Tuesday 02 June, 2020

صحيفة الاستقلال

محطات تحول الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية

ومن عجب أن حكامنا استكتبوا تاريخاً مضللا عن الدور الأمريكي والبريطاني، إذ استنفذ الباحثون جذور الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل
حجم الخط

الولايات المتحدة هي الراعي الرسمي للمشروع الصهيوني منذ بدايته وكان مؤتمر "بلتيمور" على مشارف واشنطن عام 1922م مواكباً لسايكس بيكو وبلفور والانتداب والوكالة اليهودية وبرنامج هجرة اليهود الذي وضع خلال مؤتمر الصلح، وبدأ فيه التواطؤ العربي والمؤشر المبكر على الاتجار بفلسطين.

وتمثل ذلك في وثيقة فيصل الأول نجل الشريف الحسين مع زعيم صهيوني، وقد تضمنت مذكرات أينشتاين الكثير من هذه الأحداث عن الفكر الصهيونى فى مذكرات أينشتاين وشارون عام 2003 بالقاهرة؛ بل إن إسناد الدور لبريطانيا لتمهيد فلسطين لتقسيمها بعد ذلك ثم الاتفاق مع واشنطن.

ومن عجب أن حكامنا استكتبوا تاريخاً مضللا عن الدور الأمريكي والبريطاني، إذ استنفذ الباحثون جذور الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل ودور كل رئيس أمريكي في دعم المشروع الصهيوني، كذلك العبء السياسي والاقتصادي الذي يتحمله المواطن الأمريكي في هذا الدور الذي ثبت أنه يدر أرباحا سياسية واقتصادية هائلة فيما بعد وأنه استثمار مضمون.

ورغم وضوح فكرة الانحياز الأمريكي لإسرائيل وحمايتها في مشروعها ودورها في هزيمة مصر 1967 إلا أن الموقف الأمريكي من التسوية وقرارات الأمم المتحدة والقدس ظلت ثابتة على الأقل حتى عام 1955، والسبب الرئيسي في تحول الموقف الأمريكي صراحة صوب دعم المشروع الصهيوني هو هزيمة الديكتاتورية العربية التي استفادت من وجودها إسرائيل وواشنطن كي تحفر للمشروع طريق النجاح والصعود النهائي.

فقد كان لواشنطن دور في ضرب الزعماء العرب الذين تاجروا بالقضية علما بأن هؤلاء جميعا لم يمسوا إسرائيل بسوء رغم أن هؤلاء جميعا كانوا حلفاء موسكو ضد واشنطن، فقد أسقطت واشنطن عبدالناصر عام 1967 ومكنت إسرائيل من احتلال كامل فلسطين. ولم يطلق عبدالناصر طلقة واحدة على إسرائيل فكانت هزيمة مصر عام 1967 هي الطلقة الأولى الحاسمة والمحطة الأخطر في مسيرة المشروع الصهيوني، ثم ضربت واشنطن صدام حسين بعد أن أنهكته فى لعبة إيران ثم الكويت؛ والطريف أن صدام وعد بالانسحاب من الكويت بعد أن بلع الطعم إذا انسحبت إسرائيل من الأراضي الفلسطينية.

وتشكل الموقف الأمريكي وتطور بفضل عوامل كثيرة أخطرها الهيمنة الأمريكية على مصر في عهد السادات وصفقة السلام، التي أعقبها تراجع متوالٍ للموقف العربي والتركيز على السلام مع إسرائيل فعدوان 1967 أدى إلى 1973 والثغرة فيها أدت إلى 1979، ثم شجعت واشنطن الدول العربية على مقاطعة مصر وطردها من الجامعة العربية بسبب صفقة السلام المصرية الإسرائلية - ومهندسها هي واشنطن. 

وفي عام 1981 قدم الأمير فهد خطة السلام العربية الأولى التي كانت علامة على مسلسل التراجع العربي في نفس الوقت الذي دعا فيه وزير الدفاع الأمريكي العربي إلى نبذ العداء لإسرائيل والاتحاد العربي الإسرائيلي ضد الاتحاد السوفييتي. ثم كانت انتفاضة 1987 ونشأة "حماس" ومن قبلها عام 1982 احتلال بيروت وطرد "منظمة التحرير" ومقراتها، ثم مؤتمر مدريد الذي تأثر فيه الفلسطينيون بدعم عرفات لغزو الكويت ثم مؤتمر واشنطن ثم أوسلو 1993 ثم وادي عربة عام 1994 وهكذا.

