فشل التحالف في حسم معركة اليمن.. أخطاء أم عدم جدية؟
.jpg)
طال أمد الحرب، وبدأت تطرح أسئلة عن أسباب عدم قدرة التحالف على حسم المعركة، وتباينت التفسيرات، وتراوحت بين الزعم بخطأ السعودية في تقديرها لإمكانات وقدرات الحوثيين وصالح، والجزم بعدم جدية السعودية في القضاء على الحوثي.
تفسيرات تناولت ما هو أبعد من ذلك، وتحدثت عن استخدام السعودية والإمارات للحوثي كورقة للتغطية بها عن أهداف تتعلق بتوسيع النفوذ في اليمن، وهو ما أكده تقرير مطول بصحيفة الإيكونوميست أشار إلى أن السعودية لم تكن تريد إنهاء الحرب في اليمن، بل كان لها أطماع في توسيع النفوذ، والحصول على ممر إلى بحر العرب.
بينما عملت الإمارات ـ حسب التقريرـ على السيطرة على الموانئ التي تمر بها أكثر الخطوط الملاحية نشاطا في العالم لصالح ميناء جبل علي، يعزز هذا التفسير تقرير أممي، هو الأحدث والأهم حتى الآن، صدر في 14 فبراير/شباط 2019، لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة والمعني باليمن، حصلت الاستقلال على نسخة منه.
التقرير يشير إلى وجود أجندة أخرى للتحالف لا تتعلق بالحرب على الحوثيين، قائلا: "لا يزال انعدام وجود مصالح مشتركة داخل التحالف ضد الحوثيين يفاقم تقسيم البلد، ويجعل من استعادة سلطة الحكومة على جميع أرجاء اليمن بعيد المنال".
بداية التحرك
بعد انقلاب الحوثي على مؤسسات الدولة لم يتحرك التحالف، في وقت كان يجري الحديث عن تجاهل التحالف للحوثيين الذين كانوا وقتها يقومون بشن حرب ضد حزب الإصلاح (الذراع السياسي للإسلاميين)، وحملة واسعة لاعتقال أعضائه وإحراق مقراته، وعند هجوم الحوثيين على عدن بدأ تحرك التحالف حيث شن عملية عسكرية "عاصفة الحزم" بالتحالف مع 10 دول أخرى، بذريعة إعادة الشرعية والقضاء على الانقلاب، ومازالت العملية مستمرة حتى اليوم.
بدأت العلاقة بين الحلفاء الحوثيين وصالح بالتراجع، منذ أن رست مراكب الحوثي واستقر له الأمر وأصبح قادرا، بالسلاح الذي حصل عليه من إيران ومن صالح أيضا، على إلحاق الضرر بأي طرف، من بينهم صالح وحزب المؤتمر الذي يرأسه.
تصاعد العداء بين الطرفين وبلغ الأمر ذروته في 2 ديسمبر/كانون الأول 2017، حيث دعا صالح إلى الخروج والانتفاضة ضد الحوثي، لكن القطار كان قد فات، إذ لم يجد نداءه استجابة من أحد حتى من أنصاره، وخاض على إثرها اشتباكات مسلحة في المربع الأمني الذي يسكن فيه في شارع حدة وسط صنعاء، أسفر عن مقتله وأمين عام حزب المؤتمر عارف الزوكا، على يد الحوثيين بعد الدعوة إلى الانتفاضة بيومين.
تقاسم السيطرة
تخضع اليمن لسيطرة الحوثيين في الشمال، والإماراتيين في الجنوب، حيث يسيطر الحوثيون المدعومون من إيران على ما نسبته 20 بالمائة من إجمالي مساحة اليمن، غير أن هذه النسبة تمثل المدن الحيوية في اليمن، من بينها العاصمة صنعاء، ومدينة الحديدة الساحلية ذات الأهمية الإستراتيجية.
بينما يخضع الساحل الجنوبي والغربي في اليمن لسيطرة الإماراتيين، ويحكم السعوديون قبضتهم على محافظة المهرة شرق البلاد، فيما تبقى مدينة مأرب والجوف شمال شرقي اليمن تحت سيطرة الحكومة الشرعية بدعم سعودي، بينما يتخفى تنظيم القاعدة في جيوب تابعة لمحافظة أبين وحضرموت وشبوة جنوب البلاد.
