"خدعة العصافير".. أسير محرر يكشف لـ"الاستقلال" خفايا سجون الاحتلال

12

طباعة

مشاركة

19 عاما في سجون الاحتلال قضاها الأسير الفلسطيني المحرر حسين الزريعي، منذ 20 ديسمبر/كانون الأول 2002 حين كان عمره 22 عاما إلى أن تنسم الحرية في ذات التاريخ من عام 2021.

انضم المقاوم الفلسطيني حسين الزريعي إلى كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة التحرير الوطني فتح، الذي حله الرئيس محمود عباس عام 2007.

وجاء انضمام الزريعي مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، التي فجرها تدنيس رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون للمسجد الأقصى.

وانخرط الأسير المحرر في العديد من العمليات التي استهدفت مستوطنات الاحتلال في المنطقة الوسطى من قطاع غزة وبالتحديد مستوطنة كفار داروم شرقي مدينة دير البلح.

و"كفار داروم" هي المستوطنة التي أخليت بعد قرار الاحتلال الانسحاب الكامل من قطاع غزة عام 2005 على أثر ضربات المقاومة.

تحرر الأسير حسين الزريعي ليبدأ نضالا من أجل الأسرى الذين ما زالوا في السجون، ويشارك في الفعاليات التضامنية مع الأسرى أمام مقر الصليب الأحمر بشكل أسبوعي، ويدشن حملات من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لأجل المعتقلين المضربين عن الطعام.

"الاستقلال" حاورت الأسير حسين الزريعي، ووقفت على مسيرته النضالية وكيفية اعتقاله والتحقيق معه وخفايا السجون وما يعانيه الأسرى داخلها.

سيرة مقاوم

  • متى بدأ المشوار النضالي للأسير المحرر حسين الزريعي؟

مشواري المقاوم بدأ مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، عندما كنت أعمل في المؤسسة العسكرية الفلسطينية وبدأنا بتشكيل مجموعات تنفذ عمليات ضد أهداف الاحتلال في المنطقة الوسطى من قطاع غزة.

 ومن ثم تطورت هذه المجموعات حتى أصبحت بمسمى كتائب شهداء الأقصى التي أسسها القائد الأسير مروان البرغوثي، وبذلك باتت الذراع العسكري لحركة فتح.

  • كيف اعتقلتك قوات الاحتلال؟

اعتقل أحد رفاقي في المجموعة التي أقاتل ضمنها، وخلال التحقيق والتعذيب تمكن محققو الشاباك (جهاز الأمن العام) من إجباره على الاعتراف بأني أحد أعضاء الخلية، وحينها بدأت مطاردتي وأدرج اسمي ضمن المطلوبين.

نصبت قوة إسرائيلية خاصة كمينا لي في 20 ديسمبر من عام 2002، وبعد دخولي لمنزلي الذي غبت عنه لـ 10 أيام متواصلة منذ بدء المطاردة، وطوقت المنزل وداهمته واعتقلت مع شقيقي الأكبر.

وبعد اعتقالي مباشرة فجر الاحتلال منزلي ومنزلين آخرين من منازل الجيران، واقتادني مكبلا معصوب العينين لأقرب مستوطنة وكانت "كفار داروم" شرق دير البلح.

وفي مقر الشاباك داخل المستعمرة جرى تحقيق مبدئي للتحقق من شخصيتي، ثم نقلت لمركز كوسوفيم العسكري وبعدها إلى حاجز إيرز (بيت حانون) في شمال القطاع.

  • ما التهم التي وجهتها سلطات الاحتلال لك؟ 

التهم كانت على شكل مساعدة عدد من الاستشهاديين لتنفيذ عملياتهم وتوصيلهم لمستوطنة "كفار داروم"، وكذلك المشاركة في عمليات إطلاق نار على قوات الاحتلال وزراعة العبوات الناسفة في طرق سير مدرعاتها.

 وأيضا محاولة صناعة صاروخ صغير يطلق من خلال قاذف دائر واختباره في غرب مدينة دير البلح.

سجون غير آدمية

  • حدثنا عن التجربة الأولى للاعتقال في زنازين الاحتلال؟

مع وصولي لمعبر إيرز ومقره الأمني، احتجزت في زنزانة قذرة وكريهة الرائحة ولا يوجد فيها مكان لقضاء الحاجة، ويخصص دلو لهذا الأمر، في مكان يوجد فيه عدد من الأسرى.

