Tuesday 05 July, 2022

صحيفة الاستقلال

تقرير الحالة العربية: مايو/ أيار 2022

منذ 2022/06/04 20:06:00 | الحالة العربية
شهد شهر مايو 2022 الكثير من الأحداث على الساحة السياسية العربية
حجم الخط

المحتويات

مقدمة

المحور الأول: الحالة السياسية

- فلسطين

اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة

تمادي أجهزة أمن الاحتلال

توابع رد الفعل الدولي

- ليبيا

اقتحام باشاغا للعاصمة طرابلس

روايتان متضاربتان

النفط في صالح من؟

أوراق الضغط في جعبة الطرفين

- لبنان

أسباب تغير الخريطة التصويتية

نتائج إيجابية ومستقبل ضبابي

- الإمارات

ولي العهد القادم

المحور الثاني: السياسة الدولية والمنطقة

- أزمة غذاء عربية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية

- لقاء مرتقب بين بايدن وابن سلمان

المحور الثالث: الاقتصاد العربي

- خطة مصر الاقتصادية

- البنك الدولي ولبنان


مقدمة

حفل شهر مايو/أيار 2022 بعدد من الأحداث السياسية والاقتصادية المهمة سواء على النطاق الإقليمي أو الدولي.

في محورنا السياسي، تتناول "الحالة العربية" الحدث الأبرز الشاغل للرأي العام الإقليمي، والدولي كذلك، خلال الشهر، وهو اغتيال الصحفية في قناة الجزيرة الإخبارية شيرين أبو عاقلة، برصاص الاحتلال الإسرائيلي.

ويأتي ذلك الحدث تزامنا مع توترات متعاقبة تشير إلى احتمالية تصعيد مرتقب بين الشعب الفلسطيني ومقاومته من جهة، والكيان المحتل من جهة أخرى.

كما يناقش التقرير المحاولة الفاشلة لاقتحام العاصمة الليبية، طرابلس، من قبل فتحي باشاغا رئيس الحكومة المعين من قبل مجلس نواب طبرق، لكن حكومة الوحدة الوطنية الحاكمة لطرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تصدت للهجوم ما ساهم في انتهاء القتال سريعا. لتستمر بذلك حالة الخلاف وتنازع الشرعية، السائدة على الساحة الليبية منذ مطلع العام.

كذلك تناولنا بالتحليل المشهد الانتخابي في لبنان، حيث أنجزت الانتخابات البرلمانية، وأسفرت النتائج عن خسارة "حزب الله" العديد من مقاعده، ومن جانب آخر، اتسعت رقعة المستقلين في المجلس النيابي. ويحاول التقرير مناقشة تلك النتائج وأسبابها وتأثيرها على المستقبل السياسي في البلاد.

وختاما للمحور السياسي، يستعرض التقرير الأسماء المرشحة لولاية عهد أبوظبي عقب وفاة الشيخ خليفة بن زايد، وتولي شقيقه محمد حكم البلاد.

أما في السياسة الدولية والمنطقة، فسنستعرض عددا من الآثار السلبية التي تلحق بالمنطقة العربية جراء الغزو الروسي لأوكرانيا، وما تبعه من عقوبات أميركية أوروبية على الروس. 

ولكون روسيا أحد أهم مصدري الحبوب والغاز في العالم، يحاول الرئيس فلاديمير بوتين استغلال المشهد والمساومة على الغذاء، مما يهدد بأزمة غذاء عالمية، قد تتضرر منها منطقتنا أيما ضرر.

ويعود ذلك إلى اعتماد كثير من الدول العربية على استيراد غالب احتياجاتها من الحبوب والسلع الإستراتيجية من روسيا وأوكرانيا. وقد عرض التقرير عددا من هذه الدول، والآثار الواقعة عليها.

وعطفا على الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الطاقة، تعرض "الاستقلال" التقارير التي نشرتها صحف أميركية عن احتمالية لقاء مرتقب بين الرئيس جو بايدن، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال يوليو/تموز 2022.

وتكمن أهمية الزيارة -حال حدوثها- في أنها ستكون بمثابة تحول في السياسة الأميركية تجاه ابن سلمان، لا سيما وأن بايدن طالما كرر الهجوم عليه وانتقد سياساته في حملته الانتخابية وبعد توليه الحكم، وحرص على تجاهله خلال تلك الفترة، مع الإبقاء على تواصل دبلوماسي بروتوكولي مع والده الملك سلمان بن عبدالعزيز.

أما في الجانب الاقتصادي، فقد استعرض التقرير الخطة الاقتصادية التي أعلنها رئيس الحكومة المصرية، مصطفى مدبولي، بتوجيه من رأس النظام العسكري، عبد الفتاح السيسي. 

ويبرز فيها كيف حاولت الحكومة التبرير لفشلها السابق من خلال تحميل المسؤولية للأزمات الدولية، رغم أن الانهيار الاقتصادي مستمر منذ وصول السيسي للحكم عام 2013. كما يوضح التقرير كيف تجاهلت الخطة عددا من الأسئلة المهمة المتعلقة بهيكلية الاقتصاد المصري.

وختاما، استعرض التقرير ما جاء في بيان مجموعة البنك الدولي فيما يتعلق بلبنان، حيث هاجم البيان الطبقة السياسية الحاكمة هناك، متهما إياها بالتقاعس وتفويت فرص الإصلاح الاقتصادي، وجدد مطالبه بإجراء خطوات اقتصادية عاجلة.


المحور الأول: الحالة السياسية

شهد شهر مايو 2022 الكثير من الأحداث على الساحة السياسية العربية، وكان لبعضها صدى واسع، حتى على المستوى العالمي. وربما كان الحدث الأبرز الذي شغل الرأي العام خلال الشهر هو استشهاد الصحفية الفلسطينية، شيرين أبو عاقلة، على يد الاحتلال الإسرائيلي، ضمن أحداث متتابعة تشير إلى التوتر المتصاعد بين الشعب الفلسطيني والكيان الصهيوني.

وفي ليبيا، حاول رئيس الوزراء الذي كلفه مجلس نواب طبرق، فتحي باشاغا، اقتحام العاصمة طرابلس، مقر الحكم الرسمي الذي تنطلق منه حكومة الوحدة الوطنية برئاسة، عبد الحميد الدبيبة، إلا أن القوات المؤيدة للأخير تصدت للهجوم، وانتهى القتال في ذات الليلة التي بدأ فيها، لتستمر بذلك حالة الخلاف وتنازع الشرعية، السائدة على الساحة الليبية منذ مطلع العام.

أما في لبنان، فقد أُنجزت انتخابات برلمانية تعد الأولى منذ الانتفاضة الواسعة التي حدثت عام 2019. وقد أسفرت النتائج عن زيادة عدد النواب المستقلين، وخسارة حزب الله للعديد مقاعده. وفي هذا، نناقش نتائج الانتخابات وأسبابها وتأثيرها على المستقبل السياسي للبنان.

وربما كان الحدث الأبرز على الساحة الخليجية هذه الفترة، هو وفاة الرئيس الإماراتي، خليفة بن زايد آل نهيان، وتولي ولي العهد، محمد بن زايد، مقاليد الحكم. وبالطبع، فإن أهمية الحدث لا تكمن في تولي الأخير حكم البلد الخليجي، ذلك أنه هو الحاكم الفعلي للبلاد منذ ما يربو على عقد من الزمان، إلا أن الأهمية تتمثل في منصب ولي العهد الذي أصبح الآن شاغرا. وفي هذا، تبرز بعض الأسماء التي قد يكون لأحدها الحظ الأوفر في تولي المنصب، ومنها خالد بن محمد بن زايد، وطحنون بن زايد، صاحب النفوذ الواسع في أروقة حكم أبو ظبي.

فلسطين

في صباح 11 مايو 2022، ذاع خبر اغتيال الصحفية الفلسطينية الشهيرة، مراسلة قناة الجزيرة في القدس لما يزيد عن عقدين، شيرين أبو عاقلة. إذ استُهدفت برصاصة في رأسها، وهي مرتدية زيها المخصص للصحفيين، أثناء تغطيتها اقتحام قوات الاحتلال لمخيم جنين.

نالت حادثة الاغتيال قدرا كبيرا من الاهتمام العربي والعالمي، لعدة أسباب مجتمعة. منها أن الراحلة ارتبطت صورتها وصوتها بالقضية الفلسطينية وتطوراتها، خصوصا تلك التي حدثت في مدينة القدس المحتلة. 

فقد غطت "أبو عاقلة" كل الأحداث المحورية التي مرت بفلسطين المحتلة بدءا بأحداث الانتفاضة الفلسطينية عام 2000، ومرورا بالاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين وطولكرم عام 2002، والغارات والعمليات العسكرية المختلفة التي شنتها دولة الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر، وليس آخر ذلك، تغطية محاولات تهجير أهالي حي الشيخ جراح في القدس.

كذلك كانت "أبو عاقلة" أول صحفية عربية يسمح لها بالدخول إلى سجن عسقلان في عام 2005، حيث أجرت هناك مقابلات مع الأسرى الفلسطينيين الذين صدرت بحقهم أحكاما كبيرة بالسجن. وخلال هذه المسيرة الطويلة دخلت شيرين بيوت معظم الشعوب العربية، الأمر الذي انعكس اهتماما بحدث اغتيالها.

علاوة على ذلك، فإن عمل "شيرين" داخل مؤسسة إعلامية لها سمعة عالمية كشبكة "الجزيرة" القطرية كان سببا في الضجة الكبيرة التي صاحبت اغتيالها، وخصوصا في الخارج. حيث أصدرت دول ومؤسسات عدة إدانات لحادث مقتل الصحفية الفلسطينية التي تحمل أيضا الجنسية الأميركية.

ففي واشنطن، غرد المتحدث باسم وزارة الخارجية نيد برايس، على حسابه في تويتر، قائلا: "نشعر بالحزن العميق وندين بشدة مقتل أبو عاقلة"، داعيا لفتح تحقيق فوري ومحاسبة الجناة. 