انتفاضة ضد صالح
انتفض اليمنيون في فبراير/شباط 2011 ضد نظام علي عبد الله صالح الذي حكم البلاد لأكثر من 30 عاما، وكان الشباب هم المكون الأكبر لتك الانتفاضة، غير أن الحوثيين بدعم من إيران استغلوا تلك الثورة السلمية وانخرطوا ضمن تلك الاحتجاجات السلمية.
الحوثيون شاركوا في الثورة تحت مكون أنصار الله، مطالبين بتغيير النظام بنظام ديمقراطي، ودولة مدنية لا توريث فيها، ودولة مؤسسات لا دولة فرد، فكانوا ضمن المعتصمين بساحة الشباب في صنعاء، بمخيمات خاصة بهم.
نتيجة للثورة وتلك المطالبات، زادت تعقيدات الأزمة، وتدخلت السعودية على إثرها بمبادرة سميت المبادرة الخليجية، وتم الاتفاق على تسليم صالح السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي.
الحوار الوطني
كانت أحد بنود المبادرة الخليجية التي رعتها السعودية إجراء حوار وطني شامل يضم كل المكونات السياسية، وكان من ضمن مخرجات الحوار الوطني الاتفاق على شكل الدولة، التي قضت بأن يكون نظام الدولة فيدراليا اتحاديا مكونا من 6 أقاليم، لضمان توزيع الثروة والسلطة، لكن تلك المخرجات لم تر النور، إذ تم الانقلاب عليها من قبل الحوثيين الذين شنوا هجوما مسلحا على البلاد بمساعدة من الرئيس السابق صالح، ودعم من إيران.
وبسبب الفراغ السياسي والأمني في تلك الفترة، استطاع تنظيم القاعدة التعزيز من وجوده والتمكن من الانتشار، حيث نشط بشكل ملحوظ في المحافظات الجنوبية، وعلى وجه الخصوص في مدينة مكيراس التابعة لمحافظة أبين.
الدعم المسلح
بدأت إيران بتعزيز قوة الحوثيين في اليمن عبر إرسال شحنات السلاح، ومنذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء إثر الانقلاب قاموا بإنشاء جسر جوي بين صنعاء وطهران لأول مرة منذ عام 1990، بمعدل 14 رحلة أسبوعيا، عبر طيران ماهان الإيرانية وطيران اليمنية، وهو الرقم الأكبر في تاريخ الرحلات اليمنية.
الدعم الإيراني للحوثيين بدأ في وقت مبكر قبل انقلابهم، وضبطت الأجهزة الأمنية في عهد صالح عدة سفن إيرانية محملة بأسلحة لدعم الحوثيين، من بينها سفينة جيهان 1.
تنفيذ الأجندة
من خلال مساعيها وتحركاتها في المنطقة، يظهر أن إيران تسعى لتعزيز نفوذها الإقليمي في المنطقة، وإقامة مشروعها التوسعي، كقوة طامحة، فبعد بغداد ودمشق وبيروت سعت لإسقاط صنعاء.
مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني علي رضا زاكاني، المقرب من المرشد الإيراني علي خامنئي صرح مبتهجا إن "3 عواصم عربية أصبحت اليوم بيد إيران، وتابعة للثورة الإسلامية"، وإن صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التي باتت في طريقها للالتحاق بالثورة الإيرانية.
إيران تسعى أيضا للحد من النفوذ المتنامي للسعودية في الاستحواذ على القرار السياسي لمجلس التعاون الخليجي، ولتحقيق مشروعها التوسعي تستخدم إيران أذرعها في المنطقة، ففي حين مثّل حزب الله ذراعها في لبنان، مثل الحوثيون ذراعها في اليمن، وحسبما صرح المتحدث باسم الحكومة اليمنية راجح بادي بأن الحوثيين يخضعون للسياسية التي يمليها عليهم الحرس الثوري الإيراني.
تقارير تحدثت أن إيران نقلت، بشكل مكثف، خبراء من الحرس الثوري وحزب الله، لتدريب الحوثيين، ونقلت خبرات وتكنولوجيا إيرانية إلى اليمن، وكان مقطع فيديو مسرب قد أظهر عناصر لبنانية، يرجح أنها من حزب الله، تقوم بتدريب أفراد من جماعة الحوثي على عمليات عسكرية.