 فكان الأمر كارثيا، فضلا عن ضيق الزنازين ورطوبتها وسوء الطعام ومنع دخول ضوء الشمس لها.

  • كيف تمكن الاحتلال من إثبات التهم عليك وانتزاع الاعترافات منك؟

في بداية التحقيق استخدم الاحتلال التعذيب والإهانات، وشبحني المحققون على كرسي وقيدوني، وانهالوا علي بالضرب ومن ثم تركت لساعات في مكان بارد جدا، وتكرر هذا الوضع لأيام عديدة لكنهم لم يستطيعوا انتزاع أي كلمة مني.

 ولكن إدارة السجون نفذت خدعة تمكنت من خلالها بالحصول على ما تريده، وهي خدعة العصافير التي كانت الأسلوب الأساسي للحصول الاعترافات خلال حقبة انتفاضة الأقصى، ولم يكن لدي علم بها.

ومصيدة العصافير هي إدخال الأسير للسجن بعد أن يظن أن التحقيق انتهى، ويوهمه الاحتلال أن من في الزنزانة هم أسرى فلسطينيين من نفس تنظيمه، وبالتالي سيبوح لهم بما يخفيه من حقائق ومعلومات عما نفذه من عمليات.

وإن كان هناك توصيات يريد أن يوصلها لرفاقه خارج المعتقل يعمل على نقلها من خلال هؤلاء الأسرى. والحقيقة أنهم عملاء وضباط في الشاباك يمثلون دور الأسير.

وبعد الضغط النفسي والتعذيب الجسدي يجرى إدخالك كأسير لهؤلاء العصافير فتجدهم الحضن الدافئ، ولكن بالبداية يتظاهرون أنهم يريدون أن يعلموا تقييم أمني لك ليتأكدوا أنك لست عميلا مندسا للشاباك، ويبدأون باستجوابك والحصول على ما يريده الجهاز الأمني من معلومات.

وليثبتوا لك أنهم من أعضاء تنظيمك يستعرضون لك معلومات شخصية عنك وعن الخلية التي كنت تعمل ضمنها، وهي المعلومات التي تكون بحوزة الشاباك ونتائج التحقيقات السابقة مع أسرى آخرين. 

وهذا ما حصل معي، فمنذ إدخالي عند العصافير لم أتكلم عما أخفيه لمدة 10 أيام، ولكن بعدها عزلوني في زنزانة ومنعوا أي أسير من التعامل معي بتهمة أنني ضمن العملاء، وتحت هذا الضغط النفسي وافقت على كتابة ما فعلته.

وبعد انتهائي جرى تغمية عيوني وأعدت لغرفة التحقيق وتفاجأت أنني بين المحققين وكان بيدهم الدفتر الذي كتبت فيه الاعترافات، واستغرق الأمر بعض الوقت لأفيق من الصدمة، وأستوعب كيف وصل لهم ما كتبته.

وكان في المكان شرطي الإفادة وجعلني أوقع على ما كتبته ومن بعدها انتقل الأمر لمرحلة المحاكمة.

وبالنهاية حكم علي بهذه التهم في محاكم الاحتلال 25 عاما وبعد الجولات وصلت إلى 22 سنة، 19 عاما فعليا و3 مع وقف التنفيذ.

كان تأثير مصيدة العصافير علي كبيرا، حيث درست في الماجستير عن أمرهم ووجدت أن 90 بالمئة من الأسرى الذين أجريت عليهم العينة وعددهم 120 في سجن نفحة وقعوا في هذه الخدعة.

نجاح داخل السجون

  • كيف قضيت هذه السنوات الطويلة في السجون؟

أوجد الاحتلال السجن للانتقام من المقاومين وسلبهم زهرات شبابهم وكسر إرادتهم ورغبتهم في الحياة، ولكن هذا ما لم يحصل.

 منذ اللحظة الأولى احتسبت ما سأقضيه من سنين عمري في المعتقلات في سبيل الله والوطن وبدأت أعد لحياتي ما بعد التحرر، من خلال استكمال مسيرتي التعليمية من داخل السجون.

 فأكملت دراستي ونجحت باختبارات الثانوية العامة عام 2006، وعام 2007 انتسبت للجامعة من داخل السجن، ودرست العلوم السياسية والعلاقات الدولية. 