من جانبه، كتب السفير البريطاني لدى دولة الاحتلال، نيل ويغان، في تغريدة: "إنني حزين للغاية للوفاة المأساوية"، داعيا إلى فتح تحقيق "سريع وشامل وشفاف"، بالإضافة إلى تصريح جاء على لسان متحدثة الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، روزي دياز، حيث قالت: "صدمني وأحزنني خبر مقتل أبو عاقلة".

وبدورها، أعربت وزارة الخارجية الفرنسية، في بيان عن "صدمتها الشديدة" بمقتل أبو عاقلة، داعية لفتح تحقيق شفاف في الحادثة. كما قال وزير خارجية هولندا، فوبكه هوكسترا، إنني "مصدوم من الوفاة المأساوية لصحفية الجزيرة شيرين أبو عاقلة". ومن جانبها، أكدت الخارجية الإسبانية، أن "الحوادث الخطيرة" المتعلقة بمقتل أبو عاقلة يجب "التحقيق فيها وتوضيحها".

أضف إلى ذلك ما صدر عن مؤسسات وهيئات دولية وعربية من إدانات للجريمة، كمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومتحدث السلك الدبلوماسي في الاتحاد الأوروبي، مبعوث الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند، ومنظمة العفو الدولية، والمعهد الدولي للصحافة، ومنظمة التعاون الإسلامي، والجامعة العربية.

تمادي أجهزة أمن الاحتلال في الجريمة

ورغم أن الجريمة قد هزت الرأي العام فور وقوعها، حيث غطتها وسائل الإعلام العربية والعالمية، وأدانتها الحكومات والمؤسسات الدولية، فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي تمادت في عدوانها. 

فقد شهدت جنازة أبو عاقلة اعتداءات من قوات الاحتلال خاصة تجاه حاملي الأعلام الفلسطينية من المشيعين لدى محاولتهم الخروج بنعش الراحلة إلى خارج أسوار مستشفى القديس يوسف. 

وتراجع المشيعون إلى داخل المستشفى مرة أخرى بعد مهاجمتهم من قبل جنود الاحتلال، إلا أن ذلك لم يوقف عناصر الشرطة عن دفع المشيعين والاعتداء عليهم باستخدام الهراوات، والقنابل الصوتية.

وعند محاولة بعض مَن حضر الجنازة تهدئة جنود الكيان، لم تستجب لهم القوات الإسرائيلية، وأخذت بركل حاملي جثمان شيرين عدة مرات. وكاد النعش يسقط أرضا مع استمرار عناصر الشرطة في ضرب ودفع المشيعين قبل تقويمه ورفعه في اللحظة الأخيرة.

وأمام هذا التعنت الإسرائيلي، لم تجد دول غربية داعمة للاحتلال الإسرائيلي بُدّا من انتقاد أفعاله. فقد أعرب وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، في 13 مايو عن "انزعاج عميق لمشاهد مهاجمة الشرطة الإسرائيلية الموكب الجنائزي". 

ووصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، صور اعتداء عناصر الشرطة الإسرائيلية على المشيعين بأنها "مزعجة للغاية"، مضيفة أن الولايات المتحدة "تأسف لاقتحام ما كان ينبغي أن يكون مسيرة سلمية".

كذلك أدان الاتحاد الأوروبي "استخدام العنف بشكل غير متناسب، والتصرف الذي ينم عن عدم احترام من جانب الشرطة الإسرائيلية تجاه المشاركين في موكب التشييع". 

كما عبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، عن "انزعاجه الشديد" من تصرف "بعض عناصر الشرطة" الإسرائيلية أثناء إخراج نعش الصحفية شيرين أبو عاقلة. وعلاوة على ذلك، أعربت القنصلية الفرنسية في القدس عن "صدمتها الشديدة" حيال "العنف الذي استخدمته الشرطة".

توابع رد الفعل الدولي

ويمكن القول هنا إن ما بدا من جرائم لشرطة الاحتلال موثقة بالكاميرات، ورد الفعل الدولي المندد بتلك الاعتداءات المتتالية، لم يغيرا شيئا في سياسة حكومة نفتالي بينيت، التي تقف على أرض هشة، وتخشى من الإطاحة بها إذا تفاعلت المطالب الفلسطينية والدولية بشكل حقيقي. 

فحتى الآن وبعد مرور نحو 3 أسابيع على جريمة قتل "أبو عاقلة"، لم تفتح سلطات الاحتلال تحقيقا في الجريمة، ويبدو أنها لن تفعل.

فقد قال، عاموس هرئيل، المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" إن الجيش الإسرائيلي لا ينوي فتح تحقيق بشأن ملابسات مقتل أبو عاقلة، بدعوى عدم وجود شبهات جنائية، وتجنبا لنشوب خلافات في المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيليين.

وبحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة للكاتب الإسرائيلي، فإن النيابة الإسرائيلية كانت قد أصدرت في أواخر الانتفاضة الفلسطينية الثانية تعليمات بشأن ضرورة فتح تحقيق في ظروف مقتل المدنيين الفلسطينيين بنيران إسرائيلية إذا لم يكونوا مسلحين، لكن النيابة العامة تمتنع عن ذلك كما يبدو لتفادي أي انتقادات من جانب اليمين أو إثارة خلافات داخل الجيش.

إذن، فإن محاسبة الفاعل لن تتحقق فيما يبدو، برغم سهولة الوصول إليه، وبرغم الدعوات الدولية المتعددة المطالبة بمحاسبة الجاني. 

وفي مقابل ما يمكن أن نسميه بـ"التواطؤ الدولي" الذي لا يردع الاحتلال عن ارتكاب جرائمه، فإن الانحياز الشعبي للرواية الفلسطينية في تزايد مستمر، مقابل انخفاض تصديق رواية الكيان الصهيوني. 

وتصدرت الوسوم المنددة باغتيال "أبو عاقلة" في الوطن العربي وخارجه، وبدا أن رواية الاحتلال في انحسار.

وهذا ما أكده تقرير صادر عن منصة تحقيقات المصادر المفتوحة "إيكاد" الصادر في 27 مايو. وقال التقرير إنه كُتبت حوالي 62 ألف تغريدة حول مقتل شيرين في الـ 30 ساعة الأولى منذ وقت الاغتيال، بمعدل وصول بلغ أكثر من 754 مليونا.

وعبر تحليل هذه التغريدات الصادرة من داخل الولايات المتحدة، اتضح أن 62 بالمئة من المغردين اتهموا كيان الاحتلال الإسرائيلي صراحة بقتل شيرين. 

بينما اكتفى 22 بالمئة منهم بذكر الخبر مع عدم ذكر القاتل. بينما كرر 4 بالمئة فقط من المغردين رواية الاحتلال عن حادثة الاغتيال. 

وهنا تخبرنا الأرقام أن الرواية الفلسطينية متفوقة بشكل واضح على رواية دولة الاحتلال، حتى في داخل الولايات المتحدة الحليف الأبرز والأكثر أهمية بالنسبة لتل أبيب رغم ترويج معظم منافذ الإعلام الأميركي لخلافها. 

وهذا الرأي العام الرافض لجرائم الاحتلال من شأنه أن يؤثر على صانع القرار الأميركي على المدى المتوسط والبعيد، خصوصا إذا استمر على ذات الوتيرة المتصاعدة.

ليبيا 

لا تكاد الساحة الليبية تمر بفترة هدوء نسبي، إلا ويأتي حدث يعيد إشعال فتيل الأزمة من جديد. فمنذ أن تأجلت الانتخابات التي كان يزمع إجراؤها أواخر عام 2021، عاد التوتر من جديد، وعاد الحديث حول احتمالية التصعيد العسكري.

وكانت ليبيا قد مرت بفترة استقرار لم تخلُ بطبيعة الحال من معوقات، منذ استلام حكومة الوحدة الوطنية مهامها، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، خلفا لحكومة الوفاق الوطني بقيادة، فايز السراج. 

وكانت المهمة الأساسية لحكومة الوحدة هي الوصول بالبلاد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، تسلم على أساسها السلطة لحكومة منتخبة بشكل مباشر من الشعب.

وعلى هذا كان تعويل الشعب الليبي في مسألة إنهاء الانقسام بين الشرق والغرب. لكن ذلك الأمل لم يدم طويلا بعد العراقيل المتعددة التي ظهرت خلال العام الذي ترأس فيه الدبيبة الحكم قبل الوصول لموعد إجراء الانتخابات. 

وبدا أن توقف السعي خلف الحل العسكري -الذي كان ينشده الجنرال المتقاعد المسيطر على الشرق الليبي، خليفة حفتر- لم يحل الأزمة من جذورها.

وظهر جليا أن حفتر وإن أوقف حملته العسكرية على طرابلس -بعد الدعم التركي الذي تلقته الحكومة الشرعية- إلا أنه لم يتخل عن هدفه في دخول العاصمة. 

فقد استخدم حفتر مجلس نواب طبرق –برئاسة عقيلة صالح- لعرقلة الانتخابات، وتفصيل قانون له يسمح له بالترشح، بالرغم من كونه مزدوج الجنسية، حيث يحمل الجنسية الأميركية بجانب الليبية. 

كما شن حفتر خلال هذه الفترة عمليات عسكرية في الجنوب الليبي، تحت دعوى محاربة الإرهاب، متجاوزا بذلك الصلاحيات الدستورية لحكومة الدبيبة.

وكانت نتيجة هذه المحاولات أن أعلن رئيس مجلس المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا، عماد السايح، أن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكلت "قوة قاهرة" منعت إجراء الانتخابات في موعدها. 

