تحت أنظار السعودية.. لهذا تحكم الإمارات قبضتها على جنوب اليمن وشرقه
.jpg)
تشهد موازين القوى في اليمن تحولات متسارعة ومثيرة لصالح المليشيات المدعومة من قوى خارجية طامعة، على حساب القوات الحكومية الشرعية التي يتلاشى نفوذها يوما بعد آخر.
ففي الشمال حقق الحوثيون الموالون لإيران مكاسب كبيرة خلال الآونة الأخيرة ليتمكنوا من السيطرة على مناطق إستراتيجية بمحافظة البيضاء، سعيا منهم لبسط سيطرتهم على مزيد من المناطق وإسكات الأصوات الرافضة لهم بالمنطقة.
وبالجنوب والشرق توسعت رقعة سيطرة مليشيات موالية للإمارات مثل "دفاع شبوة" و"ألوية العمالقة" التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، إذ حسمت معركة مدينة عتق بمحافظة شبوة في 10 أغسطس/ آب 2022، بمساندة مسيرات إماراتية قصفت القوات الحكومية، وسط انتهاكات واسعة.

مشهد مضطرب
وتأتي هذه التطورات، بعد أن حصل "الانتقالي" على مكاسب سياسية وعسكرية، أهمها تعيين رئيس المجلس عيدروس الزبيدي نائبا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، الذي فرض بدوره تعيينات لقيادات انفصالية في الحكومة اليمنية.
لعل أهمها، تعيين وزير الدفاع الأسبق هيثم قاسم، رئيسا للجنة العسكرية الأمنية، لتحقيق الأمن والاستقرار وإعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن في 30 مايو/أيار 2022.
كما تأتي بالتزامن مع هدنة إنسانية، بدأت في أبريل/ نيسان 2022، باتفاق الأطراف المتحاربة تحت رعاية الأمم المتحدة على تجميد جميع العمليات العسكرية، وجرى تمديد الهدنة للمرة الثالثة مطلع أغسطس/ آب الجاري، لشهرين إضافيين.
وبحسب متابعين، فإن التمكين الأخير للمجلس الانتقالي على حساب الشرعية وحزب الإصلاح الداعم لها، يأتي بضوء أخضر من السعودية التي تجري مفاوضات مع إيران بالتزامن مع اقتراب توقيع الاتفاق النووي مع القوى الغربية، وبدعم مباشر من الإمارات.
وهناك من يرى أن هذا المخطط بدأ بقرار نقل السلطة من الرئيس السابق عبدربه منصور هادي لمجلس قيادة رئاسي مكون من سبعة أعضاء برئاسة رشاد العليمي في 7 أبريل/نيسان 2022.
وفي تعليق لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، على أحداث شبوة، قال العليمي، إن مجلس القيادة "بادر إلى الاستجابة السريعة، وقطع دابر الفتنة ومحاسبة المسؤولين عنها".
وأعلن في بيان نشرته وكالة "سبأ" الرسمية في 10 أغسطس 2022، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، بعدما أوقعت الاشتباكات ضحايا في صفوف المدنيين.
ثم غادر العليمي في 15 أغسطس، عدن متوجها إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، في زيارة "غير رسمية"، استغرقت عدة أيام، ومنها انتقل إلى السعودية بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية "سبأ".
وتهدف الزيارة وفق مراقبين، إلى تسوية الخلافات التي تضرب المجلس الرئاسي، التي تزايدت بعد أحداث شبوة، وتدخل الإمارات لدعم مليشياتها عبر قصف القوات الحكومية بالمحافظة، بينما تواصل السعودية الصمت بصورة غريبة.
من جهته لوح حزب التجمع اليمني للإصلاح في بيان للأمانة العامة للحزب، في 11 أغسطس 2022، بوقف مشاركة الحزب في كل مؤسسات الدولة، على خلفية استهداف القوات الحكومية من قبل الطيران الإماراتي.

هدف مرسوم
وفي قراءته للمشهد، رأى الباحث العسكري علي الذهب أن "التشكيلات الانفصالية ماضية في التمدد باتجاه المحافظات الشرقية خصوصا حضرموت الوادي والصحراء وصولا إلى المهرة".
