفة الاستقلال

استهدفت برلمان تونس.. كيف أدت مؤامرة إعلامية إماراتية لنتائج عكسية؟

منذ 2020/06/14 16:06:00 | تقارير
الدول التي تبث منها هذه القنوات لا يوجد بها برلمانات
حجم الخط

أثارت الحملة الإعلامية الممنهجة التي قادتها وسائل إعلام سعودية وإماراتية ومصرية، ضد رئيس حركة النهضة التونسية ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، تساؤلات حول أسبابها، بالتزامن مع انهيار قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا.

وزعمت التقارير الإعلامية في مايو/أيار أن الغنوشي حقق ثروة مالية ضخمة منذ عودته إلى تونس عقب انتصار الثورة عام 2011، وصلت إلى 8 مليارات دولار، رغم أن موازنة البلاد لا تزيد عن 16.5 مليار دولار.

وحظيت جلسة البرلمان التونسي يوم 3 يونيو/حزيران المنقضي، بتغطية إعلامية غير مسبوقة من قبل عدد من وسائل الإعلام المحسوبة على دولتي الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، كانت فرصة غير مسبوقة لعدد من النواب الرافضين للتدخل السلبي لهاتين الدولتين في الشأن التونسي من أجل إيصال رسائل مباشرة لهما.

"لماذا تحشرون أنوفكم في شؤوننا وانتخاباتنا، ونحن لم نتدخل في انتخاباتكم لأجمل ناقة وماعز"، بهذه العبارات توجه عضو مجلس نواب الشعب التونسي عن ائتلاف الكرامة عبد اللطيف العلوي بالحديث إلى حكومتي السعودية والإمارات، بعد أن تأكد من أن وسائل إعلام ممولة من هاتين الدولتين تبثان جلسة البرلمان التونسي. 

وعارض رئيس كتلة ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف، متهكما، تمديد وقت الجلسة في 3 يونيو/حزيران، لأن قناتي العربية وسكاي نيوز لديهما ما تبثانه فيما بعد، وقال: "نريد أن تنتهي الجلسة مبكرا". 

هذه السخرية من تناول الإعلام الخليجي للجلسة المخصصة لنقاش لائحة برلمانية تقدمت بها كتلة  الحزب الدستوري الحر من أجل إدانة ما اعتبرته تدخلا تركيا وقطريا عسكريا في الشأن الليبي، ومساءلة رئيس البرلمان راشد الغنوشي حول اتصاله برئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج وتهنئته بتحرير قاعدة الوطية الإستراتيجية. 

ورأى عدد من المتابعين أن قرار هذه القنوات نقل جلسة البرلمان التونسي قد تؤدي إلى نتائج مخالفة لما أراده القائمون عليها، من جهة نتيجة الجلسة التي أسقطت فيها اللائحة الخاصة بالملف الليبي، وكذلك بالترويج لنموذج ديمقراطي عربي مفقود في جل الدول العربية وفي مقدمتها الدول الراعية لهذه القنوات. 

سخرية كبيرة  

وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمقطع فيديو أثار حالة من الجدل الكبير، يوثق حديث النائب التونسي “عبد اللطيف العلوي” والذي “وبخ” فيه العائلات الحاكمة في الإمارات والسعودية لتدخلهما السافر في شؤون تونس، حسب وصفه.

وقال النائب التونسي خلال مداخلته في إحدى جلسات البرلمان التونسي: “كل التعازي كذلك من خلال قنوات العبرية والغد وسكاي نيوز لآل ناقص وآل منشار وآل طحنون، ونقول لهم أدام الله خيباتكم وهزائمكم”.

وأضاف: ”أخوتنا بسوريا الآلاف الذين قتلوا بأموالكم، الآلاف في ليبيا، طرابلس التي تقصف أكثر من عام والجميع صامتون، الدم الليبي لم يكن يحرك فيهم شيئا، والآن تتحركوا لنصرة ذلك العميل المنقلب"، إشارة إلى خليفة حفتر.