وبدلا من أن تسعى الأطراف الليبية إلى عقد الانتخابات في أقرب موعد لتنهي بذلك الفترة الانتقالية التي طالت لسنوات، اتجه معسكر حفتر وجزء من المعسكر المناوئ لإزاحة حكومة الدبيبة من المشهد السياسي الليبي، ذلك أن الأخير هو أحد المرشحين على منصب الرئيس، وقد كسب شعبية واسعة بعد توليه رئاسة الحكومة، وبات يشكل خطرًا على باقي المنافسين.

لكن ليبيا ككل هي أكبر متضرر من استمرار حالة التشرذم والتنازع على الشرعية، جراء السعي خلف المصالح الضيقة. ففي 16 مايو، حاولت قوات تابعة لرئيس الحكومة المكلف من قِبل مجلس نواب طبرق، فتحي باشاغا، السيطرة على مقار الحكم في العاصمة طرابلس، مما أسفر عن اشتباكات مع مجموعات مسلحة تابعة للدبيبة.

وتوقفت الاشتباكات -التي استمرت ساعات- بعد تدخل قوات تابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي، التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، وتوفيرها ممرًا آمنًا لباشاغا للخروج من طرابلس. 

وقد أمر رئيس حكومة الوحدة كلا من النائب العام الصديق الصور، والمدعي العام العسكري اللواء مسعود ارحومة، بفتح تحقيق في أحداث طرابلس، كما أصدر الدبيبة قرارًا بإعفاء، اللواء أسامة جويلي، من مهامه كرئيس للاستخبارات العسكرية.

روايتان متضاربتان

وفي البلاد حاليا شخصان يتنازعان على الشرعية، ولذلك فقد وجدت روايتان عن أحداث ذلك اليوم. فمن جانبه، رأى الدبيبة أن "مشروع التمديد والانقلاب انتحر سياسيا، وصدرت اليوم شهادة وفاته رسميا".

وأجرى رئيس حكومة الوحدة جولة في العاصمة بعد انتهاء المواجهات، وذكر بيان صادر عن ديوانه أنه أمر بتشكيل لجنة لحصر الأضرار الناجمة عن الاشتباكات لبدء إجراءات تعويض المتضررين.

وظهر "الدبيبة" في كلمة متلفزة، قائلا إنه وافق على فتح ممر آمن للمجموعة المنقلبة التي اقتحمت طرابلس، حقنا للدماء، مضيفا أن المواطنين يخشون عودة حالة الرعب بعدما تسلل المسلحون إلى العاصمة، ومؤكدا أن الانتخابات هي الحل، وأنه لا مستقبل لليبيا إلا بإجرائها، متهما "المجموعة المنقلبة" بأنها لا تريد العيش إلا في الحرب والفتنة.

كما أعلنت وزارة الدفاع في حكومة الوحدة -والتي يرى وزيرها الدبيبة نفسه نظرًا لعدم تمكن الأطراف المختلفة من الاتفاق على اسم الوزير حين تشكيل الحكومة- أنها تصدّت لما قالت إنها مجموعة مسلحة خارجة عن القانون حاولت التسلل إلى داخل العاصمة لإثارة الفوضى باستخدام السلاح خدمة "لأجندة حزبية". 

وأضافت الوزارة أن إجراءات أجهزتها العسكرية والأمنية أرغمت المجموعة المسلحة على الفرار من العاصمة، وأكدت أنها ستطارد كل المتورطين في ما وصفته "بالعمل الجبان"، مهما كانت صفاتهم.

وفي المقابل، رأى "باشاغا" –الذي كان وزير داخلية حكومة الوفاق إبان عدوان حفتر على العاصمة- أنه لم يلجأ إلى "القوة أو السب أو التخوين"، ولم يلجأ إلى السلاح "حقنا لدماء الليبيين". 

وبعد ساعات من مغادرته طرابلس ووصوله إلى مدينة سرت –التي تسيطر عليها قوات حفتر- أعلن باشاغا أن حكومته ستتخذ من المدينة مقرا للحكم، ريثما تتسنى الظروف المناسبة التي تمكنها من الانتقال للعاصمة.

وأمام عمق الخلاف بين هذين المعسكرين، يبرز شبح الحرب من جديد، لكن يبدو أنه إن حدث سيكون مختلفا عما سبق. ذلك أن حفتر هذه المرة قد استقوى بأحد رجال الغرب الأقوياء وهو "باشاغا"، الذي وقف أمامه في السابق ليمنع قواته من اقتحام طرابلس، الأمر الذي يعني أن معسكر الشرعية نفسه قد تصدع.

النفط في صالح مَن؟

في أثناء ذلك، يحاول كل طرف تثبيت سلطته باستخدام الأدوات التي يمتلكها. وفي هذا، اجتمع مجلس نواب طبرق ليقر عمل حكومة باشاغا من خارج مقر الحكم الرسمي، طرابلس. 

وقال عقيلة صالح إن "للحكومة أن تعمل في أي مدينة ليبية، ما دام قد توافرت لها الظروف المواتية لأداء مهامها"، وطالبها بضرورة الاهتمام بمدينة سرت، وإعادة إعمارها وكافة المدن الليبية.

علاوة على ذلك، فإنه من المتوقع أن يصدق مجلس نواب طبرق على الموازنة العامة التي قدمها باشاغا للبرلمان، بوصفها إحدى الخطوات التي قد تمنحه أفضلية على الدبيبة. 

ولا يوجد فرق واسع بين موازنة الدبيبة وباشاغا. ففي حين بلغت موازنة الأخير 94 مليارا و830 مليون دينار ليبي (19.9 مليار دولار)، قلّت موازنة الأول الشيء اليسير عن هذا الرقم، حيث بلغت 93 مليارا و878 مليون دينار ليبي (19.7 مليار دولار).

ورغم هذا التقارب رفض نواب طبرق موازنة الدبيبة، بينما أحال مشروع موازنة باشاغا إلى اللجنة المالية، لإبداء الرأي قبل إقرارها في جلسة عامة. وربما في هذا إشارة أخرى إلى أن المسيطر على معسكر حفتر هي المصالح الضيقة، وليس مصلحة البلاد ككل.

وبالرغم من هذا الانحياز، فإن هناك شكوكا حول أهمية هذه الخطوة على أرض الواقع. فكما هو معلوم، فإن المصدر الرئيس للإيرادات في ليبيا هو النفط، حيث يشكل نحو 95 بالمئة من إيرادات الدولة. 

وبالتالي، فإن السيطرة على النفط تعني بشكل أو بآخر السيطرة على أهم مورد في الدولة، وبالتالي التحكم في كل جميع مصارف الأموال، بما في ذلك رواتب الموظفين والجنود.

في هذا السياق، تبرز مؤسستان من شأنهما أن تحددا جزءًا ليس باليسير من مآلات الصراع الحالي، وهما مصرف ليبيا المركزي برئاسة الصديق الكبير، والمؤسسة الوطنية للنفط التي يترأسها مصطفى صنع الله. 

فأحد الرجلين يتحكم في المصدر الرئيسي للأموال وهو النفط، والآخر يتحكم في الأموال التي يدرّها الذهب الأسود على البلاد.

ويبدو حتى الآن أن الرجلين لا يؤيدان "باشاغا"، وخصوصًا وأنهما هما مَن مكنا حكومة الدبيبة من العمل برغم عدم إقرار الموازنة من مجلس نواب طبرق، طيلة العام 2021. 

إذ تعمل حكومة الدبيبة دون ميزانية، لعدم إقرارها من مجلس النواب في طبرق، منذ توليها السلطة في مارس/آذار 2021، الأمر الذي دعاها للاعتماد على إيرادات النفط وقروض البنك المركزي.

ومع أن رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، مارس -وما يزال- ضغوطا متزايدة لوقف إحالة إيرادات النفط إلى المصرف المركزي بطرابلس؛ فإن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، وتمكن الدبيبة من الحصول على الأموال التي تمكنه من تشغيل مؤسسات الدولة.

وفي إشارة تفيد إلى عدم تأييدهما إجراءات باشاغا، تغيب المسؤولان عن الاجتماع الأخير الذي عقده مجلس النواب لمناقشة مشروع ميزانية الأول، رغم توجيه الدعوة لكليهما.

أوراق الضغط التي في جعبة الطرفين

وإجمالًا، يمكن القول إن حكومة الدبيبة تمتلك عدة أوراق قوة، بينما تفتقر إلى أخرى، والحال كذلك في الجهة الأخرى.

فالدبيبة ينطلق في حكمه من العاصمة الرسمية للبلاد، وهي نقطة قوة يعرف المعسكر المناوئ أهميتها. وهذا أحد الأسباب التي دفعت حفتر لشن حرب على العاصمة قبل نحو سنتين، رغم سيطرته حينها على الشرق والجنوب الليبي. 

كما أن الدبيبة ما زال يُدعى في المحافل الدولية كممثل شرعي للدولة الليبية، ما يعني أن الاعتراف به ما زال موجودًا، وإن كانت الدول المتدخلة في الشأن الليبي تفتح قنوات مع باشاغا في الوقت ذاته.

كما أن لدى الدبيبة قوة عسكرية مكنته من صد قوات باشاغا حين قدمت إلى طرابلس، وهذا أحد أبرز العوامل المهمة، في بيئة متوترة تشهد معارك منذ ما يزيد عن عقد من الزمان. بالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه من الدعم المتفاوت من أهم المؤسسات الليبية الأخرى كالمصرف المركزي ومؤسسة النفط. 

وحين الحديث عن الغرفة الأخرى في البرلمان الليبي، وهي مجلس الدولة برئاسة خالد المشري، فمن المعلوم أن الرجل تربطه علاقة قوية بباشاغا، حيث تصديا معا لهجوم حفتر على العاصمة. 

لكن في هذه الأزمة التي تقارب فيها باشاغا مع حفتر ليضعف طرفا في معسكر الشرعية، يبدو حتى الآن أن المشري يحاول النأي بنفسه عن تأييد سياسات باشاغا.