في مارس/آذار 2017، أصدر مركز البحوث والتسلح البريطاني CAR تقريرا مفصلا مدعّما بالصور بعنوان "نقل التكنولوجيا الإيرانية إلى اليمن"، أثبت فيه أن طائرة قاصف 1، التي ادعى الحوثيون تصنيعها، تتطابق مع طائرة أبابيل الإيرانية.
وفي تقرير آخر أعده فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، ورفعه إلى مجلس الأمن في 26 يناير/كانون الثاني 2018، تحدثت لجنة الخبراء أن نتائج التحقيق كشفت أن طائرات من دون طيار إيرانية الصنع تم إدخالها إلى اليمن، بعد صدور قرار مجلس الأمن بحظر توريد الأسلحة في 14 أبريل/نيسان 2015، ورأى الفريق أن إيران لم تمتثل للفقرة 14 من القرار الأممي 2216 والتي قضت بحظر توريد السلاح لمعرقلي التسوية في اليمن (الحوثي ـ صالح).
وكان نيك جين جونز، خبير الأسلحة ومدير خدمات أبحاث الأسلحة في البحرية الأمريكية قد قال إن طائرات أبابيل الإيرانية المجهزة برؤوس حربية شديدة الانفجار قد استخدمها الحوثيون في استهداف بطاريات الباتريوت السعودية.
البحث عن بدائل
خيارات الحوثيين تقلّصت بعد القرار الأممي والحصار الذي فرضه التحالف، وبدأ الحوثيون بالبحث عن بدائل أخرى تمكنهم من الاستمرار في هذه الحرب، وفي المقابل بدأت إيران بالبحث عن خيارات أكثر فاعلية لدعم الحوثيين.
في هذا الصدد أشارت تقارير إلى أن إيران أجرت اجتماعات ومباحثات لإعادة النظر في طرق دعمها للحوثيين، وكيفية الالتفاف على القرار الأممي والحد من تأثير الحصار المفروض.
وكالة رويترز نقلت أن قاسم سليماني قائد فيلق القدس اجتمع مؤخرا بكبار القادة العسكريين في العاصمة الإيرانية طهران في محاولة لاستكشاف طرق جديدة لمساعدة الحوثيين بشكل أفضل، وحسب مركز البحوث التابع لفورين بوليسي، فإن إيران تقوم بتهريب الوحدات الإلكترونية للحوثيين، ويتم استيرادها كقطع إلكترونية لأجهزة منزلية.
كارثة إنسانية
يمر اليمن بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، ويرزح اليمنيون تحت ثلاثي الجوع والموت والوباء، بحسب تعبير الصليب الأحمر الدولي، تقارير دولية ذكرت أن الأزمة تتضاعف كل يوم، وأصدرت الأمم المتحدة بيانا قالت فيه إن أكثر من 22 مليون يمني، أي ما يعادل ثلاثة أرباع السكان، يحتاجون لمساعدات.
بحسب بيانات البنك الدولي، فإن اليمن يعد من أفقر البلدان العربية، وأفاد برنامج الأغذية العالمي أن 18 مليون يمني لا يعرفون من أين تأتي وجبتهم القادمة، بينما يعيش أكثر من 8 مليون يمني في جوع شديد، ويعتمدون بشكل كلي على المساعدات الغذائية.
حدة الحرب المتصاعدة بين الحوثيين من جهة، والتحالف والجيش الوطني من جهة أخرى تسببت في مقتل 250 ألفا، بحسب تقرير حديث أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
موقف تركيا
تعترف تركيا بالحكومة الشرعية ممثلا وحيدا لليمن، ولا تعترف بالحوثيين، كما أنها جمدت ممتلكات عناصر من جماعة الحوثي من بينهم زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، لكنها في نفس الوقت لم تسهم بدعم العمليات العسكرية للتحالف الذي تقوده الرياض وأبو ظبي، ونشاطها يكاد ينحصر في الجانب الإغاثي والمساعدات الصحية والتعليمية والإنسانية.
