موت داخل الأقسام وترحيل على الحدود.. ماذا يحدث للسودانيين في مصر؟

الشاب السوداني محمد آدم يوسف تعرض للاعتقال والتعذيب، وعثر على جثته في أحد مشارح القاهرة وعليها آثار حريق
شكلت مصر، عبر عقود طويلة، امتدادا اجتماعيا وثقافيا طبيعيا للسودانيين، بحكم الجغرافيا المتداخلة ووحدة المصير التي كرسها تاريخ مشترك على ضفتي النيل. وفي كل منعطف سياسي أو أمني كانت القاهرة محطة أولى للهاربين من الاضطرابات، وملاذا أقرب إلى “البيت الثاني” منه إلى بلد لجوء بالمعنى التقليدي.
غير أن الحرب الدائرة في السودان منذ ربيع 2023 دفعت بموجة نزوح غير مسبوقة، وضعت هذا الإرث على محك اختبار قاس. فمع تدفق أعداد تقدر بنحو مليون ونصف مليون سوداني إلى مصر، تبدلت ملامح المشهد تدريجيا، وبدأت تحديات الإقامة والعمل والرعاية القانونية والإنسانية تتصدر يوميات اللاجئين.
وفي ظل ضغوط اقتصادية داخلية وتعقيدات إدارية وأمنية، انتقلت قصص بعض الفارين من أتون الحرب من البحث عن الأمان إلى مواجهة إجراءات احتجاز وترحيل، بل وتسجيل وفيات داخل أماكن التوقيف، وفق تقارير حقوقية متداولة. مشاهد أعادت طرح أسئلة محرجة حول الفجوة بين مفهوم “الملاذ الآمن” والواقع الذي يعيشه جزء من هؤلاء.
وبين تضامن شعبي واسع ومخاوف رسمية من أعباء متزايدة، يقف اللاجئون السودانيون اليوم عند مفترق طرق بالغ الحساسية. فهل تظل مصر مساحة نجاة مؤقتة ريثما تهدأ الحرب، أم تتحول تجربة اللجوء نفسها إلى أزمة جديدة تضاف إلى مآسي النزاع الذي فرّوا منه؟
موت في الأقسام
في 6 فبراير/شباط 2026، تعمّقت صدمة السودانيين في مصر مع تواتر وقائع تتعلق بالوفاة داخل مقار الاحتجاز، بعدما توفي المسن السوداني مبارك قمر الدين (67 عاما) داخل قسم شرطة الشروق بالقاهرة، عقب توقيفه ضمن حملات أمنية استهدفت أجانب مخالفين لشروط الإقامة.
ووفق رواية أسرته ومنصة الجالية السودانية في مصر، كان الرجل يعاني داء السكري وقصور الكلى، واحتُجز تسعة أيام تدهورت خلالها حالته الصحية، رغم تقديم مستندات طبية وإدخال الأدوية إليه، قبل أن يتعرض لنوبة سكر حادة فجر يوم وفاته، في واقعة أعادت إلى الواجهة مسألة الرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز.
وتثير هذه الحادثة شبهة إهمال طبي جسيم، وتضع واجب الرعاية القانونية والإنسانية للمحتجزين تحت المجهر. فحين يكون شخص قيد الاحتجاز وتحت عهدة جهة رسمية، تصبح مسؤوليته الصحية كاملة على عاتقها، ما يطرح سؤالا مباشرا: هل توفرت متابعة طبية ملائمة لحالة مرض مزمن واضحة؟ ومن يتحمل المسؤولية حين تنتهي فترة التوقيف بوفاة؟
وبعد أيام، في 11 فبراير/شباط 2026، أعلنت منظمات حقوقية ووسائل إعلام سودانية وفاة الشاب محمد آدم يوسف (18 عاما)، بعد اعتقاله؛ إذ قالت أسرته إنها عثرت على جثمانه في إحدى مشارح القاهرة وعليه آثار حروق وتعذيب، بحسب إفادة شقيقه.
وذكرت الأسرة أن الشاب غادر منطقة العاشر من رمضان متجها إلى المعادي في 31 يناير/كانون الثاني، وكان يحمل بطاقة لجوء سارية صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وموعدا للحصول على الإقامة.
