Monday 28 November, 2022

صحيفة الاستقلال

بينما يعزز العالم التنافسية.. لماذا يقنن السيسي الإسناد بالأمر المباشر؟

منذ 2022/09/24 08:09:00 | تقارير
"الإسناد المباشر نافورة فساد جديدة"
حجم الخط

يتفق كثير من الاقتصاديين على ضرورة سير النظام المصري خطوات لتعزيز اقتصاد مرن، قادر على مواجهة الأزمات المحلية والعالمية، وأهمية تعزيز الشفافية والتنافسية، وكسب ثقة المؤسسات المالية الدولية.

إلا أنه ومع ما يعانيه اقتصاد مصر من أزمات مالية واقتصادية، يواصل نظام عبدالفتاح السيسي، قراراته البعيدة عن تلك التوجهات، التي كان آخرها إعلان رسمي بالتخلي عن "نظام المناقصات والعطاءات" وتقنين إسناد المشروعات بـ"الأمر المباشر".

وفي قرار اتخذه النظام في 13 سبتمبر/ أيلول 2022، وأصبح نافذا بعد نشره بالجريدة الرسمية في 18 من الشهر ذاته، أُقرت تعديلات ببعض "أحكام اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص بمشروعات البنية الأساسية والخدمات العامة".

تخل مثير

وكانت المناقصات والعطاءات النظام الذي تقوم عليه الدولة المصرية طوال عقدين، بأن تعلن جهة حكومية عن مناقصة وتنشر شروطها ومواصفاتها بالصحف لتتقدم إليها شركات صاحبة خبرة في المجال وتقدم عطاءاتها الفنية والمالية، لتقبل لجنة حكومية الأقل سعرا والأكثر جودة.

إلا أن نظام السيسي تنازل عن نظام المناقصات والعطاءات رويدا رويدا وقنن نظام "التعاقدات الحكومية" المباشرة، والتي واصل من خلالها عمليات الإسناد غير المباشر للأعمال والمشروعات الكبرى وخاصة التي يكون الجيش والجهات السيادية طرفا فيها.

وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، أصدر السيسي، القانون رقم 182 لسنة 2018 بشأن تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة، الذي يلغي العمل بالقانون رقم 89 لسنة 1998 بشأن تنظيم المناقصات والمزايدات الذي ظلت تعمل به الحكومة 19 عاما.

لكن، المثير في التعديلات الجديدة، أنها تضمنت إصدار قائمة تشمل أسماء مستثمرين مؤهلين لتنفيذ أنماط معينة من مشروعات البنية الأساسية عن طريق التأهيل المُسبق، ما يمثل فرصة لدخول الوساطة والمحاباة والمجاملات في عمليات الإسناد.

وسمحت التعديلات أيضا، بدعوة مستثمرين بعينهم لتنفيذ بعض المشاريع عن طريق المناقصات أو المزايدات المحدودة، أو التعاقد المباشر بناء على طلب السلطة المختصة حال وجود "مصلحة اقتصادية" أو ضرورة اجتماعية تقتضي سرعة التنفيذ دون انتظار المناقصات والمزايدات.

ومن التعديلات المثيرة للجدل كذلك، ما طال (المادة 50)، التي سمحت للجهات الإدارية بعقد لقاءات منفردة مع المستثمرين المشترين لكراسة الشروط بالمشاريع الجديدة، بدلا من عقد اجتماعات شاملة لكل المستثمرين المؤهلين فقط.

ووفق تعديلات (المادة 63)، فإنه حال طرح المشروع على مرحلتين، تلتزم السلطة المختصة بإجراء حوارات تنافسية مع المستثمرين المهتمين بالمشروع مع صاحب كل عطاء على حدة، والالتزام بالسرية فيما يتعلق بالمناقشات.

التعديلات، قامت كذلك على استبدال عنوان الباب الثالث من اللائحة التنفيذية للقانون ليصبح "إجراءات التعاقد على المشروعات" بدلا من "إجراءات الطرح والترسية والتعاقد"، وفق رصد موقع "مدى مصر" المحلي.

أيضا، قامت تعديلات (المادة 34) على حذف "مستشاري الطرح" من شروط اجتماع اللجنة المسؤولة عن الموافقة على المشاريع، لكنها أضافت إمكانية دعوة اللجنة لمَن تراه "لازما" من الاستشاريين المعنيين لحضور اجتماعاتها.

وهذا المشهد السياسي ذكر كثيرين بآخر سينمائي مشابه لكن في سياق آخر جاء في فيلم "الزوجة الثانية" الشهير (إنتاج 1967)، عندما أراد عمدة القرية فعل أمر غير قانوني، وفور سماعه اعتراض على ذلك رد بالقول: "الدفاتر دفاترنا والتواريخ في إيدينا، حد هيحاسبنا؟!"

