Thursday 24 June, 2021

صحيفة الاستقلال

المغرب والجزائر تحابيان موريتانيا.. أي الخصمان يفوز بودها؟

منذ 2020/06/18 10:06:00 | تقارير
قد يكون الاتجاه العام هو الحفاظ على نوع من الحياد مهما كان موقف موريتانيا
حجم الخط

زار وفد وزاري جزائري رفيع المستوى موريتانيا، يوم الثلاثاء 9 يونيو/ حزيران الجاري في أول زيارة من نوعها، هدفت إلى تعزيز علاقات التعاون بين البلدين، وعكست توجها جزائريا للرهان على الجارة الجنوبية كمدخل نحو دول غرب إفريقيا.

الزيارة التي اعتبرت سابقة سياسية، بسبب ضمها عددا كبيرا من الوزراء والمسؤولين الجزائريين إلى دولة واحدة في ذات الوقت، كانت مؤشرا على توجه الجزائر نحو رهان جديد على موريتانيا، وإعادة التموضع في غرب إفريقيا، دفاعا عن مصالحها ومنافسة المغرب في المنطقة.

ودلت الزيارة أيضا على دخول عهد جديد بين البلدين، وعلى تجاوز نهائي لمخلفات وتوترات سابقة لها علاقة بقضية النزاع في الصحراء الغربية بين المغرب و"جبهة البوليساريو"، حيث كانت نواكشوط تبدي مواقف مؤيدة للطرح المغربي.

وعبّر الوفد عن استعداد الجزائر للتعاون مع موريتانيا في مختلف المجالات التي تحتاج إليها، خصوصا في مواجهة تداعيات وباء فيروس كورونا، وهي الخطوة التي سارع المغرب بالرد عليها عبر الإعلان أنه يعتزم إرسال طائرة خاصة محملة بمساعدات طبية إلى موريتانيا لدعم الجهود في مواجهة الوباء.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقاه وزير الخارجية الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد يوم الخميس 11 يونيو/ حزيران الجديد من نظيره المغربي ناصر بوريطة.

تحركات الدولتين تظهر تنافسا في السعي لجعل موريتانيا في صفها، لكن موريتانيا لم يكن موقفها يوما ثابتا باتجاه طرف معين، بل وُصفت دبلوماسيتها بـ"المتذبذبة"، فيما يخص ملف الصحراء الخلافي بين الجارتين المغرب والجزائر.

انتزاع الاعتراف

وجّه رئيس موريتانيا محمد ولد الشيخ ولد الغزواني، رسالة إلى زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، بمناسبة حلول عيد الفطر الأخير، وصفه فيها بـ"رئيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية".

وكان الرئيس الموريتاني قد حرص، في أول خروج إعلامي رسمي له في مارس/ آذار 2020، على تأكيد اعتراف بلاده بـ"جمهورية تندوف"، مشيرا إلى أن موقف نواكشوط من نزاع الصحراء "لم يتغير ولن يتغير، وهو الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، لأنه موقف من ثوابت السياسة الخارجية للبلد، بغض النظر عن الحاكم أو التطورات الحاصلة في الملف".

هذه التصريحات سبقها تقارب موريتاني مغربي ظهر بوضوح في زيارتين هامتين أجراهما وفدان رفيعا المستوى إلى الرباط.

وكان المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف الحموشي، استقبل نظيره الموريتاني محمد ولد مكت، الذي قام بزيارة عمل إلى المغرب في يناير/ كانون الثاني 2020، لمناقشة آليات تدعيم التعاون الثنائي بين البلدين في مختلف المجالات الأمنية والقضايا ذات الاهتمام المشترك. 

كما عقد الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي في الرباط، تنفيذا لتعليمات ملكية، لقاء مع الجنرال دو ديفيزيون محمد الشيخ محمد لمين الأمين، قائد الأركان العامة للجيوش الموريتانية.

وعقد كل من المغرب وموريتانيا، خلال الزيارة ذاتها، أول اجتماع للجنة العسكرية المختلطة بينهما، والتي جرى توقيع مذكرة تفاهم بشأنها سنة 2006 بالرباط.

وسعى كل من المغرب وموريتانيا إلى رفع تعاونهما وتقوية تدابير المراقبة الأمنية بخصوص المعبر البري الحدودي المشترك "الكركرات"، بالإضافة إلى وضع آليات تعاون ثنائي لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة في هذه البؤرة المتوترة من الصحراء.

جبهة "البوليساريو" أظهرت انزعاجها من التقارب غير المسبوق بين البلدين في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو ما ظهر في وسائل إعلامها التي هاجمت الرئيس الموريتاني.

وتستغل جبهة "البوليساريو" المنطقة الحدودية المشتركة بين المغرب وموريتانيا والثغرات الأمنية لرفع مؤشر الاحتقان، آخرها عرقلة مليشيات مسلحة لسباق دولي في المنطقة العازلة، ما دفع المغرب إلى تقديم احتجاج رسمي لدى الأمم المتحدة.