وأضاف لـ"الاستقلال"، أن الهدف المرسوم هو خلق مليشيات تدين بالولاء للقوى الخارجية وليس بناء جيش قوي يحمي الجنوب، تمهيدا لتمرير مشروع انفصال الجنوب عن القوى الوطنية وجرى الاتجاه لخيار التسليم".
وأوضح الذهب أن "هذه المناطق إستراتيجية والسيطرة عليها تعني الاستحواذ على مصادر الطاقة والإطلالة البحرية وأماكن تصدير هذه الطاقة، فضلا عن ما يعكسه ذلك من أهمية لدول الجوار النفطية خصوصا السعودية والإمارات".
وأردف: "الهدف مرسوم ومستمر تحت مسمى تكامل الجيش والقضاء على الجيش السابق الذي كان يتبع عقيدة حزب الإصلاح، مع أنه حتى مشاورات الرياض كان الجيش الوطني المعترف به الذي أُبرم بينه وبين المجلس الانتقالي اتفاق الرياض على أن تُدمج هذه القوات داخل هذا الجيش".
ومضى الذهب يقول: "الآن تحول التوصيف وأصبح دمج الدولة وجيش الدولة في بوتقة المليشيات وليس العكس".
ويتكون الجيش اليمني من 7 مناطق عسكرية موزعة على محافظات الجمهورية، تخضع لوزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة تحت قيادة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة.
أبرز تلك المناطق، المنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب، والمنطقة العسكرية الأولى في سيئون المصنفتان بالولاء لحزب الإصلاح ذي التوجه الإسلامي، الذي تعاديه أبو ظبي والمليشيات لتابعة لها، حيث يخشى الإصلاح من اقتلاع جذوره سياسيا وعسكريا في مناطق نفوذه المتبقية في مأرب ووادي حضرموت.
من جانبه، يحاول حزب الإصلاح الضغط على مجلس القيادة الرئاسي، من أجل تغيير محافظ شبوة ووقف العمليات العسكرية ضد القوات الموالية للحزب بعد توسع المجلس الانتقالي باتجاه محافظة أبين.
ورغم تشكل حكومة مناصفة مع المجلس الانتقالي في 18 ديسمبر/كانون الأول 2020، إلا أنه لم يتم إحراز تقدم ملحوظ في مسألة تنفيذ الشق العسكري من "اتفاق الرياض"، خصوصا دمج قوات الجيش والأمن التابعة للحكومة والمجلس الانتقالي، تحت قيادة وزارتي الداخلية والدفاع.

أهمية إستراتيجية
ويتحكم المجلس الانتقالي بالوضع العسكري والأمني في العاصمة المؤقتة عدن بشكل كامل، بالإضافة إلى محافظات لحج والضالع وشبوة وجزء من محافظة أبين.
فبعدما ابتلع المجلس شبوة، التي تحوي النفط والغاز، وتضم أكبر شركة لتسييل الغاز في اليمن، وعدة حقول نفطية.
برزت مؤشرات تؤكد مضي المليشيات الانفصالية بالتوسع والسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، بدعم إماراتي وضوء أخضر من السعودية وتواطؤ من مجلس القيادة الذي يشارك فيه الانتقالي.
وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في 13 أغسطس، قرارا بتعيين العميد الركن فائز منصور سعيد قحطان لقيادة المنطقة العسكرية الثانية التي تقع في منطقة ساحل حضرموت شرقي البلاد.
وكان العميد قحطان قبل تعيينه يشغل منصب قائد لواء الدفاع الساحلي، الذي يتبع ما يعرف بـ"قوات النخبة الحضرمية" التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.
وهو ما يُعد تمكينا للقوى المدعومة من الإمارات للسيطرة على مديريات وادي وصحراء حضرموت الغنية بالنفط.
خصوصا عقب إحكام القوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي سيطرتها على مدينة عتق، مركز محافظة شبوة التي تحدها من الشرق محافظة حضرموت ذات المساحة الكبيرة والأهمية الاقتصادية.
فإلى جانب حقل المسيلة النفطي وميناء الضبة النفطي وميناء المكلا التجاري، ترتبط حضرموت بحدود برية مع السعودية.