ولكن عام 2011 جرى حظر التعليم علينا بموجب قانون "شاليط" ورغم ذلك لم ننكسر فأنشأنا نظاما تعليميا جديدا داخل السجن، مدرسوه هم الأسرى ذوو الشهادات العلمية العليا. 

ونجحت هذه الفكرة وجرى تطويرها، وأتممت دراسة البكالوريوس وبعدها أنهيت مرحلة الماجستير بتقدير جيد جدا، مع العلم أن مؤهلي العلمي حين دخول السجن لم يتعد الصف الثالث الإعدادي والآن أنا أعد لدراسة الدكتوراه وستكون عن التطبيع.

  • ما القصص التي عايشتها في السجن لأسرى وأثرت فيك؟

اليوم هناك 4500 أسير تقريبا، لكل منهم قصة وألم وأسرة تنتظر عودته على أحر من الجمر، وفي زنازينهم عاشوا العذاب بكل أنواعه.

ولا تغادر رأسي قصة الأسيرة إسراء الجعابيص التي تعيش بألم مستمر وشديد وأكثر من 60 بالمئة من جسدها محروق وترفض إدارة السجون علاجها أو حتى إدخال الملابس المناسبة لجسدها.

وأيضا قصة الطفل أحمد مناصرة الذي اعتقل في عمر 13 سنة ويتواصل اعتقاله منذ 7 سنوات، تعرض خلالها لأشرس أنواع التعذيب النفسي والعزل الانفرادي حتى تدهورت حياته النفسية وبدأ المعاناة بمرض نفسي مزمن.

وذات الحالة يعيشها 172 طفلا فلسطينيا في سجون الاحتلال، كما أن هناك أكثر من 600 أسير معتقلين إداريا لدى الاحتلال يتم تجديد هذا الاعتقال كل 6 أشهر دون توجيه تهمة للأسير.

وكذلك ينفذ الاحتلال أساليب تعذيب وضغط قذرة فيحضر زوجات وأمهات الأسرى ويحاول الضغط على الأسير للاعتراف لتخليص عائلته ولكي لا تصاب بأذى في أقبية التحقيق أو أن يجرى التحرش بها أو اغتصابها، وإن شعر أنه تأثر يزيد الابتزاز والتهديد لانتزاع الاعترافات منه.

آمال رغم التعذيب

  • ما مدى جودة الخدمة الطبية المقدمة للأسرى؟

لا تسمى خدمات طبية بل قتل طبي، على سبيل المثال هناك مستشفى يسمى "الرملة" والحقيقة أنه مسلخ، والوضع داخله لا يمكن وصفه.

ويستغل الاحتلال هذا المستشفى في تعذيب الأسرى وليس علاجهم، ويساقون داخل الأسرة مكبلين حتى لو كانوا فاقدي الوعي.

اليوم نتحدث عن 230 حالة استشهاد داخل السجون وفي الفترة الأخيرة ودعنا الأسيرة سعدية مطر والأسير داوود الزبيدي والأسير سامي العمور، جميعهم ارتقوا بواسطة سياسة القتل الطبي.

وهناك حالة تفشٍّ للأمراض بشكل كبير جدا داخل السجون، وخصوصا السرطان، ولا يوجد علاج للأسرى ولا بحث لأسباب زيادة هذه الأمراض.

 وكل هذا يؤكد أن السجون باتت مكانا لإعدام الأسرى بصمت، بتصميمها كحاضنة للأمراض وتوفير البيئة المناسبة لهلاكهم.

 وهذه البيئة أهم ركائزها هي أجهزة التشويش التي تسبب أمراض السرطان وأيضا سوء التغذية ومنع دخول ضوء الشمس وعدم توفير العلاج للأسرى والاكتفاء بالمسكنات.

وطالب الأسرى بإجراء فحص طبي لكل أسير أمضى 10 سنوات وأكثر في السجون ولكن الاحتلال رفض هذا الطلب ويواصل تسويق نفسه أمام المجتمع الدولي بأنه صاحب سجون إنسانية تراعي حقوق الإنسان.

  • كيف تمر عمليات أسر الجنود على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال؟ 

تعد عمليات خطف الجنود بمثابة عرس داخل السجون علما أنه هناك 552 أسيرا محكوما بالمؤبد ينتظرون تحريرهم، ولا يوجد أمل اليوم لتحرير الأسرى إلا بمثل هذه العمليات.

 لهذه فإن وقعها داخل الزنازين يكون عظيما وتمنح الأسرى أملا يعيشون لأجله.