بوضع التنافس مع المغرب في دائرة الضوء.. هل أطلقت الجزائر النار على قدمها؟

قسم الترجمة | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

قالت مجلة "جون أفريك" الفرنسية إن الجزائر قطعت في نهاية أغسطس/آب 2021، العلاقات الدبلوماسية مع الرباط، متهمة جارتها المغرب بالرغبة في "زعزعة استقرار" البلاد.

لكن هذا القرار، حسب المجلة، كان مدفوعا بشكل أساسي بـ"خيبات أمل" النظام الجزائري، فقد جاء القرار بعد خمسة أيام فقط من توصية المجلس الأعلى للأمن الجزائري بمراجعة العلاقات مع الرباط.

وفي 24 أغسطس/آب2021، أعلن وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة عن قرار بلاده قطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط، متهما جاره بـ"دعم المنظمات الإرهابية" التي تقف وراء حرائق الغابات التي اجتاحت منطقة القبائل مؤخرا، كما اتهم الحكومة المغربية بالتواطؤ مع الكيان الإسرائيلي لزعزعة استقرار الجزائر.

وفي أول خطوة بعد قطع العلاقات، أعلنت السلطات الجزائرية، في 22 سبتمبر/أيلول 2021، إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية المغربية.

محاولة إلهاء

بالنسبة للمغاربة، فإن الإعلان المفاجئ لقطع العلاقات، ليس سوى تتويج لتقليد طويل أتقنه المسؤولون الجزائريون على مدى عقود، وهو "مهاجمة المملكة من أجل تحويل النقد الذي يتعرضون إليه بما يخدمهم وتحفيز القومية الخاصة"، وفق "جون أفريك".

وأضافت المجلة "بالتالي فإن قطع العلاقات والمزاعم التي لا أساس لها من الصحة حول مؤامرة مغربية ضد الجزائر ليست مفاجأة لهم".

ومع ذلك، يأتي هذا القرار بعد شهر بالكاد من مناشدة العاهل المغربي الملك محمد السادس في "خطاب العرش"، من أجل فتح الحدود والحوار.

بعد أسبوعين، حافظ الملك على وعده بالتضامن الإقليمي من خلال إصدار أوامر لحكومته بتعبئة طائرتين من قاذفات المياه لإنقاذ جارته المنكوبة بالحرائق، لكن الجزائر رفضت العرض وفضلت طلب المساعدة من فرنسا وإسبانيا.

وصعدت الطبقة السياسية والإعلامية الجزائرية من هجماتها ضد المغرب، مشككة في صدق نوايا محمد السادس الحسنة.

واتهمت تقارير وافتتاحيات عديدة الرباط بتدبير الكثير من كل ما حدث بشكل خاطئ في الجزائر خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما حرائق الغابات وظهور المنظمات المناهضة للنظام.

النظرية الأكثر دلالة، التي تناقلتها الصحافة والدوائر السياسية بلا هوادة، تؤكد أن المغرب متورط في مؤامرة مع "الكيان الإسرائيلي" وحركة تقرير المصير في منطقة القبائل (ماك) لزعزعة استقرار الجزائر.

وقد مهد، هذا السياق، الطريق لإعلان لعمامرة قطع العلاقات الدبلوماسية.

لكن السرعة التي استنتجت بها الجزائر العاصمة أن الحرائق سببها نشطاء من منطقة القبائل برعاية الرباط - دون قضاء الوقت لإجراء تحقيق مناسب ودون تقديم أي دليل ملموس - تقول المزيد عن نوايا النظام الجزائري أكثر من أجندة المغرب المزعومة لزعزعة الاستقرار، بحسب المجلة الفرنسية.

إذ بعد استيفاء الحجج لمواجهة التقدم الدبلوماسي المتنامي للمغرب وتلبية التوقعات المشروعة للشعب الجزائري المحبط، حاول النظام الجزائري خلق "حالة من الإلهاء".

لقد أراد الاستفادة من هذه الكارثة ليجعل الناس ينسون النكسات الدبلوماسية الأخيرة التي تعرض لها والأزمة الطويلة لما بعد الرئيس السابق الراحل عبد العزيز بوتفليقة ولإثارة الرأي العام حول الكراهية المشتركة لـ"أعداء الشعب".

الإحباط والصرامة

من المؤكد أن قرار الجزائر بقطع العلاقات مع المغرب ليس حدثا من نواح كثيرة، حيث ظلت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مجمدة خلال معظم الأعوام الـ27 الماضية.