أما محطات الموقف الأمريكي فقد بدأت بقيام واشنطن بدور الوسيط الراعى للسلام في المنطقة وهو في الواقع السلام الإسرائيلي، ففي عام 1995 بدأت أول تحولات الموقف الأمريكي عندما أصدر الكونجرس قانونا باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل رغم أن أوسلو 993 التي رعتها واشنطن اعتبرت القدس من الموضوعات الخمسة المحجوزة للتفاوض ولا يجوز اتخاذ قرار فيها من طرف واحد، ثم وقعت أحداث 2001 المعروفة بالحادي عشر من سبتمبر التي اتخذتها واشنطن منطقا لضرب الإسلام والمسلمين وابتزاز السعودية، وانطلقت منها إلى غزو أفغانستان في نفس العام وفي عام 2003 قامت بغزو العراق رغم أن هذا الغزو قد تقرر قبل أحداث سبتمبر، ثم إسقاط صدام وتقديم الشيعة وضرب السنة وتمكين إيران وتقسيم العراق.

وفي عام 2002 أصدر الكونجرس قانونا آخر بإلزام الإدارة الأمريكية بالاعتراف بالقدس عاصمة أبدية ودائمة لإسرائيل وبنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس؛ رغم أن واشنطن نفسها هي التي تقدمت في مجلس الأمن في أغسطس 1980 بقانون الكنيست بضم القدس واستدرت القرار 478 بالإجماع الذي أبطل القانون وحذر الدول من نقل سفارتها إلى القدس.

وفي أبريل 2004 كانت إسرائيل، بدعم أوروبي وأمريكي، قد بدأت في بناء الجدار العازل بعد منع شارون للانتفاضة الثانية عام 2002، وهي الانتفاضة التي أشعلتها زيارة شارون المقصودة للمسجد الأقصى، في 25 سبتمبر 2000 وتخللتها أعمال استشهادية كانت تمثل خطرا على إسرائيل.

في أبريل 2004 كانت الجمعية العامة قد أدانت بناء الجدار وطلبت رأيا استشاريا حول قانونيته من محكمة العدل الدولية وفي ذلك اليوم من عام 2004 وافق بوش على خطاب الضمانات الذي قدمه شارون خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، وفي هذا الخطاب غيرت واشنطن رسميا موقفها من القضية.

ونقطة الأساس هي أن التسوية ترسم على ضوء الواقع أي أن الموقف الأمريكي استقل من رد الواقع الذى ترسمه إسرائيل إلى المفاوضات القائمة على قرارات الأمم المتحدة لكي يكون القانون هو الواقع؛ ومع ذلك احتفظت واشنطن بدورها كراع للسلام على أساس حل دولتين في فلسطين.

مؤشرات التسارع في الموقف الأمريكي صوب تصفية القضية

بدأت واشنطن بالذات منذ تولي ترامب السلطة برنامج تصفية القضية الفلسطينية فيما عرف بـ"صفقة القرن"، وهي في الواقع ليست صفقة وإنما إطار لإنهاء الوجود الفلسطيني ويمكن رصد الخطوات الأمريكية فيما يلي:

  • بالنسبة لحق العودة حاولت واشنطن المساومة عليه وشجعت الدول المضيفة للفسلطينين إلى العودة للتواطن فيها، ثم ضربت اللاجئين وهم صلب حق العودة؛ وذلك بضرب وكالة الأونروا ومناهضة أي محاولة لدعهما وقررت نقل مقرها من المنطقة.
  • بالنسبة لحل الدولتين؛ تخلت عن هذا الحل وأكدت أن فلسطين كلها لإسرائيل عبر مجموعة ملتوية من الترتيبات بالنسبة لغزة والمقاومة تشديد الحصار حتى يثور الأهالي على حماس. والانحياز للعرب باعتبار حماس (منظمة إرهابية)، فانضمت حماس والجهاد إلى "حزب الله"، وأظهرت أن ذلك في إطار الصراع السعودي-الإيراني وهو غير صحيح، ثم تردد أن صفقة القرن تتضمن إنهاء المقاومة في غزة بنزع سلاحها ووضع برنامج إنعاش تجاري واقتصادي لسكان غزة، أي إحلال السلام الاقتصادي محل السلام السياسي والحقوق القومية والدولة الفلسطينية، أي خلق المأساة الإنسانية ثم مقايضتها بالوجود على قيد الحياة بالتنازل عن الحقوق السياسية.
  • وبالنسبة للقدس فقد قرر ترامب منحها عاصمة دائمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها.

وهكذا تتحدى واشنطن قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية في فلسطين، كما تنكرت بقرار تقسيم فلسطين الذي ثبت أنه كان من أدوات التدليس على العالم، وأنه مرحلة من مراحل المشروع الصهيوني، ولكن تراجع الموقف العربي، بل وتحوله إلى داعم للمشروع هو السبب الرئيسي في اتجاه القضية نحو التصفية؛ وذلك بفضل التمكين الأمريكي للمشروع والهيمنة الأمريكية الكاملة على المقدرات العربية.


تحميل

كلمات مفتاحية :

أمريكا إسرائيل فلسطين مصر