ففي تعليقه على الحادث الأخير، بين المشري أن "حكومة باشاغا محل نزاع، ودخولها طرابلس بدون توافق محاولة فرض أمر واقع مرفوض". 

وقال المشري إن "الحكومتين لا تريدان الذهاب للانتخابات حتى بعد 5 سنوات، وحكومة الدبيبة لا تستطيع إجراءها، لأن نفوذها مقتصر على طرابلس وبعض المدن، وعلينا التوافق على قاعدة دستورية وحكومة مصغرة هدفها إجراء الانتخابات فقط".

وفي المقابل، يمتلك باشاغا دعم حفتر، الذي يحظى بقوة عسكرية وتأييد من دول لها دور مهم على الساحة الليبية كروسيا ومصر. كما يدعمه مجلس النواب، الذي "يشرعن" سلطة الدبيبة، وما يصاحبها من قرارات تحتاج لها، كإقرار الموازنة، وقرار الحرب.

بالإضافة إلى ذلك، ورغم عدم صدور قرار دولي من الأمم المتحدة بالاعتراف بباشاغا كرئيس للحكومة، فإن الغالبية العظمى من الدول المنخرطة في الشأن الليبي تفتح قنوات اتصال معه، بما في ذلك، تركيا التي تعد الداعم الأول لمعسكر الشرعية في ليبيا، والتي ساهم دعمها في 2019 بدحر قوات حفتر من كامل الغرب الليبي.

كما أن المجتمع الدولي بشكل عام ينظر إلى الانقسام الحالي بنظرة مختلفة بعض الشيء عن سابقه. فالصراع السابق، كان بين حكومة شرعية معترف بها دوليا، مقابل عسكري منقلب على السلطة. 

بينما الخلاف الحالي رأس الحربة فيه أحد أهم الشخصيات التي ساهمت في دحر قوات حفتر في الأساس، وهو يتمتع بشعبية داخل معسكر الشرعية ذاته.

وربما هذا ما جعل المستشارة الأممية بشأن ليبيا، ستيفاني وليامز، تتجاهل المعضلات الأساسية، وتطرح مبادرة تنص على البدء الفوري بإجراء مشاورات بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة لوضع أساس دستوري ينقل البلاد إلى الانتخابات في أقرب وقت، دون أن تتناول الحشد العسكري من الطرفين في الفترة الأخيرة.

وعلى هذا، يبدو أن الانقسام الحالي سيستمر فترة ليست بالقصيرة، ذلك أنه أكثر تعقيدًا من سابقه، وأكثر خطورة كذلك. ففي الوقت الذي يؤجل فيه الدبيبة الانتخابات من يونيو/حزيران إلى نهاية العام، يهدد عقيلة صالح، في الوقت ذاته، باستخدام القوة لإزاحة الدبيبة. 

وقال "صالح" أخيرا، إن "الحقيقة الثابتة منذ زمن، والتي تكررت بعد تكليف باشاغا هي أن العاصمة طرابلس ترزح تحت سيطرة مجموعات مسلحة"، مهددا أنه "لا يمكن دخولها إلا عبر القتال، أو بموافقة هذه المجموعات لتكون تحت سيطرتهم".

لبنان

يعيش لبنان حالة من التدهور على المستوى السياسي والاقتصادي منذ سنوات، حيث ضاق قسم ليس بالقليل من اللبنانيين ذرعا بطبقة السياسيين الذين يسيّرون البلاد منذ عقود. لذلك، جاءت انتفاضة اللبنانيين عام 2019، لتطالب برحيل الطبقة السياسية الحاكمة كلها، ورُفع شعار "كلن يعني كلن"، الدال على هذا المعنى.

وخلال مايو، عُقدت أول انتخابات بعد هذه الانتفاضة أو ثورة 17 تشرين الأول، وكانت نتائجها مفاجئة بالنسبة للعديد من القوى السياسية والمراقبين للمشهد على حد سواء. 

فقد تنافس المرشحون للانتخابات النيابية على 15 دائرة انتخابية موزعة على خمس محافظات، هي: بيروت، وجبل لبنان، والبقاع، والشمال، والجنوب، وذلك لشغل 128 مقعدا في مجلس النواب. وكان هناك 103 لوائح انتخابية و718 مرشحا، مقارنة بـ 77 لائحة و597 مرشحا في انتخابات عام 2018.

وحملت نتائج الانتخابات إشارات إيجابية بالنسبة للراغبين في تغيير التكلس السياسي القائم. فقد أسفرت عن خسارة حزب الله وحلفاؤه عددًا من مقاعدهم، ليتراجع من 71 إلى 61 مقعدا موزعين كالتالي:

كتلة حزب الله تضم 15 نائبا، وحركة أمل تضم 15 نائبا، والتيار الوطني الحر ويضم 17 نائبا، وحزب الطاشناق ويضم 3 نواب، وحلفاء مباشرين وغير مباشرين، وعددهم 11 نائبا.

أما بالنسبة للمعسكر المناوئ لحزب الله، فقد حاز 51 مقعدا، منهم 18 مقعدا لحزب "القوات اللبنانية"، و9 للحزب التقدمي الاشتراكي، و 5 لحزب الكتائب، وشخصيات مستقلة وحزبية منتخبة أعلنت مواقف ضد سلاح الحزب الشيعي لها 12 نائبًا.

 هذا بالإضافة إلى ظهور كتلة سنية من 7 نواب، موزعين على النحو التالي: مناصرو تيار المستقبل 5 نواب، ونائبين عن الجماعة الإسلامية. أما مؤيدو الانتفاضة فقد حصلوا على 16 مقعدا، لينضموا بذلك إلى عدد المعارضين لحزب الله تحت قبة البرلمان.

إذن، فإن حزب الله ما زال هو الكتلة الأكبر في البرلمان، لكنه يعاني من عدم حصوله على أغلبية تمكنه من فرض كلمته في الاستحقاقات القادمة، كتشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس جديد للبلاد مع قرب انتهاء مدة الرئيس الحالي، ميشال عون، في 31 أكتوبر/تشرين أول 2022.

أسباب تغير الخريطة التصويتية 

وبالطبع، فإن لهذا التحرك في خريطة التصويت أسبابه. ويأتي على رأسها انتفاضة 2019، حيث إن تطلع الشعب اللبناني للتغيير انعكس في هذه الانتخابات ولو بشكل جزئي، عبر انتخاب نواب مؤيدين للانتفاضة للمرة الأولى، والضعف النسبي الذي طرأ على الأصوات المؤيدة لحزب الله وحلفائه.

فحزب الله هو أحد أبرز اللاعبين على الساحة اللبنانية، إن لم يكن الأبرز. والارتباط الوثيق للحزب بإيران يجعل سياساته موجهة لخدمة طهران في كثير من الأحيان، حتى إذا تعارضت مع المصلحة الوطنية للبنان. وقد طالبت الانتفاضة عام 2019 بتحجيم دوره في الحياة السياسية اللبنانية.

وفي هذا يقول رئيس تحرير موقع "جنوبية" الصحافي "علي الأمين"، إن "مسألة التغيير في لبنان، ببُعديها الاقتصادي والسياسي، تقودنا في الأخير باتجاه حزب الله، فعندما نتحدَّث عن الحدود أو السيادة، فأي تحقيق حقيقي لضبط الحدود وسيادة الدولة هو بالضرورة أمر يضرُّ بالحزب الذي يستخدم حدود البلاد بحرية أو يهيمن على القوة العسكرية فيها".

والسبب الثاني هو أنه وللمرة الثانية جرى احتساب أصوات المقترعين من المغتربين خارج لبنان. وبطبيعة الحال، كان لها أثر واضح على النتائج خاصة أن نسبة كبيرة منهم لا تؤيد الأحزاب التقليدية العاملة على الساحة اللبنانية منذ عقود، ولا تملك الطبقة السياسية قدرة على التأثير مباشرة في اختياراتها.

ووفق إحصائيات وزارة الخارجية والمغتربين، بلغ عدد المقترعين في الخارج 142000 ناخب من أصل 225000 مسجلين؛ أي أن نسبة اقتراعهم كانت 63 بالمئة، ما يعكس حماسة انتخابية للتغيير لديهم، ولا سيما أن هذه الأصوات ساعدت مرشحي الانتفاضة على كسب مقعد إضافي في دوائر رئيسة مثل بيروت الأولى والثانية، والشوف - عاليه، ودائرة الجنوب الثالثة.

أما السبب الثالث، فيرجع إلى عزوف تيار "المستقبل" الذي تأسس عام 2007 برئاسة سعد الحريري عن المشاركة، بعد إعلان الأخير في يناير/ كانون الثاني تعليق العمل السياسي. 

وترتب على ذلك سباق بين المرشحين لملء فراغ "تيار المستقبل" الذي كان يتمتع بالأكثرية التمثيلية بين سُنّة لبنان. 

وتعد هذه هي الانتخابات الأولى التي تجري في لبنان من دون مشاركة التيار الذي برز مطلع تسعينيات القرن الماضي مع رئيس الوزراء الأسبق رفيق أو "تيار المستقبل"، الذي يقوده ابنه.

هذه الأسباب مجتمعة ساهمت بنسب متفاوتة في تغير نتائج هذه الانتخابات عن سابقتها، التي كانت أغلبية حزب الله فيها مريحة له نوعا ما. حتى أن الخريطة التصويتية ساهمت كذلك في انتخاب نبيه بري، لرئاسة مجلس النواب اللبناني مرة جديدة، لكن بعد جلسة ثانية.

وهو الأمر الذي لم يعتد عليه "بري" الذي يترأس المجلس لفترة سابعة. ففي تصويت عام 2018، حصل على 98 صوتا، يوم أن كان حليفه "حزب الله" يتمتع بأغلبية البرلمان. 

وفي التصويت الذي جرى عام 2009 تحصل بري على 90 صوتا، ما يؤكد وجود تغيير في توجه الأعضاء المنتخبين أخيرا.