تم إغلاق الحدود منذ عام 1994، ولا تزال المبادلات التجارية غير مهمة، ولم تكن هناك زيارات دولة رفيعة المستوى منذ عام 2012.

وأرادت الجزائر أن يكون هذا الإعلان عن القطيعة الدبلوماسية محطما.

لكن من الجانب المغربي، يبدو أنه غير ضار ويبدو أنه وسيلة للقول، بأنه رغم الاعتراف الأميركي بالصبغة المغربية للصحراء ونتائج أزمة الكركرات في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 - وهما حدثان قلبا الموازين إلى حد كبير لصالح المغرب والتي أحبطت أكثر من شخص في الجزائر العاصمة - لم تقل الجزائر بعد كلمتها الأخيرة بشأن ميزان القوى الإقليمي.

من المعقول للغاية أن الجزائر اتخذت قرارا تدريجيا بقطع العلاقات مع المغرب عندما أصبح واضحا أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن "لن تلغي" قرار سلفها بشأن الطابع المغربي للصحراء.

ولكن لإحياء الروح القومية بشكل أفضل، كان من الضروري انتظار اللحظة المناسبة للإعلان عن قطع العلاقات، وقد كانت حرائق أغسطس/آب 2021 فرصة مرحبا بها.

عنصر آخر معبر، بينما تنتقد الجزائر المغرب لتطبيع علاقاته مع إسرائيل، فإنها التزمت الصمت بشكل مثير للفضول بشأن قرارات مماثلة اتخذتها الإمارات والبحرين والسودان.

لذلك يمكننا أن نقول بثقة أنه بدلا من الدفاع عن القضية الفلسطينية، فإن سيطرة المغرب المتزايدة التي لا رجوع عنها تدريجيا على دبلوماسية الصحراء هي "محرك قسوة" الدولة الجزائرية، وفق "جون أفريك".

مسار مختلف

في هذا السياق المتوتر، أرسل الممثل المغربي لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، رسالة رد إلى الأمين العام لحركة عدم الانحياز في يوليو/تموز 2021.

وردا على النشاط الدبلوماسي الجزائري لصالح جبهة البوليساريو ضد وحدة أراضي المغرب، شدد بشكل خاص على المعايير المزدوجة للحكومة الجزائرية في مسألة تقرير المصير.

بالنسبة للدبلوماسي المغربي، فإن الجزائر، التي تحرم القبائل من نفس الحقوق التي تطالب بها للصحراء، لا تستحق أن تؤخذ على محمل الجد عندما تطلب أن ينظر إليها أو تعرف على أنها مدافع غير مشروط عن حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها.

سيكون رد الجزائر على هذه الرسالة "سريعا وعدائيا".

و"إعلان الحرب" - هو الحكم الذي سيكون بالإجماع بالنسبة لوسائل الإعلام الجزائرية والأحزاب السياسية التي ستعلن بصوت واحد التصعيد المقبل.

لكن بدلا من المزايدات، استخدم الملك محمد السادس خطاب العرش خاصته لتعزيز الحوار، وحث القادة الجزائريين على التغلب على الجمود الذي استمر طويلا بين البلدين.

يبدو أن الخطاب الملكي، قد فاجأ المؤسسة الجزائرية خاصة وأن كلمات الملك التصالحية كانت بعيدة كل البعد عن رواية النظام الجزائري عن المغرب على مدى العقود الستة الماضية، حيث اقترح الملك مسارا مختلفا وألمح إلى أن الرباط ستكون مستعدة لتجاوز الماضي والدعوة إلى الاستقرار الإقليمي والازدهار المشترك.

ربما تكون الجزائر قد أطلقت النار على قدمها من خلال وضع التنافس المغربي الجزائري في دائرة الضوء.

من المؤكد أن تجدد التوتر بين البلدين، سيؤدي إلى قيام العديد من أعضاء المجتمع الدولي بإلقاء نظرة فاحصة على الأسباب الكامنة وراء هذه التطورات الأخيرة.

وهي رغبة الجزائر في الحصول على هيمنة بلا منازع في شمال إفريقيا - الأمر الذي يتطلب وصولا بلا عوائق إلى المحيط الأطلسي، في جنوب المغرب - والعودة إلى المشهد الجيوسياسي للقارة - الأمر الذي يتطلب اللحاق بالتقدم الإستراتيجي للمغرب، تقول "جون أفريك".