يبدو أن تركيا تدرك أن تلك العملية العسكرية إنما هي حرب مع أدوات إيران في المنطقة، وفي تصريح للاستقلال، تحدث المدير السابق لمكتب الوكالة التركية للتعاون والتنسيق ( تيكا ) في اليمن، الدكتور فاروق بوزكوز الذي يعمل سفيرا حاليا لتركيا في اليمن، أن تركيا بشكل فاعل في دعم وإنشاء المشاريع الإنسانية والاجتماعية، عبر تيكا، حيث أنشأت خلال الست السنوات الماضية حوالي 93 مشروعا في الصحة والتعليم والزراعة والبنية التحتية، بما فيها سنوات الحرب.
الحكومة التركية سمحت في يوليو/تموز 2018 بتنظيم مسيرة احتجاجية قبالة القنصلية السعودية في إسطنبول تدعو لإيقاف الحرب على اليمن، غير أن تلك المسيرة التي كان يفترض أن تمثل الشعب اليمني، انحرفت عن مسارها لتصبح مسيرة ترفع شعار الحوثيين وصور زعيمهم عبد الملك الحوثي، وتضفي على تلك النداءات طابعا مذهبيا يسعى لتمجيد وتأييد الحوثيين ويقدم زعيمهم كقائد يمثل كل اليمنيين.
"الاستقلال" سبق لها أن أجرت تحقيقا حول من يقف خلف تلك المسيرات، وتبين لها بأن تلك المسيرات نظمها "منتدى حركة الشباب الزينبية" التركي، وهو منتدى شيعي المذهب، وقد قرأ بيان المسيرة مهدي أطام، وكشفت صور حصلت عليها الاستقلال، عن لقاء جمع أطام بحسن علي العماد في إيران، والعماد رجل دين يمني الجنسية، اثنا عشري المذهب، مقيم في إيران.
تلك المسيرات تسببت بموجة غضب لدى اليمنيين، المقيمين في تركيا على وجه الخصوص، ما دفع السفارة اليمنية في أنقرة لتقديم رسالة احتجاج لدى الجهات الرسمية التركية بسبب الترخيص لمسيرات داعمة للحوثيين، غير أن الجهات الرسمية أفادت بأنها رخصت لمسيرة تدعو لإيقاف الحرب على اليمن، ولم ترخص لأي مسيرات داعمة للحوثيين، وأكدت الجهات التركية أنها تعترف بالحكومة الشرعية برئاسة هادي ممثلا وحيدا للشعب اليمني.
المصادر
- بيانان الأمم المتحدة عن الوضع الإنساني في اليمن
- الصليب الأحمر الدولي : اليمن يشهد أسوأ أزمة إنسانية في التاريخ
- تقرير البنك الدولي عن الوضع الاقتصادي في اليمن
- الأمم المتحدة : 18 مليون يمني لا يعلمون من أين تأتي وجبهتم القادمة
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي : الحرب في اليمن تسبب بمقتل 250 ألف شخص
- عشرون بالمائة من الأراضي اليمنية خاضعة لسيطرة الحوثيين
- الحوثيون أنشأوا جسرا جويا بين صنعاء وطهران عقب الانقلاب
- ن السلطات الأمنية في اليمن تلقي القبض على سفينة أسلحة إيرانية
- صحيفة الايكونوميست : أجندة التحالف في اليمن
- مندوب طهران في البرلمان الإيراني : صنعاء العاصمة الرابعة بيد الحرس الثوري الإيراني
- المتحدث باسم الحكومة اليمنية : إيران مستمرة بإرسال الأسلحة للحوثيين
- عناصر لبنانية تقوم بتدريب أفراد من الحوثيين
- مركز البحوث والتسلح البريطاني : إيران تنقل تكنولوجيا إيرانية للحوثيين
- تقرير فريق الخبراء : طائرات من دون طيار إيرانية الصنع تم إدخالها إلى اليمن
- نيك جونز : طائرات أبابيل الإيرانية استخدمها الحوثيون في استهداف بطاريات الباتريوت السعودية
- رويترز : قاسم سليمان : يجب البحث عن وسائل لمساعدة الحوثيين بشكل أفضل
- فورين بوليسي : إيران تقوم بتهريب الوحدات الإلكترونية لللحوثيين
- الأناضول : تركيا تعترف بالحكومة الشرعية ممثلا وحيدا ولا تعترف بالحوثيين
- تركيا جمدت ممتلكات عناصر من الحوثيين من بينها زعيم الحوثيين

