نتائج إيجابية ومستقبل ضبابي

ورغم أن نتائج الانتخابات البرلمانية في لبنان تُعد إيجابية بالنسبة لكل مؤيد للتغير، فإن توزيع المقاعد داخل مجلس النواب ينذر بأزمة سياسية، شبيهة بتلك التي يمر بها العراق، ذلك أنه لا أحد يملك أغلبية تمكنه من تمرير سياساته. وهنا لا بد من الحوار بين حزب الله والقوى الأخرى لتشكيل تحالف يمكنهم من الفصل في مسألة تحديد اسم رئيسي الحكومة والجمهورية.

وفي العادة تكون عملية تحديد أسماء المرشحين لهذين المنصبين عسيرة، ومع الخريطة البرلمانية الجديدة، فإن الأمور تزداد صعوبة، وفق العديد من المراقبين. 

 ورأى الكاتب والباحث السياسي، وائل نجم، أنه "في ظلّ الانقسام السياسي القائم بين بقايا فريقي 8 و14 آذار، وفي ظلّ صعود قوى جديدة تمثّل المجتمع وتناصب كلا الفريقين الخصومة أو المنافسة، فإنّ تشكيل الحكومة ليس بالأمر السهل واليسير".

ويعتقد أن استحقاق تشكيل الحكومة المقبلة، يوازي بحجمه وإشكاليته كل الاستحقاقات الأخرى، ومن غير المتوقع تشكيلها بسهولة في ظلّ التجاذبات القائمة محليًا في لبنان وخارجيا على المستويين الإقليمي والدولي.

وتوقع أن الوضع بلبنان قد يتجه خلال المرحلة المقبلة للدخول بما يشبه الحالة العراقية حيث الشلل التام الذي أصاب الاستحقاقات الدستورية المنتظرة بعد انتخابات خريف 2021.

ففي أكتوبر 2021 أدت الانتخابات النيابية في العراق إلى خسارة ائتلاف "الحشد الشعبي" المؤيد لإيران، ولم تنجح البلاد حتى اليوم في عملية إعادة تكوين السلطة؛ نظرًا إلى الفشل بانتخاب رئيس جديد للبلاد وعدم تشكيل حكومة.

الإمارات

في 13 مايو، أعلنت وكالة الأنباء الإماراتية وفاة رئيس الدولة، خليفة بن زايد آل نهيان. كما أعلنت وزارة شؤون الرئاسة الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام مدة 40 يومًا، وتعطيل العمل في الوزارات والدوائر والمؤسسات الاتحادية والمحلية والقطاع الخاص 3 أيام. 

وانتهت بذلك رسميا فترة حكم الشيخ خليفة، التي بدأت مع وفاة والده، زايد بن سلطان آل نهيان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2004.

وغداة وفاة رئيس الدولة مباشرة، أعلن المجلس الاتحادي للإمارات، تعيين ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، خلفًا له. 

وبطبيعة الحال، فإن صعود "ابن زايد" للسلطة ليس مفاجئا، ذلك أنه يملك زمام الأمور في الدولة الخليجية منذ سنوات، وبالأخص منذ يناير/كانون الثاني 2014، حين أصيب رئيس البلاد بجلطة، ترك على إثرها إدارة شؤون إمارة أبو ظبي لأخيه.

إذن، فليس من المنتظر أن تطرأ على السياسة الإماراتية سواء الداخلية أو الخارجية تغييرات، لأن واضع هذه السياسات كان هو الرئيس الفعلي منذ سنوات. 

لذا، فمن المرجح أن تستمر سياسات القمع الداخلي، وسياسات التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ومعاداة ثورات الربيع العربي، كما كان الأمر قبل وفاة الرئيس.

لكن ربما يكون التحدي الأكبر بالنسبة للرئيس الجديد هو اختيار أحد أفراد الأسرة الحاكمة ليكون في منصب ولي العهد، الذي أصبح شاغرًا الآن. 

وفي الواقع، فإن الدستور الإماراتي لا يجبر رئيس الدولة على اختيار شخص بعينه في ولاية العهد، وربما هذا ما سيصعب المهمة على ابن زايد. 

ففي الوقت الذي لا يكون الأمر فيها محسومًا بنص دستوري أو باتفاق مسبق، تُترك مساحة لكل المتطلعين إلى هذا المنصب أن يؤملوا فيه، وأن ينتظروا وقوع اختيار الرئيس عليهم، أو يسعون هم من أنفسهم إلى ذلك.

ولي العهد القادم

وكمحاولة لاستشراف اسم ولي العهد الجديد، تبرز أمامنا عدة أسماء جميعها محتملة، وإن كانت بنسب متفاوتة. ونبدأ بطحنون، الأخ الشقيق لمحمد بن زايد. 

يُعرف "طحنون" بنفوذه داخل دواليب الدولة وإن كان لا يظهر في وسائل الإعلام بشكل متكرر كغيره من الأسرة الحاكمة. لكن ربما صار وجهًا مألوفًا خلال السنة الماضية، التي بدأت السياسة الخارجية للإمارات تتغير فيها.

فكان أول مسؤول إماراتي يزور الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد قطيعة دامت سنوات بين البلدين. وبالطبع، فإن في ذلك دلالة على أهمية شخصية "طحنون" داخل النظام الإماراتي، وصلاحياته التي تتوسع بالتدريج. 

كما كان هو ذاته مَن التقى بأمير قطر، تميم بن حمد، بعد اتفاق العلا الذي أنهى حصار الدوحة. هذا فضلًا عن زيارة طحنون إلى طهران، التي تعد أحد أهم اللاعبين المؤثرين في المنطقة بشكل عام، وعلى الإمارات بشكل خاص.

وكانت مجلة "إنتلجنس أونلاين" الفرنسية قد سلطت الضوء في تقرير لها على مدى نفوذ "طحنون"، حيث قالت إن هناك حرب نفوذ داخل الأسرة الحاكمة في الإمارات، يبدو المنتصر فيها حتى الآن الشخص المذكور.

إذ يدير "موانئ أبوظبي" تابعة لشركة ADQ القابضة، كما استحوذت على حصة في شركة "لويس دريفوس بي" العالمية، والتي تنشط في مجالات الزراعة والتصنيع الغذائي والتمويل والشحن.

وبالإضافة إلى ADQ القابضة، استحوذ "طحنون بن زايد" أيضا على مجموعة إيدج "EDGE"، وهي شركة قابضة للمنتجات والأسلحة الدفاعية في الإمارات، وتصنع أسلحة خفيفة أبرزها البندقية "كاراكال"، والتي تستخدم في الحرب الدائرة باليمن، وجرى بيعها هناك دون حساب، لاسيما للأطراف المدعومة إماراتيًا.

وقالت "إنتلجنس أونلاين" إن "طحنون" يبسط سيطرته أيضا على كيانات أخرى، مثل شركة Digital14 للبرمجيات، وشركة DarkMatter للأمن السيبراني وأنظمة الحرب الإلكترونية، والتي تأسست في 2014 ويثار حولها تقارير عن تورطها في عمليات قرصنة وتجسس، وهناك أيضا شركة BeamTrail، لتطوير حلول البرمجيات.

أما الاسم الثاني الذي يتردد، فهو منصور بن زايد، الأخ الشقيق للرئيس الجديد. ويُعرف منصور في الأوساط العربية والعالمية بشكل واسع، نظرا لكثرة ظهوره، واستثماراته العديدة، ومن بينها نادي مانشستر سيتي الإنجليزي. 

كما ترأس العديد من الكيانات المالية بما في ذلك صندوق أبوظبي للتنمية، وبنك الخليج الأول (الآن جزء من بنك أبوظبي الأول)، وشركة الاستثمارات البترولية الدولية (الآن جزء من شركة مبادلة للاستثمار).

كما أنه على علاقة مصاهرة برئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، محمد بن راشد، الأمر الذي يجعله أكثر قبولا من غيره لدى الإمارة الثانية في الدولة.

لكن تحوم شكوك حول صلاحيته لهذا المنصب، نظرا لارتباط اسمه بقضية اختلاس أموال من الصندوق السيادي الماليزي. 

واتهم الادعاء الماليزي، منصور بن زايد، بالتواطؤ مع رئيس الوزراء الماليزي السابق نجيب عبد الرزاق، للتستر والاحتيال ضد ماليزيا، بدلا من فضح ما وصفها بأكبر سرقة في العالم. 

وتحدثت الأنباء حينها، في أغسطس/آب 2020، عن صفقة خارج نطاق القضاء مع حكومة أبو ظبي، تتعلق بقرابة 6 مليارات دولار، يشتبه في أن شركة إماراتية اختلستها من الصندوق السيادي الماليزي.

والاسم الثالث هو هزاع بن زايد، شقيق محمد. وما يرشحه لهذا المنصب هو أنه صاحب قدر من النفوذ داخل أروقة الحكم في الإمارات، حيث يشغل منصب نائب رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي منذ 2010، وشغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الشرف ورئيس مجلس الإدارة أيضًا. وكذلك، حاز العضوية الخاصة بالمجلس الأعلى للبترول. 

وفي عام 1983 انضم هزاع إلى جهاز أمن الدولة، وحاز فيه منصب نائب الرئيس في الفترة 1989 إلى 1992، وصولا إلى رئيس الجهاز في الفترة من 1992 إلى 2006. كما حصل على منصب مستشار الأمن الوطني في الفترة من 2006 إلى 2016.

أما الاسم الأخير فهو خالد بن محمد بن زايد. وفي هذا، نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريرًا لمراسلها في دبي، سايمون كير، الذي توقع أن يستلم الشخص المذكور ولاية العهد. 

وذكر التقرير أن خالد، البالغ من العمر 40 عاما، تعلم في الولايات المتحدة وبدأ عمله الرسمي بالحكومة في قوات الأمن ليصبح في السنوات الأخيرة مسؤولا عن السياسة المحلية، بما في ذلك جهاز أبوظبي التنفيذي. 

