8 آلاف جندي إندونيسي إلى غزة؟ حسابات المكسب والمخاطرة في مهمة غامضة

منذ ٨ أيام

12

طباعة

مشاركة

أعلنت إندونيسيا، في 16 فبراير/ شباط 2026، أنها بصدد تجهيز نحو 8 آلاف جندي من المحتمل نشرهم في قطاع غزة ضمن إطار قوة الاستقرار الدولية بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة.

وقد تجلت رغبة إندونيسيا في المشاركة بهذه القوة بشكل واضح خلال خطاب رئيسها برابوو سوبيانتو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2025؛ حيث أكد على اهتمام بلاده منذ سنوات بالمشاركة بقوات حفظ السلام حول العالم.

وترى صحيفة "زمان" الإسرائيلية أن "هذا الموقف يعكس أيضا مصلحة إندونيسية في أن تكون ضمن الدائرة القريبة من الدول المساهمة في تنفيذ خطة ترامب في غزة، فضلا عن تعزيز مكانتها في الساحة الدولية".

وإندونيسيا هي أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان (نحو 287 مليون نسمة)، ولا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، لكن ثمة أحاديث عن قرب التطبيع بينهما.

مهام غامضة

وتعتقد الصحيفة أن جاكرتا ترى في مشاركتها بقوة حفظ السلام، التزاما عاليا بالقضية الفلسطينية، وقد تسهم في الدفع نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس حل الدولتين.

لكن منذ أن صادق مجلس الأمن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 على خطة ترامب، بدت إندونيسيا أكثر حذرا في موقفها، منتظرة وضوحا أكبر بشأن طبيعة عمل القوة، وبالأخص التأكيد على أنها ستعمل بموجب تفويض دولي رسمي من الأمم المتحدة.

والأكثر أهمية بالنسبة لإندونيسيا أن تُحدد مهام القوة بشكل واضح، وخاصة ضمان عدم تورطها في نزع سلاح غزة أو الدخول في مواجهات مباشرة مع مقاتلي حركة المقاومة الإسلامية “حماس”.

فهناك مخاوف قائمة من أن يؤدي الغموض في هذه القضية إلى زج قواتها في صدامات مسلحة، خصوصا أن المنطقة شديدة الحساسية وتضم أطرافا مسلحة متعددة إلى جانب التعقيدات السياسية".

وهو ما يفسر -بحسب الصحيفة- مسارعة وزير الدفاع الإندونيسي، سجافري شمس الدين، إلى التصريح، بعد أيام قليلة من إقرار الخطة، بأن مساهمة بلاده ستتركز على تقديم المساعدات الطبية وإعادة تأهيل البنية التحتية للسكان المدنيين.

وفي الخلفية، برزت أيضا تصريحات محللين وأكاديميين إندونيسيين يحذرون صناع القرار في جاكرتا من المخاطر المحتملة، سواء الخارجية أو الداخلية، المرتبطة بالمشاركة في هذه القوة.

ولا تنبع المخاوف من نقص الصورة الكاملة فقط، بل من الحماس المفرط في جاكرتا للمشاركة، والذي يتأثر بشعور قوي بالمسؤولية، كون المهمة تخدم في النهاية القضية الفلسطينية وتدعم إقامة دولة فلسطينية.

رمال متحركة 

فيما يتعلق بهوية القوة وطبيعتها، ذكرت الصحيفة أن حجة مشاركة جاكرتا تأتي في إطار مشاركتها السابقة في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة "القبعات الزرق"؛ حيث كان التفويض وهيكل القيادة والتمويل يضمنون شرعية دولية واسعة وحيادا كاملا.

لكن الوضع الحالي مختلف؛ إذ إن قوة الاستقرار الدولية في غزة ليست مهمة أممية، بل تخضع لسيطرة الولايات المتحدة.

كما أن التفويض قد يقود إلى مواجهة بين الجنود الإندونيسيين وفصائل من "المقاومة الفلسطينية" التي تحظى بدعم إندونيسيا.

وتعتقد أنه في مثل هذا السيناريو سيجد الرأي العام الإندونيسي صعوبة في تقبل فكرة أن جنود بلاده يقاتلون فلسطينيين، وأن إندونيسيا تقف فعليا في صف واحد مع القوات الأميركية التي تحمي منذ سنوات المصالح الإسرائيلية.

وهناك عامل آخر يثير القلق، فالمهام الموكلة إلى القوة تحتاج إلى توضيح كامل، وإندونيسيا مطالبة بالتمسك بذلك كشرط لمشاركتها؛ إذ إن مهمة قائمة على الغموض تشبه مهمة قائمة على رمال متحركة.

ويثير قلقها بشكل خاص احتمال أن يُطلب من جنودها المشاركة في نزع سلاح حماس أو الدخول في مواجهات مباشرة مع مقاتليها.

في مثل هذا الوضع، ستُتهم إندونيسيا بالوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل والتخلي عن التزامها بالقضية الفلسطينية.