ويقع فيها منفذ "الوديعة" الذي يعد الشريان البري الوحيد مع السعودية بعد تدمير منفذ "الطوال" البري بمحافظة حجة وخروجه عن الخدمة بسبب الغارات الجوية والمعارك مع الحوثيين الذين يسيطرون على أجزاء واسعة من المحافظة.
كما تضم حضرموت منطقتين عسكريتين، من إجمالي سبع مناطق عسكرية في اليمن، وهي المنطقة العسكرية الأولى في سيئون والمنطقة العسكرية الثانية في المكلا عاصمة المحافظة وتعد بكامل قوامها القتالي كونها بعيدة عن الصراع مع مليشيا الحوثي.
كما أن محافظة المهرة أقصى شرق اليمن والمحاذية لحضرموت ترتبط بحدود برية مع سلطنة عمان، بالإضافة إلى وجود ميناء نشطون على البحر العربي والعديد من الوحدات العسكرية والأمنية التابعة للحكومة اليمنية.
موازين القوى
وحول موازين القوى في المحافظات الشرقية، أكد الباحث العسكري علي الذهب أن "سيطرة القوى الانفصالية على المحافظات الجنوبية هي سيطرة شكلية خدمة لمصالح استعمارية ومن يقف التحالف إلى جانبه هو الأقوى بصرف النظر عن القوة التي يتحكم بها الجيش في وادي حضرموت".
وأضاف أنه "طالما هناك سيطرة على الطرق البرية والمنافذ البحرية وهناك إسناد جوي للمليشيات التي تتقدم للسيطرة على منفذ الوديعة والوحدات العسكرية هناك فبدون شك لن تكون هناك معركة".
وتابع: "بل سيكون هناك تسليم دون معركة، حقنا للدماء ولأن قراءة المعركة تقول إن المعركة خاسرة والقيادة العليا للجيش متماهية مع هذا المشروع".
وأردف الذهب بالقول: "في كل الأحوال قد تنشأ بعد هذا التحول مقاومة وطنية وجبهات وقد يعود الإرهاب مجددا بدعم من قوى إقليمية ودولية بحيث تكون القوى الخارجية حاضرة ويكون هناك مبرر لوجود قوى دولية في هذه المناطق".
وزاد: وذلك بمبرر حفظ السلام وهي في حقيقة الأمر قوات احتلال للسيطرة على منابع الطاقة وخطوط إمدادها وتدفقها نحو الموانئ فضلا عما تمثله تلك السواحل من منافع جيوسياسية لدول الجوار.
وشدد الباحث اليمني على أن " هناك أطرافا فاعلة في التحالف يجب أن نسميها بمسمياتها، ولا نوجه الاتهام للإمارات فحسب فكل القوى الإقليمية المنخرطة في الأزمة اليمنية شريكة في هذا التحول سواء كانت شراكتها مباشرة أو غير مباشرة".من جانبه علق عضو المجلس السياسي لجماعة الحوثي، محمد البخيتي على الأحداث الأخيرة، داعيا الإصلاح للتحالف معهم لمواجهة السعودية والإمارات.
صراعنا مع حزب الاصلاح ليس حتميا ولا نرهن وجودنا بالقضاء عليه والتحالف معه لمواجهة السعودية والامارات خيار مطروح والكرة كانت ولا زالت في ملعبه.
— محمد البخيتي(Mohammed Al-Bukaiti) (@M_N_Albukhaiti) August 15, 2022
نحن جادين فيما نطرح وسبق ودخلنا في هدنه غير معلنة معه في الجوف ومارب ونهم لسنوات واستمرت حتى قام بنقضها بإعلان الحرب في نهم.
وقال في تغريدة عبر تويتر، في 15 أغسطس، "صراعنا مع حزب الاصلاح ليس حتميا ولا نرهن وجودنا بالقضاء عليه والتحالف معه لمواجهة السعودية والإمارات خيار مطروح والكرة كانت وما زالت في ملعبه".
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة ستعمّق الانقسام بين مجلس القيادة الرئاسي الذي يقود التحالف المناهض لجماعة الحوثيين التي تسيطر على العاصمة صنعاء وعدد من محافظات البلاد منذ سبتمبر/أيلول 2014.


