وزاد تأثير "خالد" بعد تقلده في السنوات الماضية مهام بارزة في الحكومة، حيث تقلد عدة مناصب، آخرها عام 2016 نائبا لمستشار الأمن الوطني ورئيس جهاز أمن الدولة في الإمارات.

وفي هذا السياق، يتحدث البعض عن سيناريو محتمل، يختار فيه محمد بن زايد، أحد إخوته كولي للعهد، ثم يزيحه بعد فترة لصالح ابنه خالد الذي سيزداد تمكنا بمرور الوقت مع وجود أبيه في رئاسة الدولة، كما حدث حين تولية، محمد بن سلمان، ولاية العهد في السعودية.


المحور الثاني: السياسة الدولية والمنطقة

أزمة غذاء عربية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية

في 27 مايو، جرى اتصال بين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراغي، لبحث سبل المساهمة في الحد من أزمة الغذاء العالمية، نظرًا للأضرار الشديدة التي لحقت بهذا الملف جراء الحرب الروسية الأوكرانية، وذلك لكون موسكو وكييف أكبر مصدري الحبوب في العالم.

وفيما بدا أنه ابتزاز وتهديد للغرب، وللعالم بشكل عام، وللدول الفقيرة والنامية على وجه التحديد، أعلن الكرملين أن مساهمة روسيا في تخفيف حدة الأزمة لن تتم إلا بإقدام الغرب على رفع العقوبات المفروضة على موسكو إثر غزوها لأوكرانيا. وبذلك وضع بوتين أمن الغذاء مقابل العقوبات على بلاده.

وعليه، يبدو أن هذا الاتصال لم يحقق أي تقدم يذكر، حيث صرح رئيس الوزراء الإيطالي عقب اللقاء أنه لم يجد أي بصيص للسلام خلال محادثاته الهاتفية مع الرئيس الروسي. وهو ما يعني -في حال استمرار الحال على ما هو عليه- أن أزمة الغذاء ستتفاقم خلال الأسابيع القليلة القادمة، لا سيما في الدول الفقيرة. 

وحذرت الأمم المتحدة، في مايو من أن العالم قد يواجه مجاعات تستمر لسنوات بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، وأنه قد يتعرض لنقص إمدادات الغذاء في الأشهر المقبلة، إذا لم يتم إعادة الصادرات الأوكرانية إلى مستويات ما قبل الحرب. 

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن الحرب تهدد بدفع عشرات الملايين من الناس إلى حافة انعدام الأمن الغذائي وما يترتب عليه من سوء التغذية وجوع جماعي بل ومجاعة.

كما ذكرت المنظمة أن العالم لديه 10 أسابيع من الحبوب المتبقية، وأن عدد الجياع بسبب الأزمة في أوكرانيا يمكن أن يرتفع إلى 323 مليون شخص.

ولا شك أن غالبية المنطقة العربية ستكون من أوائل المتضررين من الأزمة، حيث تحوي قائمة الدول العشر الأكثر استيرادا للقمح من أوكرانيا 5 دول عربية. 

وبحسب أحدث البيانات، فإن الدول العربية بشكل عام تستحوذ على 25 في المئة من صادرات القمح العالمية، وتستورد 60 في المئة من إجمالي احتياجاتها من روسيا وأوكرانيا، نظرا لسعرها المنخفض في البلدين، وهي الميزة التي قضت عليها الحرب مع حظرهما صادراتهما من الحبوب.

فمصر، ذات الـ 110 ملايين إنسان، تتربع على عرش قائمة مستوردي القمح في العالم، حيث تستورد مصر نحو 12.9 ملايين طن من القمح سنويا، وقد وفرت كل من روسيا وأوكرانيا نحو 86 بالمئة من واردات القاهرة من القمح في 2020، حيث توفر موسكو 8.13 مليون طن لها سنويا، وتعقبها كييف بـ 2.45 مليون طن.

ثم تأتي الجزائر كثاني أكبر مستورد عربي للقمح بعد القاهرة والمرتبة الرابعة عالميا بعد مصر وأندونيسيا وتركيا، بنحو 7.5 ملايين طن سنويا. 

كما أن اليمن، التي تتعرض لأسوأ مجاعة في العالم طبقا للأمم المتحدة بسبب الحرب الدائرة فيها، تتعرض لأزمة إضافية هي الأخرى كونها ثالث أكبر مستورد عربي للقمح من أوكرانيا، بنحو مليون طن سنويا. 

ثم تعقبها تونس كرابع أكبر مستورد عربي للقمح من أوكرانيا، ثم تأتي خلفها ليبيا، وكذلك فإن العراق والأردن من أكبر المتضررين من الأزمة.

والحديث أعلاه ركز فقط على جانب واحد من الجوانب التي تتأثر بها المنطقة العربية من الحرب الروسية الأوكرانية، وهو جانب السلع الإستراتيجية، وعلى رأسها القمح. 

لكن الآثار السلبية تمتد لأبعد ذلك، فالتضخم الدولي وتعثر خطوط الإمداد وارتفاع أسعار الوقود والطاقة وتغير موازين القوى الدولية، كل ذلك -مع غيرها من العوامل- مؤثرة بشكل أو آخر على دول المنطقة.

لقاء مرتقب بين بايدن وابن سلمان

وبذكر الوقود والطاقة والحرب الروسية الأوكرانية، فيجدر الذكر إلى أن هذا الملف قد يكون أحد أهم الأسباب التي تدفع الإدارة الأميركية لتغيير سياستها مع إحدى الدول المحورية في المنطقة، وهي المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للنفط الخام في العالم.

فالتوتر هو السمة الطاغية على العلاقات بين إدارة الرئيس جو بايدن والقيادة السعودية منذ الإعلان عن ترشحه للرئاسة، الذي وصفها في أحد خطاباته بـ "المنبوذة"، حيث ذكر بوضوح أن خطته في التعامل مع السعوديين هي جعلهم "يدفعون الثمن وجعلهم في الواقع منبوذين كما هم". 

وفي بداية عهدته، حرص الرئيس الأميركي ألا يكون له أي اتصال بالرجل الأقوى في المملكة حاليا، محمد بن سلمان، وبدلا من ذلك، فضل بايدن أن يكون تواصله مع الملك سلمان. لكن يبدو أن ذلك لم يدم طويلا، فالواقعية فرضت نفسها.

ففي مارس/ آذار 2022، تحدثت تقارير عن رفض ابن سلمان مكالمة هاتفية من بايدن، ما يدل على التحول الذي شهدته سياسته جراء ضغوطات وإكراهات الواقع الدولي والإٍقليمي، فبعد التعهد بجعلها "منبوذة"، يبادر هو بالاتصال بولي العهد، لكن الأخير يرفض التواصل.

الإدارة الأميركية نفت بشكل عابر هذه الواقعة، حيث علقت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين ساكي بقولها: "لم تكن هناك مكالمات مرفوضة"، لافتة إلى أن بايدن تحدث فعلا إلى الملك سلمان قبل أسابيع". 

وهو ما لم تنفه صحيفة وول ستريت جورنال، التي نشرت التقرير ابتداء. كما أن وكالة رويترز البريطانية ذكرت أن بايدن تحدث مع العاهل السعودي بينما كان ولي العهد محمد بن سلمان موجودا في الغرفة. 

وقالت مصادر إن بايدن طلب التحدث مع ولي العهد، لكن الأخير رفض لأن الاتصال كان مقررا مع الملك فقط.

وبغض النظر عن صحة الواقعة بالتحديد، إلا أن الشواهد كلها تشير إلى أن السياسة الأميركية تجاه السعودية، وابن سلمان تحديدا، كانت تتسم بالهجوم والتوتر، ثم تحولت بعد ذلك إلى محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات.

ويظهر أن العلاقات بين قيادتي البلدين لم تعد بالحدة التي كانت عليها إبان الحملة الانتخابية لبايدن، أو الفترة الأولى في عهدته. وليس من المستبعد -تحت ضغط الواقع السياسي- أن تشهد تحسنا وتقدما في المستقبل القريب.

فبعد كل ما ذُكر من توتر في العلاقات وتجاهل من قبل بايدن لابن سلمان، نشرت شبكة سي إن إن الأميركية تقريرا، في 19 مايو، أعلنت فيه عن لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي وولي العهد السعودي في يوليو/تموز من العام نفسه على أقرب تقدير. وأورد التقريرُ الخبر نقلا عن مصادر متعددة في إدارة البيت الأبيض لم تسمها.

ويعد هذا الخبر مثيرا للاهتمام، كونه -حال حدوثه- سيمثل تحولا جذريا في سياسة الإدارة الديمقراطية مع السعودية، فبعد التوتر والحفاظ على الحد الأدنى، يبدو أن هناك احتياجات عملية في الوقت الراهن تتطلب رفع مستوى العلاقة بين البلدين.

وكذلك تكمن أحد الأبعاد المهمة في أنه لم يحدث تواصل مسبق مع ولي العهد، وكان الاكتفاء بعلاقات بروتوكولية رسمية مع الملك. 

ففي حال حدثت الزيارة المرتقبة، سيكون ذلك هو التواصل الأول من نوعه مع الأمير الشاب، الذي من المتوقع أن يصعد إلى عرش المملكة قريبا، لا سيما وأن والده قد بلغ من العمر 86 عاما.

يأتي التقارب المرتقب مع السعودية، في ظل تواصل ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة، والتي تأثرت بشكل كبير بسبب الحرب الروسية الأوكرانية. 

وحول دوافع تحسين العلاقات من الجانب الأميركي، يرى خبراء أن "واشنطن لديها مصلحة أكثر من أي وقت مضى في إعادة إطلاق العلاقات الثنائية لهدفين، موازين الطاقة العالمية واحتواء الصين في الخليج". 

لكن رغم الواقعية السياسية، لا تزال هناك بعض العوائق والتحديات التي قد تواجه الإدارة الأميركية قد تجعل من التقارب الكبير أمرا صعبا بعض الشيء. 