جذور الأزمة بين البلدين تمتد إلى عهد الاستعمار الفرنسي، حيث لم يكن هناك رسم للحدود بشكل دقيق وكامل بين البلدين المتجاورين، ولم تكن فرنسا معنية بذلك إلا بعد اكتشاف حقول من النفط ومناجم حديد في المنطقة الحدودية، حيث أعادت ترسيم الحدود وأدخلت منطقتي "الحاسي والبيض" و"كولومب بشار" ضمن المقاطعة الفرنسية للجزائر، حينها.

بعد استقلال الجزائر عام 1962 ومن قبله المغرب عام 1956، طالبت الرباط باسترجاع سيادتها على المنطقتين، بالإضافة إلى مناطق أخرى كانت تعود إليها قبل الاستعمار، استنادا إلى خريطة المغرب الكبير التي نشرها حزب الاستقلال المغربي في عام 1956.

إلا أن الجزائر رفضت الطلب، ودعت إلى عدم المساس بالحدود التي رسمها الاستعمار الفرنسي بالاستناد إلى مؤتمر باندونج المنعقد في 1956.

وازداد التصعيد بالمناطق الحدودية بين البلدين في أعقاب رفض الجزائر تغيير خريطة الاستعمار، إلى أن اندلعت مناوشات تحولت إلى حرب ضروس في أكتوبر/تشرين الأول 1963، سميت بحرب الرمال. تكبد الطرفان خسائر مادية وبشرية كبيرة، لتنتهي هذه الحرب بتدخل منظمة الوحدة الإفريقية، التي أرست اتفاق وقف إطلاق النار بينهما في 20 فبراير/شباط 1964.

الحياد الإيجابي

في سبتمبر/أيلول 2018 قال وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة: إن "البلدين تحذوهما رغبة في ألا تبقى العلاقة بينهما في وضع استقرار فقط، بل يجب أن تتطور".

من جهتها قادت تحركات "البوليساريو" ما يسمى وزير خارجيتها، محمد سالم ولد السالك، إلى لقاء مع الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، إضافة إلى زعماء أحزاب موريتانية، بينها حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل- إسلامي) المعارض، الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع حزب "العدالة والتنمية (إسلامي)، قائد الائتلاف الحكومي بالمغرب.

وهو ما جعل المراقبين يطلقون على علاقات موريتانيا بالطرفين "متذبذبة ومتقلبة"، وأن نواكشوط لا تبدي موقفا ثابتا من قضية الصحراء، وتريد أن تبقي الموقف متذبذبا بين التجاذب الجزائري المغربي، وهو ما يشكل حجر الزاوية في الدبلوماسية الموريتانية، لأنها تعتقد أنها تربح أكثر مما لو تخندقت في أحد الجانبين.

الدكتور ديدي ولد السالك، رئيس المركز المغاربي للدراسات‬، قال لصحيفة "الاستقلال": إن موقف موريتانيا الرسمي من النزاع منذ 1978 هو الحياد رغم أنها مع بداية الثمانينيات اعترفت بجبهة البوليساريو وبالجمهورية الصحراوية سنة 1981 في عهد الرئيس الأسبق محمد خونه ولد هيداله، الذي كان مقربا آنذاك من جبهة البوليساريو وقطع العلاقات مع المغرب.

لكن بعد ذلك اعترفت موريتانيا رسميا بالجمهورية العربية الصحراوية وأعلنت عن ما تسميه "الحياد الإيجابي".

وأفاد الأكاديمي الموريتاني بأن كل رئيس جاء بعد ولد هيداله كان يضفي على العلاقات الثنائية بين البلدين مزاجيته لضعف البنية المؤسسية في موريتانيا، وبالتالي بقي موقف الجمهورية من الملف رهينا بمزاج الرئيس أكثر منه موقف رسمي لدولة. 

وتابع قائلا: في اعتقادي الرئيس الحالي بما عرف عنه من هدوء، وإن كان سبق وصرح بأن الموقف هو الحياد الإيجابي أو الحياد الفعال - بمعنى تدخله شيئا ما من أجل تسوية هذه القضية - لكن حتى الساعة، يواصل الأكاديمي، لا يمكن أن نحكم على موقفه من القضية، لأنه لم تتضح سياسته الخارجية بعد. 

أي الكفتين أثقل؟

في 2018 فاقت قيمة المبادلات التجارية بين المغرب وموريتانيا، 200 مليون دولار، والتي يرى المتخصصون أنه بالإمكان تقويتها أكثر بمنطق الاستفادة المتبادلة، وصيغة (رابح – رابح) التي باتت تميز العلاقات الاقتصادية المغربية الثنائية.

وتنشط مجموعة من شركات القطاع الخاص (المغربية) بشكل إيجابي في قطاعات عديدة إستراتيجية بموريتانيا، منها الاتصالات، والبنية التحتية، والصناعات المرتبطة بتحويل المنتجات السمكية.