وتفتح هذه الواقعة بابا لأسئلة أكثر خطورة حول ما يجري في المساحة المعتمة بين لحظة التوقيف وظهور الجثمان، وحول الضمانات الفعلية لحماية حاملي بطاقات الحماية الدولية من التعرض لانتهاكات جسيمة.
فبالنسبة لحقوقيين، لا تبدو الحالتان معزولتين، بل تأتيان ضمن سياق أوسع يشي بتحول الإجراءات الاستثنائية إلى نمط متكرر، ما يجعل كل واقعة جزءا من صورة أكبر تتجاوز حدود الصدفة الفردية.
أفادت منصة "اللاجئين السودانيين"، المعنية برصد أوضاع اللاجئين في مصر، في تقرير يغطي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 ونهاية يناير/كانون الثاني 2026، بوجود تصعيد غير مسبوق في السياسات والممارسات تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء، وترى أن ما يجري تجاوز حدود الإجراءات المتفرقة إلى نمط أوسع وأكثر صرامة.
وبحسب التقرير، فإن الحملات لم تعد تقتصر على ضبط مخالفات إقامة فردية، بل اتخذت –وفق توصيف المنصة– طابعا ممنهجا شمل الإبعاد القسري واستهداف مجتمعات بعينها، من بينها السودانيون.
وتحدثت شهادات جُمعت ميدانيا عن توقيفات في الشوارع ووسائل النقل العام والكمائن الأمنية، إضافة إلى مداهمات لمساكن واحتجاز نساء وأطفال.
الأخطر، كما تقول المنصة، هو ما وصفته بتعطيل فعلي للضمانات القانونية حتى بعد صدور قرارات إخلاء سبيل، بحيث يتحول الاحتجاز من مسار قضائي إلى إجراء إداري وأمني مغلق، قد ينتهي بالترحيل أو التهديد به.
هذه النقطة تحديدا تفسر شعورا متزايدا لدى لاجئين بأن باب الخروج القانوني قد لا يُفتح حتى عندما يظنون أن المسألة انتهت بقرار قضائي.
من زاوية دولية، سبق أن اتهمت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية باحتجاز وترحيل سودانيين دون إتاحة فرصة فعلية لطلب اللجوء، فيما أشارت تقارير صحفية إلى توقيفات استهدفت أشخاصا سود البشرة في مناطق مثل القاهرة والجيزة وأسوان منذ 2023.
كما نشر موقع ألترا سودان في ديسمبر/كانون الأول 2025 تحقيقا تناول تصاعد عمليات التوقيف والترحيل، وربط ذلك بتشدد تطبيق قوانين الإقامة، وطول إجراءات التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وما يترتب على ذلك من مخاطر الاحتجاز في محافظات عدة.
حضور ملحوظ
تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين في مصر يعيشون في بيئة حضرية مفتوحة، ويتمركزون بدرجة كبيرة في القاهرة الكبرى والإسكندرية والشرقية ودمياط ومدن أخرى. هذه الطبيعة الحضرية تعني أن وجودهم ليس معزولا في مخيمات، بل مندمجا في نسيج مدن مكتظة ومعقدة.
داخل القاهرة نفسها، تقدم بعض الدراسات الميدانية صورة أكثر تفصيلا لتوزيعهم في أحياء بعينها. فقد أشار مسح صحي أجرته المفوضية عام 2024 حول الوصول إلى الخدمات الصحية إلى حضور ملحوظ في دوائر مثل عين شمس والمعادي وشرق مدينة نصر، وهي مناطق تشهد كثافة سكانية مرتفعة وتداخلا يوميا في الإيجارات والمدارس والعمل غير الرسمي ووسائل المواصلات.
ولا تبدو هذه مجرد تفاصيل جغرافية، بل مفاتيح لفهم حساسية المشهد. فعندما يعيش اللاجئون في قلب المدن، يصبح أي تشديد أمني مفاجئ في الشارع أو الكمائن أو وسائل النقل عاملا مباشرا في حياتهم اليومية.