أما رئيس الكتلة سيف الدين مخلوف فتوجه بالتسمية ذاكرا قناتي سكاي نيوز والعربية، واللتين مهدتا لهذه الجلسة بحملة واسعة تستهدف تشويه رئيس البرلمان، موجهة اتهامات خطيرة له.

وإن كان في ظاهر هذه المداخلات سخرية إلا أنها تشير إلى قضية أهم، وهي مواصلة النموذج التونسي منذ اندلاع شرارة الربيع العربي في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، في إلهام الشعوب العربية ودفعها نحو نيل حريتها، والتأكيد على أن الديمقراطية العربية ممكنة وليست مستحيلة. 

فجلسة البرلمان التونسي والتي كانت ساخنة مقارنة بغيرها من الجلسات، فإنها أظهرت تعددية في المواقف والآراء، وأفكارا متباينة وخلافات حادة، جميعها يأتي تحت سقف الدستور والقانون حيث ختمت بتصويت حر وديمقراطي لكل النواب الحاضرين. 

وعمد النواب إلى الإشارة إلى أن الدول التي تبث منها هذه القنوات، لا يوجد بها برلمانات، علاوة على حياة سياسية تعددية وديمقراطية.

هذا بالإضافة إلى القبضة البوليسية التي تدير البلاد وتزج بكل الأصوات المخالفة لإرادة الحاكم، على غرار الاعتقالات الحاصلة في السعودية والإمارات، وهما دولتان تحظران أي نشاط حزبي أيا كان شكله أو هدفه.

خيبة أمل 

بعد جلسة برلمانية استمرت لساعات طويلة، أسقطت لائحة الحزب الدستوري الحر، التي كانت تحت مسمى "رفض البرلمان للتدخل الخارجي في ليبيا" بعد تصويت 94 نائبا لفائدتها، دون نصاب الأغلبية المطلقة (109 نواب) ومع رفض 68 نائبا واحتفاظ 7 آخرين.

 بدا هذا التصويت على الرغم من وجود نتائج أخرى له، خيبة أمل للحزب الدستوري الحر وزعيمته عبير موسي، وللجهات الواقفة وراء التغطية الإعلامية الواسعة له. 

فرغم تصويت 94 نائبا مع مقترح "الدستوري الحر"، الحزب الذي كان إلى حدود أسابيع قليلة معزولا تقريبا في المشهد السياسي التونسي، بسبب تقديمه لخطاب عنيف وإقصائي وغير ديمقراطي، إلا أن سقوط هذه اللائحة تفادى ورطة دبلوماسية كانت ستقع فيها الدولة التونسية مع حكومة دولة جارة معترف بها دوليا. 

كما أن هذا التفرغ الإعلامي والتغطية المباشرة للبرلمان التونسي كما لو كان حدثا تاريخيا في تونس، رآه عديد المتابعين قلة دراية من القائمين على هذه القنوات بالوضع السياسي التونسي. 

فجلسات البرلمان ومنذ انتخابات العام 2011، تبث مباشرة على القناة الرسمية التونسية، وتحظى بمتابعة التونسيين إما من خلال البث المباشر أو لاحقا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أن كل ما يدور داخل البرلمان بجميع تفاصيله يدور تحت رقابة التونسيين الذي يتفاعلون معه بأشكال مختلفة، مراوحين بين السخرية والانتقاد والإشادة. 

وإن كانت مساءلة رئيس البرلمان راشد الغنوشي، تخللتها مداخلات ساخنة، بلغت إلى حد الإساءة له أو وقعت في التلاسن بين عدد من النواب وهو أمر اعتاده التونسيون، إلا أنها أظهرت في الوقت نفسه مداخلات أخرى اتسمت بالرصانة والإشادة بالتجربة الديمقراطية التي ضمنت في أكثر من مناسبة مساءلة كبار المسؤولين في الدولة. 