فالتراجع الحاد في السياسة تجاه ولي العهد سيضع بايدن في قلب الهجوم والانتقادات حول مسألة حقوق الإنسان، حيث يولي الديمقراطيون أهمية للقيم وحقوق الإنسان في روايتهم. 

ولطالما انتقد بايدن والديمقراطيون السجل سيئ السمعة للسعوديين في حقوق الإنسان، وحربهم في اليمن، إضافة إلى جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده باسطنبول التركية. وهذا الجدل قد يكون مضرا من الناحية السياسية بالنسبة للرئيس والحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية المرتقبة.

ويبدو أن التوجه لإصلاح العلاقات مع المملكة مدعوم من قبل البيروقراطيين الأميركيين حيث كشفت شبكة سي إن إن أن المنسق لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى مجلس الأمن القومي الأميركي، بريت ماكغورك، ومستشار وزارة الخارجية لأمن الطاقة العالمي، آموس هوشتاين، عملا وراء الكواليس لإصلاح العلاقة مع السعودية. 

كما أضافت أن المسؤوليْن زارا المملكة أربع مرات خلال الشهور الستة الأخيرة، كان آخرها بالرياض في فبراير/شباط 2022، حيث التقيا بمحمد بن سلمان مباشرة في محاولة لإظهار نوايا دبلوماسية حسنة ووضع الأساس لاجتماع محتمل بين بايدن وولي العهد.

ومنتصف مايو 2022، أجرى خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع السعودي وشقيق محمد زيارة إلى واشنطن، والتقى بالمسؤوليْن الأميركييْن وعدد آخر من مسؤولي البيت الأبيض والبنتاغون (وزارة الدفاع). وقد ناقش الجانبان عددا من القضايا؛ على رأسها حرب اليمن، والصراع الروسي الأوكراني.


المحور الثالث: الاقتصاد العربي

يتناول المحور الاقتصادي خلال مايو الخطة التي أعلنتها الحكومة المصرية، برئاسة مصطفى مدبولي، تحت مسمى "خطة الدولة المصرية للتعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية". ويستعرض التقرير أبرز محاور الخطة وسماتها الرئيسة، ومن ثم يناقش عددا من الأسئلة المهمة التي تجاهلتها الخطة المذكورة. 

كما يلفت التقرير إلى المحاولة الحكومية لتبرير التدهور الاقتصادي الحادث في البلاد خلال السنوات الماضية، من خلال إلقاء اللوم على الظروف والأزمات الدولية، دون النظر بشكل نقدي جاد للسياسات التي انتهجتها الحكومة خلال سنوات توليها المسؤولية.

ومن ثم تستعرض الحالة العربية التقرير الصادر عن مجموعة البنك الدولي بشأن الشراكة الإستراتيجية مع لبنان، وكيف وجه التقريرُ اللوم للطبقة السياسية اللبنانية، مؤكدا أن هناك "تقاعسا سياسيا"، ويجدد مطالبه العاجلة بشأن السياسات الاقتصادية في البلاد.

خطة مصر الاقتصادية

نهاية أبريل/نيسان 2022، وفي إطار فعاليات إفطار الأسرة المصرية، أعلن رأس النظام العسكري، عبد الفتاح السيسي، تكليفه للحكومة بإجراء عدد من الخطوات للتعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية. وجاءت أبرز تكليفاته الاقتصادية لحكومته على النحو التالي:

تكليف الحكومة بالإعلان عن برنامج لمشاركة القطاع الخاص في الأصول المملوكة للدولة بخطة تبلغ 10 مليارات دولار سنويا ولمدة 4 سنوات.

تكليف الحكومة بتعزيز أوجه الدعم كافة المقدم لمزارعي القمح.

إطلاق مبادرة لدعم وتوطين الصناعات الوطنية.

عرض حصص من شركات مملوكة للدولة في البورصة المصرية قبل نهاية العام الجاري.

عرض حصص من شركات مملوكة للجيش في البورصة.

تعزيز دور القطاع الخاص في توسيع القاعدة الصناعية للصناعات الكبرى والمتوسطة.

تكليف الحكومة بعرض رؤية متكاملة للنهوض بالبورصة المصرية.

تكليف الحكومة بعقد مؤتمر صحفي عالمي لإعلان خطة الدولة المصرية للتعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية.

وتنفيذا لما أعلن عنه السيسي، عقدت الحكومة المصرية، برئاسة مصطفى مدبولي، منتصف مايو 2022، مؤتمرا صحفيا لإعلان ما أسمته "خطة الدولة المصرية للتعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية".

وحاول مدبولي التقديم لفشل حكومته الاقتصادي من خلال طرح عدد من المبررات، عزا إليها التدهور الاقتصادي الحادث في مصر، وعلى رأسها تداعيات وآثار جائحة كورونا، وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية، وما أعقب كلتا الأزمتين من مشاكل في خطوط الإمداد وتصاعد أسعار الكثير من السلع الإستراتيجية، مثل القمح والبترول وغيرهما، مؤكدا أن تلك الآثار السلبية لم تصب بلاده فقط.

وعدد رئيس الحكومة الخسائر التي أصابت اقتصادات العالم، ليبرهن بعد ذلك أن الأزمة الاقتصادية المصرية طبيعية في هذا الإطار، مُعفيًا حكومته من أي تقصير خلال السنوات الماضية.

ورغم صحة ما يذهب إليه مدبولي من أن الأزمات العالمية ألقت بظلالها على اقتصادات الدول بشكل عام، وعلى الاقتصاد المصري بشكل خاص، فإن حصر مشاكل الاقتصاد المصري في الأزمات الدولية ليس دقيقا بأي حال من الأحوال.

فإذا تتبعنا المشهد قبل حدوث الأزمة العالمية الأبرز، جائحة كورونا، أي ما قبل ديسمبر/ كانون الأول 2019، سنجد أن الاقتصاد لم يكن بأفضل حال منذ انقلاب يوليو/ تموز 2013.

ففي نهاية العام المالي 2012/ 2013، بلغ رصيد الدين العام الخارجي 43.2 مليار دولارا أميركيا، كما بلغت مدفوعات خدمة الدين الخارجي 3.1 مليار دولار خلال السنة المالية. 

وفي ذات السنة، بلغ الدين العام المحلي تريليونا و261.1 مليار جنيه مصري، وبلغت نسبة أعباء خدمة الدين العام المحلي بالموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي 11.6 بالمئة.

بينما بلغ رصيد الدين العام المحلي في السنة المالية 2018/ 2019، أي قبيل أزمة كورونا، 4 تريليونات و282 مليار جنيه مصري، كما بلغ رصيد الدين الخارجي 108.7 مليار دولار وبلغت أعباء خدمة الدين الخارجي نحو 13.4 مليار دولار.

وإذا نظرنا إلى قيمة العملة المحلية، فطبقا لبحث الكاتب في موقع البنك المركزي حول أسعار الصرف الرسمية، في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2019، بلغ سعر الصرف الرسمي 15.97 جنيها مقابل الدولار بينما كان سعر الصرف في 3 يوليو/ تموز 2013، 7.0089 جنيهات مقابل الدولار.

إذن، فخلال ست سنوات فقط، تدهورت العملة المصرية وفقدت أكثر من ضعف قيمتها، وكذلك تضاعف الدين العام المحلي قرابة 4 مرات، والدين الخارجي نحو مرتين ونصف، وإذا نظرنا إلى مؤشرات التضخم والقوة الشرائية ونسب البطالة وغيرها، فلن نجدها بأحسن حال مما سبق.

وبالتالي، فإن عزو الحكومة المصرية التدهور الاقتصادي إلى الأزمات الدولية فقط ليس دقيقًا بالكلية.

أما من حيث بنود وتفاصيل الخطة الاقتصادية التي أعلنها مدبولي، فقد احتوت على خمسة مسارات أساسية:

تعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي. 

توطين الصناعات الوطنية مع توسيع القاعدة الإنتاجية. 

إعلان خطة ملزمة لخفض الدين العام وعجز الموازنة. 

تنشيط البورصة المصرية.

الحماية الاجتماعية وضمان توفير السلع الأساسية.

ورغم وجود بعض النقاط الإيجابية الواردة في خطة الحكومة، لا سيما ما يتعلق بتخصيص الأراضي وتيسير الحصول على التراخيص وزيادة زراعة القمح وتطوير الصوامع، وغيرها من الملفات، فإن هناك عددًا من علامات الاستفهام تحيط بالحلول المقترحة من قبل الحكومة لحل مشاكل الاقتصاد المصري البنيوية.

أولى هذه العلامات تتعلق بالسياسات الاقتصادية والتنموية، حيث كان جل اهتمام العرض منصبًا على خطط النمو التي يكون أساس قياسها هو زيادة الناتج القومي، الذي يشمل نواتج الأنشطة المتعلقة باستخراج المواد الأولية القابلة للنضوب.

أو تلك ذات الحساسية المرتفعة للتعثر بسبب ظروف خارجة عن الإرادة، كالسياحة وغيرها من الأنشطة الخدمية. فلم توضح الخطة كيفية التنمية التي تضمن التطور والتنمية الحقيقية للاقتصاد، من كونه اقتصادا ناشئا ليصير متقدما.

كما لم تشمل الخطة الأنشطة التحويلية، التي تضمن توظيفا مستمرا للعمالة، وهو ما يساهم في خفض البطالة، وتوفير عملة صعبة من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الإستراتيجية على مراحل متدرجة، وهو ما يعمل على تقليل الواردات، وإمكانية زيادة معدلات التصدير.

ولم يتناول عرض الحكومة كذلك خططا واضحة لإعادة النظر في الفلسفة التي يجري بها إعداد الموازنة العامة للدولة، وذلك من خلال خفض النفقات غير الضرورية وتنمية الموارد غير الضريبية وإيجاد وسائل بديلة لتمويل العجز، بخلاف الاقتراض الذي دأبت عليه سياسة الحكومة.