كما تبرز مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة بوصفها عقدة مهمة، لاحتضانها مكتب المفوضية الذي يقصده آلاف السودانيين، في طوابير تمتد لساعات طويلة، بما يعكس حجم الضغط على مسار التسجيل والملفات.
وفي الجنوب، تظل أسوان نقطة عبور وتمركز أساسية لكثير من القادمين عبر الحدود، سواء كمحطة مؤقتة أو إقامة أطول لمن لا يستطيعون تحمل كلفة العيش في العاصمة.
وتظهر القاهرة الكبرى والإسكندرية كذلك في تقارير صحية دولية تناولت استجابة المؤسسات المصرية لتدفقات القادمين من السودان، ما يعكس اتساع رقعة الانتشار.
في خضم هذا المناخ، عبّرت نقابة الصحفيين السودانيين في بيان صادر يوم 7 فبراير/شباط 2026 عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية والاحتقان على منصات التواصل الاجتماعي بين بعض السودانيين والمصريين، خاصة تجاه اللاجئين.
وأشارت النقابة إلى أن مصر تحتضن أعدادا كبيرة من السودانيين وتوفر لهم ملاذا في ظروف بالغة الصعوبة، محذّرة من أن التصعيد الرقمي قد ينعكس على الأرض ويزيد من هشاشة أوضاعهم، وداعية الإعلاميين إلى التحلي بالمسؤولية المهنية ومحاربة الشائعات وخطاب العداء.

السفارة تحت الضغط
في مؤتمر صحفي عُقد بالقاهرة نهاية يناير/كانون الثاني 2026، أعلن سفير السودان لدى مصر الفريق عماد عدوي أن نحو 400 سوداني يقبعون في السجون المصرية، مشيرا إلى أن السلطات المصرية رحّلت 2970 سودانيا خلال عام 2025. وأكد أن السفارة مستعدة لتقديم العون لرعاياها، داعيا السودانيين إلى مراجعة مقرها في منطقة التجمع الخامس لتلقي الدعم القنصلي اللازم.
غير أن السفارة تواجه، في المقابل، انتقادات من بعض أبناء الجالية الذين يرون أن تدخلها لم يكن كافيا للإفراج عن محتجزين خلال الحملات الأمنية الأخيرة.
ويأتي ذلك في سياق أوسع تشير فيه بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 1.5 مليون سوداني لجأوا إلى مصر منذ اندلاع الحرب، وأن عددا كبيرا منهم دخل عبر طرق غير نظامية في شمال وشرق السودان بسبب قيود التأشيرات، ما يزيد تعقيد أوضاعهم القانونية.
وفي 12 فبراير/شباط 2026، نشر المحامي الحقوقي وليد الطاهر، المتخصص في إرشادات شؤون اللاجئين، تدوينة مطولة على منصة فيسبوك قال فيها إن السودانيين في مصر يعيشون “واحدة من أقسى فترات الاضطهاد والانتهاك الإنساني”، ويرى أن العودة القسرية باتت واقعا يُفرض بالقوة لا بالاختيار.
وأشار الطاهر إلى أن “القبض يتم في الشوارع والمنازل دون أوامر قانونية، وأن الاحتجاز يجري في ظروف مهينة، وأن الأطفال يُحبسون مع ذويهم في مخالفة للمعايير الدولية، وأن بعض الأسر يُطلب منها دفع مبالغ مالية مقابل الإفراج عن ذويها”.
وأضاف أنه حتى حاملي بطاقات اللجوء أو الإقامة الرسمية “لم يعودوا في أمان”، مقدرا أن ما يحدث يتجاوز المخالفات الفردية إلى نمط انتهاكات منظم يهدد آلاف الأسر.
ورغم أن هذه الشهادة تعكس وجهة نظر صاحبها، فإنها تضيف بعدا إنسانيا للنقاش القانوني والسياسي الدائر، وتسلط الضوء على شعور متنام بالهشاشة داخل أوساط الجالية السودانية، في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الأمنية مع المخاوف الحقوقية والرهانات الدبلوماسية.