من جهة أخرى، أشارت الصحيفة العبرية إلى أن ذلك الأمر "سيخلق مشكلات داخلية؛ إذ إن الغالبية الساحقة في إندونيسيا ترى في حماس حركة مقاومة شرعية وفي عناصرها مقاتلي حرية".

بشكل عام، فإن الجنود الإندونيسيين الذين يحظون بتقدير كبير لمهنيتهم في قوات الأمم المتحدة سيجدون أنفسهم هذه المرة أمام فوضى سياسية معقدة.

وتضاف إلى ذلك حجج مبدئية أخرى، فخطة مجلس الأمن، كما يقال، صيغت من قبل الإدارة الأميركية وجاءت منحازة لصالح إسرائيل، أو بصياغة أخرى، كُتبت في واشنطن ومرت ضمنا باختبار النقد الإسرائيلي قبل اعتمادها.

لذلك، ترى الصحيفة أنه قد يُنظر إلى قوة الاستقرار الدولية على أنها تفتقر إلى الحياد.

الأمر الذي تعتقد أنه يطرح على إندونيسيا أن تسأل نفسها، هل دخولها إلى غزة سيخدم إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق حل الدولتين، وهو هدفها المعلن، أم أنه سيساعد على فرض نظام هش يحافظ على الوضع القائم ويؤمن المصالح الأمنية لإسرائيل من دون قصد.

شرعنة الاحتلال 

وفوق ذلك، تشير الصحيفة الإسرائيلية إلى أن الخطة الأميركية، كما يُزعم، لا تعالج عقودا من الاحتلال العسكري، بل تشرعنه؛ إذ إنها لا تقدم للفلسطينيين أفقا سياسيا عادلا.

فهناك من يذهب أبعد، مستندا إلى السياق التاريخي الإندونيسي، ليقول: إن مشاركة إندونيسيا في القوة ستعد غير شرعية، خصوصا من جانب الفلسطينيين، وسيُنظر إلى جنودها كأداة استعمار جديدة؛ لأن قوة الاستقرار لا تقدم حفظ سلام بل سيطرة على السكان بواسطة قوات أجنبية.

وبالنسبة لدولة مثل إندونيسيا التي ولدت من رحم نضال ضد الاستعمار، فإن هذا وضع يختبر هويتها.

يُذكر أن إندونيسيا كرَّست منذ عقود التزامها بالقضية الفلسطينية من خلال رفضها إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو التزام تاريخي عميق بالنضال المناهض للاستعمار، وقد جرى تثبيته حتى في مقدمة دستورها لعام 1945.

بناء علي تلك المعطيات، تساءلت الصحيفة: "هل يغير كل ذلك من استعدادها المبدئي للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية؟ يبدو أن الاستعداد ما زال قائما".

وتابعت موضحة: "فقد صرح وزير الخارجية الإندونيسي أخيرا بأن بلاده منخرطة بفاعلية في النقاشات حول القوة كخطوة نحو ضمان وقف إطلاق نار دائم وتوفير وصول مفتوح للمساعدات الإنسانية. مؤكدا أن القوة مجرد أداة مؤقتة بينما الهدف النهائي هو السلام على أساس حل الدولتين".

وفي تصريح آخر مشابه، قال قائد الجيش الإندونيسي الجنرال مارولي سيمانجونتاك: إن الجيش بدأ إعداد قوات لمهمة حفظ السلام في غزة.

مضيفا أن الاستعدادات تجري في انتظار نتائج التنسيق الرسمي مع قيادة القوات المسلحة الإندونيسية بشأن متطلبات وخصائص الأفراد الذين سيتم تعيينهم.

وأوضح مارولي أن عملية إرسال القوات إلى غزة لا تزال جارية وتتطلب تنسيقا متعدد المستويات، من الأطراف التي تنسق المهمة في غزة إلى مقر القوات المسلحة الإندونيسية.

وذكر أن دور الجيش الإندونيسي يقتصر حاليا على إعداد القوات وفقا للمتطلبات المطلوبة، وفي الوقت نفسه، يتم اتخاذ القرارات المتعلقة بالمهام ومواعيد المغادرة وموقع المهمة على مستوى القيادة العليا.

وعلقت الصحيفة أنه لا شك أن القيادة الإندونيسية تدرك المخاطر المحتملة للمشاركة في القوة وتسعى لتقليصها في النقاشات الجارية.

وبحسب تقديرها، يبدو أن الرئيس الإندونيسي يتمتع برؤية واسعة، ويمكن الافتراض أن المكاسب الإستراتيجية للمشاركة، من وجهة نظره، تبرر الخطوة.

ومن بين هذه المكاسب: تعزيز العلاقات مع الإدارة الأميركية، وتقوية المكانة الدولية، زيادة الانخراط في الشرق الأوسط بما في ذلك في مرحلة (اليوم التالي).

وربما أيضا تتحرك جاكرتا بدافع تقييم مفاده أن نجاح الخطة الأميركية لإنهاء الحرب في غزة قد يعزز بالفعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو هدف كان التزاما بارزا معلنا في السياسة الخارجية الإندونيسية لسنوات.