الأمر المباشر

أحد المهندسين العاملين في مشروعات البناء بالعاصمة الإدارية الجديدة، أكد لـ"الاستقلال"، أن "كل ما يجرى من أعمال ومشروعات في عهد السيسي ومشروعات يمر بالأمر المباشر، لشركات تابعة للجيش، وثانية تابعة لكبار رجال الأعمال، وثالثة خاصة حديثة في الغالب يقودها ضباط جيش سابقون".

وقال إنه "لا تجرى عطاءات ولا مناقصات وإن الأمر يسير بالمحبة والتراضي، والتقديرات المالية ليس لها أساس ثابت وتتغير من مشروع لآخر ومن شركة لأخرى حتى لو كانت نفس الأعمال".

وأوضح أننا "نحن الشركات الصغيرة من يقوم بالتنفيذ، بمقابل لا يمثل لنا إلا هامش ربح قليل، ومع ذلك وعند وجود أية أخطاء أو غرامات تأخير نحن فقط من يتحملها"، مؤكدا أن "نظام العطاءات هو الأنسب والأفضل والأكثر ثقة والأقل ضررا للشركات".

وفي أكتوبر 2019، كشف المقاول والمعارض المصري، محمد علي، لصحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية، عن خفايا إسناد السيسي المشروعات لمقربين منه أو عسكريين بالأمر المباشر دون مخطط أو دراسة جدوى، أو حتى سابق خبرة.

وتحدث علي، عن إسناد السيسي للواء شريف صلاح الدين، بناء فندق "تريومف" بالقاهرة الجديدة بمبلغ 2 مليار جنيه مصري (120 مليون دولار عام 2017). 

وفي مثال آخر، لإسناد السيسي شخصيا المشروعات الحكومية بالأمر المباشر، كان الحوار الذي دار على الهواء بينه وبين مقاول أطلق عليه لقب الحاج سعيد، خلال زيارة الأول للصعيد، 27 ديسمبر/ كانون الأول 2021. 

حينها طلب السيسي من المقاول، تدشين جسر "دشنا" بالصعيد في سنة واحدة، مع دفع 25 بالمئة فقط من التكلفة، التي خفضها السيسي في حواره على الهواء مع وزير النقل كامل الوزير، من 9 مليارات جنيه (573 مليون دولار) حينها، لـ7.5 مليارات جنيه.

الفساد على مصراعيه

المثير أن التعديلات الجديدة وإقرار الحكومة نظام الإسناد المباشر، يأتي في الوقت الذي تخطو فيه القاهرة خطوات متعثرة نحو الحوكمة والدفع الإلكتروني بجميع المعاملات المالية الحكومية، بهدف تقليل الفساد الإداري والحكومي وعمليات الرشا.

إلا أنها بهذا القرار تعود خطوات للوراء، وتتوجه إلى التخلي رسميا عن نظام المناقصات والعطاءات في أعمال الحكومة وقطاعاتها المختلفة والذي تحكمه قواعد روتينية راسخة وتقنن الإسناد بالأمر المباشر إلى مستثمرين بعينهم.

مراقبون ومتابعون قالوا إن نظام الإسناد المباشر يُسقط الأعمال الحكومية في جب المجاملات للمقربين من النظام، كما رأوا فيه باب فساد حكومي وإداري واسع من الرشا إلى العمولات وحتى الهدايا العينية.

 ولفتوا إلى أن الإسناد المباشر هو ما أضر بالشركات الحكومية وتسبب في خسائرها وتراجعها ثم بيعها، وهو يمثل الآن خطرا جديدا على ما تبقى من شركات الحكومة والقطاع العام.

وتساءل البعض عن أسباب تغييب الحكومة لقانون العطاءات والمناقصات، وعن غياب مجلسي النواب والشيوخ والأجهزة الرقابية والأحزاب، عن تلك القوانين.

ورأوا أن الإسناد المباشر يعني "سرقة الجمل بما حمل"، وفرصة للسماسرة وناهبي أموال الشعب.

من جانبه، قال الإعلامي عبدالتواب مصطفى، إن "الإسناد المباشر؛ ماسورة أو نافورة فساد جديدة"، مؤكدا أن "تعطيل المنافسة، أسوأ من تعطيل دراسات الجدوى".

وقال أحد المتابعين الرافضين لهذا التوجه، إن الإسناد المباشر: "يعني أن نعطي أعمالا فنية لواحد بتاع كفتة"، مؤكدا أن هذا هو "قمة الفساد".

وأوضح أن "الفساد المقنن بالقانون أن نسند الأعمال لشركات الزوجات والأصهار والأنساب وأصدقاء النوادي"، منتقدا تغييب نظام المناقصة، وعدم الاعتداد بقاعدة سابقة الأعمال التي تعني الخبرة والكفاءة.

حديث الكثيرين عن تقنين الفساد بهذا التوجه، وفتح مجال أكبر للفساد الحكومي والإداري، يأتي في ظل ما تعيشه مصر من فساد وغياب للشفافية، بل وتذيل مؤشرات الشفافية الدولية في عهد السيسي.