كما تجاهلت الحكومة طلبا يراه اقتصاديون مهما لإحكام الرقابة على الاقتراض، وذلك عبر وضع سقف له كما هو الحال في الولايات المتحدة.

كما لم يرد في العرض خطة الحكومة للتعامل مع الاحتياطي النقدي الأجنبي، وكيفية تنميته من خلال مصادر متوسطة وطويلة الأجل لا تعتمد على الديون أو الودائع الخليجية فقط، مثلما هو الوضع منذ يوليو 2013.

وتستهدف الدولة تسييل أصول مملوكة لها بقيمة 40 مليار دولار خلال الأربع سنوات القادمة، وذلك من خلال طرحها للشراكة مع القطاع الخاص سواء المصري أو الأجنبي. 

وقد اتضحت ملامح ذلك من خلال طرح حصص من 10 شركات تتبع قطاع الأعمال العام وشركتين تتبعان جهاز الخدمة الوطنية في البورصة المصرية. 

وتعمل الشركات في قطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة والعقارات بالمدن الجديدة والاتصالات وتحلية المياه والتعليم. بالإضافة إلى دمج 7 موانئ مصرية تحت مظلة شركة واحدة. ودمج 7 فنادق مصرية تحت إدارة شركة أخرى، وذلك تمهيدا لطرحها في البورصة المصرية.

اقتصاديون انتقدوا تلك الخطوة، لا سيما وأن الدولة تتخلى عن أصول ناجحة تدر عليها دخلا معتبرا، وهي بذلك تتخلى عن أحد مصادر الدخل الرابحة التي من المفترض أن تعمل الحكومة على زيادتها لا التخلص منها وتقليصها.

 كما أن بيع تلك الأصول وتحكم القطاع الخاص فيه سيؤثر سلبا على المواطنين المستفيدين من خدمات تلك الشركات، التي كانت تتاح خدماتها لأكبر عدد من المواطنين بأسعار معقولة.

كما لم تذكر خطة الحكومة المسارات التي سيجري استثمار حصيلة التخارج منها، حيث إن هناك تخوفات من أن توجه حصيلة التخارج للإنفاق الجاري وخدمة الدين العام -لا سيما وأن خدمة الدين العام في مشروع الموازنة المصرية للعام المالي القادم تبلغ نحو 54 بالمئة من إجمالي الإنفاق العام- بدلا من الاستثمار الذي يكفل عوائد مستقبلية مستمرة وتشغيل متواصل للأيدي العاملة. 

والأخطر من ذلك هي التخوفات المتعلقة بتحكم مستثمرين أجانب في عدد من القطاعات المهمة، خصوصا الموانئ.

كما لم يتحدث العرض بشكل واضح عن الخطوات التي ستتخذها الدولة إزاء نفوذ المؤسسة العسكرية المتصاعد والمتسع منذ انقلاب 2013 في القطاع الاقتصادي، وهو ما قد أعاق بعض المستثمرين من القطاع الخاص، المحلي والأجنبي، بسبب مخاوف بشأن المنافسة مع المؤسسة الأقوى في البلاد.

إذ يستحوذ الجيش على عشرات الشركات العاملة في عدد من القطاعات الحيوية؛ مثل الغذاء والدواء والتعليم والصناعة والعقارات.

البنك الدولي ولبنان

نهاية مايو 2022، أعلنت إدارة البنك الدولي بيانا ، موافقتها على تقرير مراجعة الأداء والدروس المستفادة لإطار الشراكة الإستراتيجية مع لبنان.

ويلخص التقرير المذكور التقدم المحرز خلال الأعوام المالية الخمسة الماضية (2017-2022)، كما ينقح أهداف تلك الشراكة، في ظل فترة عصيبة تمر بالاقتصاد اللبناني، حيث تشهد البلاد إحدى أشد الأزمات المالية والاقتصادية في التاريخ الحديث.

وقد أعلن البيان أن التقرير مدد فترة تنفيذ إطار الشراكة الإستراتيجية عاما إضافيا، بهدف تعزيز برامج التعافي الاجتماعي والاقتصادي التي تشتد الحاجة إليها وتستهدف الفئات الفقيرة والأكثر هشاشة، ودعم مسار إصلاحات الاقتصاد الكلي والإصلاحات الهيكلية التي أصبحت ضرورية لإنقاذ البلد.

وبدأت فترة تنفيذ إطار الشراكة الإستراتيجية بين البنك الدولي ولبنان منذ عام 2017 حتى الآن، وقد تخللت تلك الفترة أزمات دولية ومحلية عصيبة فاقمت المشكلة اللبنانية.

وعلى رأس تلك الأزمات الدولية جائحة فيروس كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية التي سببت ضررا بالغا لتوريدات الغذاء، وسببت أزمة أمن غذائي لدى العديد من البلدان النامية على وجه التحديد.

 أما بالنسبة للأزمات المحلية فأبرزها انفجار مرفأ بيروت، وما خلفه من آثار اقتصادية واجتماعية وسياسية بالغة السوء.

هذه الأزمات وغيرها سببت تراجعا شديدا في الاقتصاد اللبناني، فبحسب تحليل البنك الدولي، هوى إجمالي الناتج المحلي الاسمي من قرابة 52 مليار دولار أميركي في 2019 إلى مستوى متوقع قدره 21.8 مليار دولار أميركي في 2021، مسجلا انكماشا نسبته 58.1%. 

كما واصل سعر الصرف تراجعه الشديد، وهو ما سبب تصاعد وتضاعف معدلات التضخم، لدرجة أنها دخلت خانة المئات.

ولا شك أن هذه الأزمات ونتائجها أدت إلى تفاقم معاناة اللبنانيين، وأثرت بالسلب على الطبقة الفقيرة أكثر من غيرها، كما أنها عملت على زيادة الهوة وعدم المساواة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.

ولأن الوضع السياسي لم يكن بأفضل حالاته، فلم يجر إيجاد حلول جادة لتلك الأزمات المذكورة، وهو ما كان له أضراره طويلة الأجل على الاقتصاد اللبناني، فمعدلات البطالة تزداد بشكل متسارع للغاية، كما أن الخدمات العامة الأساسية تنهار، ورأس المال البشري يتعرض لاستنزاف شديد. 

هذا بالإضافة إلى شلل النظام المالي الذي أدى إلى معاناة القطاع الخاص من معوقات وعقبات جسيمة. وقد أفضت هذه المعاناة إلى انخفاض إنتاجية الشركات، وهو ما أثر بالسلب على معدلات توليد الإيرادات، وقد ظهرت آثاره في انتشار إعلان حالات الإفلاس وتسريح العمالة. 

وحسب البنك الدولي، إذا ما استمر التقاعس السياسي، فمن المتوقع أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.5 بالمئة خلال العام 2022.

ووفقا لتقييم البنك، فقد كان التقدم الذي أحرزه لبنان في تحقيق أهداف إطار الشراكة الإستراتيجية متواضعا، وعزا البنك هذا الإخفاق إلى "التقاعس السياسي" و"التلكؤ المتعمد على صعيد السياسات من جانب الطبقة السياسية". 

المدير الإقليمي لدائرة المشرق في دائرة البنك الدولي، ساروج كومار جاه، رأى أنه بالرغم من التحذيرات المبكرة، أضاع لبنان وقتا ثمينا، وكذلك العديد من الفرص لتبنِّي مسار إصلاح نظامه الاقتصادي والمالي. 

وقال جاه: "إن تكاليف التقاعس والتلكؤ هائلة، ليس فقط على الحياة اليومية للمواطنين، وإنما أيضا على مستقبل الشعب اللبناني. وبعد مرور عامين ونصف على الأزمة، لم يشرع لبنان حتى هذا التاريخ في تطبيق برنامج شامل للإصلاح والتعافي يحول دون انزلاق البلاد إلى مزيد من الغرق. 

وينطوي استمرار التأخير المتعمد في معالجة أسباب الأزمة على تهديد ليس على المستوى الاجتماعي والاقتصادي فحسب، وإنما أيضا على خطر إخفاق منهجي لمؤسسات الدولة وتعريض السلم الاجتماعي الهش لمزيد من الضغوط، وفق قوله.

وحول المعوقات الرئيسة للتنمية في لبنان، فقد عُدَّ أهمها استيلاء النخبة على السلطة تحت ستار الطائفية، وقد أوجد ذلك نظاما سياسيا هشا، ودولة عاجزة عن عزل الصراع السياسي عن قدراتها للحكم وممارسة السلطة.

كما طالب البنك أن تسارع الدولة اللبنانية إلى اعتماد خطة ذات مصداقية لتعافٍ شامل ومنصف لتحقيق الاستقرار المالي الكلي، وتسريع وتيرة تنفيذها لتفادي دمارا كاملا لشبكاته الاجتماعية والاقتصادية، وإيقاف الخسائر التي لا يمكن تعويضها في رأس المال البشري. كما جدد شروطه المتمثلة في ارتكاز تلك الخطة على عدد من السياسات:

إطار جديد للسياسة النقدية يكفل استعادة الثقة والاستقرار في سعر الصرف.

برنامج لإعادة هيكلة الديون من أجل تحقيق حيز للإنفاق في إطار المالية العامة في الأمد القصير والقدرة على الاستمرار في تحمل أعباء الدين في الأمد المتوسط.

إعادة هيكلة شاملة للقطاع المالي من أجل استعادة قدرة القطاع المصرفي على الوفاء بالالتزامات.

ضبط أوضاع المالية العامة على نحو تدريجي منصف من أجل استعادة الثقة في السياسة المالية العامة.

إصلاحات تهدف إلى تعزيز النمو.

تعزيز سبل الحماية الاجتماعية. 

حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

إسرائيل إيران الإمارات الجزائر السعودية العراق اليمن تركيا تونس فلسطين