زيارة الوزير فيدان إلى طرابلس في ضوء العلاقات التركية الليبية الأخيرة

سلط مركز تركي الضوء على تطورات العلاقات التركية الليبية بعد زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان إلى طرابلس في 7 فبراير/ شباط 2024.
وقال مركز أورسام لدراسات الشرق الأوسط: عانت ليبيا من سلسلة من الصراعات وعدم الاستقرار بسبب الانتفاضات الشعبية وتدخل القوى والمصالح والصراعات الأيديولوجية منذ ما يقرب من 13 عاماً.
وقد مهد هذا الوضع الطريق أمام مجموعات المليشيات المسلحة ليتحولوا إلى فاعلين سياسيين. وأدّى إلغاء الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول 2021 إلى نشوء أجواء من التنافس السياسي والعسكري مرة أخرى.
بالإضافة إلى هذه التطورات، فإن الانقلابات العسكرية في منطقة الساحل القريبة لليبيا والحرب الأهلية المستمرة في السودان و"النشاط الإرهابي المتزايد في إفريقيا يعرّض البلاد لتدفق خطير للمهاجرين"، وفق ما يقول "فؤاد أمير شيفقاتلي".
ويمكن القول إنّ ضعف الرقابة على الحدود وغياب الإشراف الناجم عن عدم اليقين السياسي المستمر فضلا عن الضغط الديموغرافي من جراء الهجرة غير الشرعية تعد من بين العوامل التي قد تؤدي إلى إحياء تنظيم الدولة وكسب الأراضي في منطقة فزان في جنوب ليبيا.
وعلق الكاتب التركي: بالنظر إلى هذه الديناميكيات المحلية الحساسة والهشة، من الممكن تقييم العلاقات التركية الليبية وزيارة الوزير فيدان إلى طرابلس تحت عنوانين رئيسين.
دبلوماسية نشطة
أردف أن زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان إلى ليبيا مع وفده لإجراء محادثات رسمية تعد مهمة جداً لفهم العلاقات التركية الليبية الأخيرة.
وتناولت الزيارة عدة مواضيع مهمة من بينها: العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين ومسألة غزة وعملية التوافق الوطني المستمرة في ليبيا.
وذكر الكاتب التركي أن هذه الزيارة قد تمّت بعد شهر واحد من إعلان محكمة الاستئناف في طرابلس تعليق اتفاقية الهيدروكربونات الموقعة في أكتوبر 2022، وهذا القرار يشكل تهديداً للاتفاقية والحقوق الطبيعية في حال تولي الفئات المُعارِضة لتركيا السلطة في المستقبل.
وفي تصريح صحفي مشترك مع نظيره إيان بورغ في مالطا، أعلن فيدان أن أنقرة قررت إعادة فتح القنصلية في بنغازي (شرق).
وتأتي هذه القضية، التي كانت على جدول الأعمال لبعض الوقت، في ظل عدم اليقين الانتخابي وتجدد التنافس بين الشرق والغرب.
بعبارة أخرى، قد تعني هذه الخطوة أن تركيا ستزيد من المفاوضات مع الجهات الفاعلة الرسمية في شرق ليبيا كما تفعل في الغرب في الفترة الجديدة.
وعلى وجه الخصوص، يمكن القول إنّ زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى مصر في 14 فبراير/شباط واجتماعاته مع رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي هي تطورات لا ينبغي تقييمها بشكل مستقل عن ليبيا.

وطورت مصر وتركيا علاقات قوية مع البرلمان في شرق ليبيا بعد عام 2014. وحقيقة التقائهما على أرضية مشتركة في ليبيا قد يكون لها تأثير إيجابي على الأزمة السياسية.
بالإضافة إلى ذلك، تظهر إعادة فتح القنصلية بنغازي أن عملية التطبيع التي بدأت مع شرق ليبيا قد وضعت على جدول الأعمال مرة أخرى.
وهذا يدل على حساسية تركيا تجاه المنافسة السرية المستمرة بين شرق وغرب ليبيا، وتجاه الصراعات بين الجماعات المتنافسة ومحاولات تعطيل عملية المصالحة، وفق الكاتب.
لدرجة أن الوجود العسكري التركي في غرب البلاد هو أحد العوامل الرادعة التي تمنع الصراعات الصغيرة من التحول إلى حرب شاملة على نطاق أوسع.