وفي حين يجمع العديدون على أن العلاقات بين الدول المغاربية عموما، وليس فقط بين المغرب وموريتانيا، يمكن أن تخلق ثروة هائلة وتنعش اقتصاديات الدول الخمس (المغرب، الجزائر، ليبيا، موريتانيا وتونس)، تضيع هذه الدول الكثير من قدراتها وإمكانياتها بسبب مشاكل سياسية مفتعلة غالبا، ومنها مشكلة الصحراء، وهو ما يحرم شعوب المنطقة حقها في التنمية والاستفادة من ثروات بلدانها.

بحسب الدكتور ديدي ولد السالك المتخصص في العلاقات الخارجية، فإن علاقات موريتانيا الاقتصادية مع المغرب لا يمكن مقارنتها بتلك التي تربطها بالجزائر، فالأولى فيها تبادل تجاري خاصة حركة البضائع من المملكة إلى الجمهورية والعابرة إلى دول غرب إفريقيا السنغال ومالي.

وأوضح المتحدث لـ"الاستقلال" أنه وبالرغم من فتح الخط البري بين موريتانيا والجزائر، ليست هناك علاقات اقتصادية قوية، وإن كانت الأخيرة تطمح دائما لتوسيع نشاطها الاقتصادي في إفريقيا وتقوية علاقاتها الاقتصادية عبر ما تسميه الخط البري العابر للقارة الإفريقية الذي دشنته في السنوات الأخيرة.

واستدرك قائلا: لكن تبقى الجزائر دولة مؤثرة في إفريقيا عموما ولها فيها مجموعة من الموازين، وفي المغرب العربي أيضا لثقلها وحجمها الجغرافي والأمني والعسكري. 

رهان على الغزواني

عرفت العلاقات المغربية-الموريتانية قفزة نوعية منذ انتخاب الغزواني على رأس الجمهورية، في وقت كانت فيه العلاقات الثنائية متوترة على الدوام خلال عهد ولد عبد العزيز.

وتوترت تلك العلاقات نتيجة احتضانه للبوليساريو واصطفافه بشكل جلي إلى جانب الجزائر، حيث صوت ضد عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي، وأظهر مواقف متذبذبة تجاه أزمة الكركرات، وطالب المغرب بتسليمه بعض المعارضين الموريتانيين المقيمين في المملكة.

ويرى الباحث المغربي في العلاقات الدولية، كريم عايش، أن ولد الغزواني حرص على إعادة بناء حياد موريتانيا من ملف الصحراء، حيث أعلن نواياه لتحسين العلاقات مع المغرب، وإحياء الاتحاد المغاربي لكن هذه التطورات لم تعجب تيار التحالف الجزائري-الموريتاني.

وقال الباحث لموقع "هسبريس"، تعليقا على الصراع الذي عاشه ولد الغزواني وولد عبد العزيز داخل  حزب "الاتحاد من أجل الجمهورية" في أواخر 2019: إنه وبالرغم من كون الرئيس الحالي سعى إلى فتح حوار شامل مع كل الأطياف السياسية قصد إيجاد صيغة عمل مشترك لتحقيق التنمية، فإنه خضع للضغط.

في حين يرجح "ديدي ولد السالك"، أن ولد الغزواني سيحاول خلق التوازن بين المغرب والجزائر لما عرف عنه من هدوء، وأنه يزن الأمور بعقلانية عكس الرئيس السابق الذي كان شخصا مزاجيا وارتجاليا. 

وبالتالي قد يكون الاتجاه العام هو الحفاظ على نوع من الحياد مهما كان موقفه من هذا أو ذاك، سيحاول أن يكون متوازنا. 

ولد السالك أشار لـ"الاستقلال" أيضا إلى أن موريتانيا مرغمة إستراتيجيا ومنطقيا أن تبقي علاقاتها متوازنة بين المغرب والجزائر إذا أرادت أن تحافظ على مصالحها لعدة اعتبارات. 

وعدد بعضا منها، قائلا: الموقع الإستراتيجي للمغرب شمالا وأهميته الاقتصادية والعلاقات الثقافية والاجتماعية معه فالنخبة البرجوازية الموريتانية مرتبطة بالمغرب، وهي علاقات لا تقرن بالعلاقات مع الجزائر، قبل أن يتابع: لكن موريتانيا كدولة يجب أن تحافظ على علاقتها مع الطرفين.


تحميل

المصادر:

1

وفد جزائري رفيع في موريتانيا: إعادة الدفء للعلاقات والعودة مغاربياً

2

“توتر مكتوم” بين المغرب وموريتانيا.. “البوليساريو” تتحرك في نواكشوط

3

رئيس موريتانيا يُجدد اعترافه بـ”جمهورية تندوف”

4

المغرب يعتزم إرسال مساعدات طبية إلى موريتانيا

كلمات مفتاحية :

البوليساريو الجزائر الصحراء الغربية المغرب دبلوماسية علاقات دولية موريتانيا