وقال نائب رئيس مجلس النواب طارق الفتيتي في مداخلته الموجهة نحو رئيس المجلس راشد الغنوشي: إنه سعيد بمعايشة سابقة وهي أن يقود نائب الرئيس جلسة مساءلة لرئيس مجلس نواب الشعب.

وقال الفتيتي للغنوشي: إنه ينتصر لتونس وللحق فقط دون اصطفاف لأي كان مذكرا بأنه مستقل، ومن هذا المنطلق فإنه يعتبر أن الغنوشي أخطأ دبلوماسيا بمهاتفة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بصفته رئيسا للمجلس حول الملف الليبي ثم تهنئته لحكومة فايز السراج بصفته البرلمانية.

وقال الفتيتي في خطابه المباشر للغنوشي: إن عليه الاعتذار عن الأخطاء وهي ممارسة ديمقراطية وفق رأيه. 

أمر مثير

من جهته اعتبر الناشط السياسي، طارق الكحلاوي في تدوينة على حسابه في فيسبوك أن تغطية وسائل إعلام إماراتية ومواكبتها المباشرة للجلسة العامة البرلمانية التي كانت مخصصة لمناقشة لائحة حول ليبيا والحوار بشأن الدبلوماسية البرلمانية كان مثيرا للانتباه.

وشدد الكحلاوي على أن ذلك أمر نادر وغير مسبوق، مشيرا إلى أنه كان هناك أشبه بحملة منظمة بين الحزب الدستوري الحر من جهة وبين الإعلام الإماراتي من جهة أخرى.

وتطرق إلى التقرير المغلوط الذي بثته مؤخرا قناة الغد الإماراتية حول وجود احتجاجات في مختلف مناطق البلاد.

وأكد الكحلاوي أن الحملة في تونس لها علاقة مباشرة بما يحصل في ليبيا، قائلا: "كأن الإمارات تسعى إلى رد الفعل عما يحصل في ليبيا، بمنطق صفعنا في ليبيا فنرد في تونس خاصة وأن الإمارات لا تخفي قلقها من الديمقراطية في تونس بسبب موقفها من الإسلام السياسي".

وقال معاتبا عبير موسي وحزبها: "تزايدون بالوطنية وأنتم مجرد كومبارس لأطراف أجنبية في إطار حملة ضد التجربة في تونس يثير عديد التساؤلات".

وتثير تونس الإعجاب على نطاق واسع باعتبارها قصة النجاح الوحيدة في الربيع العربي. ومما لا شك فيه أن إنجازاتها الديمقراطية تستدعي الإعجاب، فقد أجرت انتخابات حرة ونزيهة في الأعوام 2011 و2014 و2019.

وأدرجت الحقوق الأساسية في دستور ديمقراطي جديد في العام 2014، ونجحت في تجاوز تحديات أمنية خطيرة بين العامين 2012 و2015.

وعلى النقيض من البلدان الأخرى في المنطقة التي خرجت بها ثورات شعبية منذ العام 2011، وهي مصر وسوريا وليبيا واليمن، تعد تونس البلد الوحيد الذي تمكن من سلوك مسار ديمقراطي فعلي.

ونجحت دول الثورة المضادة في إفشال محاولات التغيير في تلك الدول، وهو أمر يرى مراقبون أنها تريد استنساخه في تونس أيضا، لتلحق بنفس المصير.


تحميل

المصادر:

1

طارق الكحلاوي: شاهدنا حملة منظمة بين الدستوري الحر والاعلام الاماراتي تؤكّد أن عبير موسي مجرّد كومبارس

2

المؤشر العالمي للديمقراطية يكشف تصنيف الدول العربية

3

الديمقراطية في الإمارات.. الأرقام تُكذب الدعاية الرسمية

4

Global democracy has another bad year

كلمات مفتاحية :

الإمارات الثورة المضادة تونس راشد الغنوشي عبير موسي