في المقابل، يمكن أن يسهم افتتاح القنصلية المخططة في بنغازي مع الجهود الدبلوماسية التي بدأها البرلمان الليبي في شرق البلاد عام 2021 في منع بناء رد فعل سلبي تحاوِل بعض الجهات تشكيله ضد تركيا هناك.
وأضاف الكاتب: يمكن القول إن هذا الموقف سيجعل تركيا لاعبا حاسما في إعادة إعمار ليبيا وتوحيد المؤسسات، وخاصة في إصلاح قطاع الأمن.
فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن تلعب تركيا دورا رئيسا في المساهمة بالانتقال إلى جيش موحد وفي برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج المليشيات.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وألمانيا ومصر قد اتخذت أخيرا مبادرات في هذا المجال، إلا أنه يجب أخذ الأهداف والأولويات الوطنية لليبيا في الاعتبار حتى تكون هذه الجهود فعالة.
يمكن القول إنّ تركيا تبرز باعتبارها الفاعل الأكثر إخلاصاً من حيث وجودها في المنطقة وقدرتها العسكرية وتجاربها السابقة.
شرق المتوسط
وأكمل الكاتب: هناك بعد آخر لسعي تركيا لتحقيق الاستقرار في ليبيا وهو حماية المصالح والتوازنات الوطنية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا السياق، فإن السياسات المطبقة في نطاق عقيدة "الوطن الأزرق" (التوسع البحري) جعلت مشاركة تركيا في العملية السياسية في ليبيا في السنوات الماضية أمراً ضرورياً.
وعلى وجه الخصوص، فإن اتفاقيات التفويض البحري والتعاون الدفاعي الموقعة مع حكومة الوفاق الوطني عام 2019 قد وضعت على الرف إمكانية حدوث انقلاب محتمل في ليبيا.
ومن ناحية أخرى أصبحت أداة مهمة في تحقيق الحقوق الطبيعية الممنوحة لتركيا بموجب القانون الدولي.
وأشار الكاتب التركي إلى أن موافقة الأمم المتحدة على الحدود البحرية المرسومة بين البلدين في شرق البحر الأبيض المتوسط أعطت تركيا رأيا في الجغرافيا السياسية للبحر الأبيض المتوسط وألغت معادلات الطاقة التي حاولت استبعاد أنقرة.
وفي وقت لاحق، مهّدت اتفاقية النفط والغاز بين تركيا وليبيا الموقعة في أكتوبر 2022 الطريق لتطوير التعاون في مجال الطاقة بين البلدين كجوهر للاتفاقية الموقعة عام 2019.
واستدرك الكاتب: الدبلوماسية النشطة التي تنفذها تركيا مع مختلف الفاعلين المحليين تعمل على تجاوز الأصوات المنشقة التي تنشأ من داخل وخارج ليبيا ضد هذه الاتفاقية، وتعمل على منع التوجهات السياسية من الوقوف في طريق الشراكات المحتملة.
وبسبب أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية وهجمات الحوثيين في البحر بدأت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالبحث عن بدائل.
ومن وجهة النظر هذه، تعد ليبيا واحدة من الدول الرائدة في سد هذه الفجوة بموقعها الإستراتيجي واحتياطاتها من الطاقة.
وفي هذا الصدد، فإن تفاعلات تركيا المتزايدة وتعاونها في قطاع الطاقة الليبي تسمح لتركيا بتوفير مزايا معينة في ميزان العرض والطلب العالمي على الطاقة، فضلا عن منح أنقرة المرونة في سياساتها الإقليمية.
وختم الكاتب التركي مقاله قائلاً: إن جولة وزير الخارجية هاكان فيدان في ليبيا تأتي في وقت حرج جدًا من حيث التوقيت والمحتوى.
إذ الانتخابات غير المؤكدة والهياكل الأمنية الهشة التي شُكلت في الشرق والغرب بالإضافة للموقع الإستراتيجي لليبيا في المعادلة العالمية للطاقة يمكن أن تكون بين العناوين الفرعية التي تدفع تركيا نحو سياسات أكثر فعالية.
وعلاوة على ذلك، فإن إعادة فتح القنصلية المخططة في بنغازي تعكس رغبة تركيا في توسيع نطاق وجودها في ليبيا وتعزيز العلاقات مع الشرق الليبي.
فمن خلال الوصول إلى قاعدة اجتماعية في الشرق، يمكن لتركيا تعزيز النفوذ وتبادل الرؤى والمصالح مع الفاعلين المحليين في المنطقة.
