خط أحمر
قال المحامي الحقوقي المصري مصطفى عزالدين، في تصريح لـ"الاستقلال"، إن جوهر النقاش القانوني الدائر بشأن أوضاع السودانيين في مصر يتمحور حول مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، مؤكدا أن هذا المبدأ ليس بندا شكليا يمكن تجاوزه، بل يمثل العمود الفقري لمنظومة الحماية الدولية بأكملها.
وأوضح عزالدين أن أي إجراء يتعلق بتوقيف أو ترحيل لاجئ أو طالب لجوء يجب أن يسبقه فحص فردي دقيق لكل حالة، قائلا: “السؤال هنا مباشر وواضح: هل تُدرس الحالات فرديا قبل اتخاذ القرار؟ هل يُمنح الشخص فرصة حقيقية لإثبات حاجته إلى الحماية؟ أم أن الأمر يُدار أحيانا بمنطق جماعي يخلط بين المخالفة الإدارية والوضع القانوني للاجئ؟”
وشدد على أن الفرق بين مخالفة إقامة ووضع حماية دولية هو “خط أحمر” قانوني لا يجوز تجاوزه، مضيفا أن من يحمل بطاقة صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو لديه موعد إقامة رسمي، لا ينبغي أن يدخل تلقائيا دائرة الاشتباه أو التوقيف لمجرد وجوده في الشارع.
وحتى من لا يحمل أوراقا مكتملة، بحسب قوله، تظل له حقوق إجرائية واضحة بموجب القانون الدولي، وأي قرار قد يعرض حياته للخطر يجب أن يسبقه تمكين فعلي من الدفاع عن نفسه وطلب الحماية.
وأشار عزالدين إلى أن مصر تواجه تحديات حقيقية، من أزمة اقتصادية وضغوط اجتماعية وتوترات إقليمية، وأن ملف الهجرة يتقاطع مع تقديرات الأمن والسيادة، لكنه شدد على أن ذلك لا يعفي الدولة من التزاماتها القانونية والإنسانية، خاصة في ملف ذي خصوصية تاريخية وأخلاقية مثل ملف السودانيين.
ولفت إلى أن المجتمع السوداني في مصر يتمركز في القاهرة الكبرى والإسكندرية وأسوان ومحافظات أخرى، ويعيش في أحياء مكتظة ويعتمد على اقتصاد هش، ويقف لساعات طويلة في طوابير لتجديد أوراق الحماية.
وتوقف عزالدين عند وقائع الوفاة داخل الاحتجاز، ويرى أن حالتي مبارك قمر الدين، الذي توفي داخل قسم شرطة الشروق، ومحمد آدم يوسف، الذي أعلنت أسرته العثور على جثمانه بعد توقيفه، ليستا مجرد خبرين عابرين، بل إنذار قانوني وأخلاقي خطير.
وقال: إن أي وفاة داخل مكان احتجاز تضع الدولة أمام التزام واضح بالتحقيق المستقل والشفاف، لأن الشخص يكون في عهدتها الكاملة، وأي خلل في الرعاية الطبية أو إجراءات التوقيف قد يفضي إلى نتائج مأساوية.
وختم الحقوقي المصري تصريحه بالتأكيد على أن السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين اليوم بسيط في صياغته لكنه قاس في مضمونه: هل يبقى اللجوء لجوءا فعلا، أم يتحول تدريجيا إلى احتجاز؟ مقدرا أن الإجابة عن هذا السؤال تمثل الاختبار الحقيقي لاحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، ولطبيعة العلاقة التاريخية بين الشعبين في هذه المرحلة الدقيقة.
المصادر
- وفاة مواطن سوداني داخل قسم شرطة تعمق أزمة اللاجئين في مصر
- مصر: لجنة العدالة ترصد وفاة لاجئ سوداني نتيجة الإهمال الطبي داخل قسم شرطة بالقاهرة وتطالب بالتحقيق والمساءلة
- سودانيون في مصر لـ«القدس العربي»: نخشى الخروج من منازلنا
- «ضيوف مصر» في خطر
- منظمات حقوقية ومدنية سودانية ودولية تطالب بوقف ترحيل السودانيين من مصر