ومع ما عاشته مصر في عهد نظام الرئيس السابق حسني مبارك من فساد قاد إلى ثورة يناير/ كانون الأول 2011، إلا أن البلاد كانت بالمركز الـ70 بمؤشرات الفساد عام 2006، والـ98 عام 2009.

موقع مؤشر مدركات الفساد لعام 2021، و2020، وضع مصر في المرتبة 117 بين دول العالم الأكثر فسادا خلال عام واحد، بين 180 دولة، بعدما كانت بالمركز 106 عام 2019.

وبشكل عام، تراجع ترتيب مصر 23 مركزا منذ تولي السيسي رئاسة مصر عام 2014، وحتى عام 2020، حيث كان 94 عالميا في 2014.

طغمة فاسدة

وعن خطورة تخلي مصر عن نظام المناقصات واستبداله بالإسناد بالأمر المباشر، قال الخبير الاقتصادي والإستراتيجي الدكتور علاء السيد، إن "دستور هذا النظام هو الفساد، بعد أن كان أول قراراته تعطيل الدستور (أبو القوانين)".

وأكد لـ"الاستقلال"، أنه "نظام تأسس على الانقلاب على الثوابت كافة لدى الشعب، ودمر هويته، واعتمد على الخيانة، وقمع إرادته، وسلب حقوقه وأمواله، وتفريقه، وقتل حلمه وإفساد حاضره ومستقبله".

وتابع: "وإلى جانب نهب موارده، يقوم بتكريس الطبقية والتبعية والفساد، ومراعاة مصالح الأقلية الفاسدة المفسدة، على حساب مصالح الأغلبية الساحقة من شعب مطحون".

وخلص للقول إن "الفساد هو الأصل والمنهج وأسلوب إدارة ما يسمى بالجمهورية الجديدة منذ 2013 وحتى اليوم، أما التلاعب في القوانين ومنها قانون المناقصات فهو تحصيل حاصل وتأكيد وتقنين للفساد".

وعن المميزات الاقتصادية لنظام المناقصات ومساوئ نظام الإسناد المباشر، قال السيد إن "نظام المناقصات يمنع أو يقلل من الفساد المالي والإداري والفني والتنفيذي، كما يتيح الفرصة للتنافس الشريف بين القطاعات والشركات".

وأضاف: "يضمن نظام المناقصات جودة التنفيذ فنيا ومطابقته للمواصفات وللمعايير؛ وهو ما يضمن عدم إهدار المال العام".

ومضى يقول "وليس كما يشاهد القاصي والداني نتائج انهيار الكباري والمباني وتشقق الطرق وعيوبها الفنية الجسيمة، والتي يتم تنفيذها لصالح الدولة بإشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وغيرها".

"والتي تعمل بنظام الأمر المباشر لضمان العمولات دون اشتراط لجودة المشروعات، وهذا نتيجة الفساد ونتاج طبيعي للغاية لعمل المفسدين"، وفق الخبير المصري.

وأوضح السيد أن "نظام المناقصات له شقان فني ومالي، إذ تتقدم كل شركة متنافسة في كل مناقصة بمظروفين أحدهما فني والثاني مالي، وتتسلسل بعدها إجراءات تنفيذ نظام المناقصات"، لافتا إلى أن الإسناد المباشر يخالف هذا الشكل.

وأكد أن تقنين نظام الإسناد بالأمر المباشر يفتح الباب إلى الفساد الحكومي والرشوة، موضحا أنه "عندما يتم العمل به وإن كانت هناك قائمة سابقة بالمؤهلين فهذا يعني أنه لن ينفذ أي مشروع إلا من دفع الرشوة والعمولات المطلوبة للمسؤولين".

وأكد السيد، أن "التاريخ سيذكر يوما أسماء المسؤولين المفسدين ويفضحهم، وسيفاجأ الكثيرين أن أكبر الفاسدين ربما كانوا الأعلى منصبا"، مشددا على أن "مصر تواجه طغمة فاسدة".


تحميل

المصادر:

1

التخلي عن “نظام المناقصات والعطاءات” وتقنين إسناد المشروعات بـ”الأمر المباشر”

2

تعديلات «مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية» تسمح بالإسناد المباشر بدلًا من المناقصات

3

مصر تودع قانون المناقصات والمزايدات.. وتبدأ تطبيق «التعاقدات الحكومية» بعد شهر (أبرز الأحكام الجديدة)

4

تذيل “مؤشر الشفافية”.. كيف ضاعف فساد نظام السيسي تأثير كورونا في مصر؟

5

EXCLUSIVE: Mohamed Ali spills secrets to Middle East Eye

كلمات مفتاحية :

الاقتصاد الانقلاب السيسي الفساد ثورة يناير نظام السيسي