واشنطن تعاقب 14 مصرفا عراقيا.. كيف تؤثر الخطوة على الاقتصاد المأزوم؟

يوسف العلي | منذ ٩ أشهر

12

طباعة

مشاركة

في ضربة جديدة، فرضت وزارة الخزانة الأميركية في 19 يوليو/تموز 2023، عقوبات على 14 مصرفا عراقيا، الأمر الذي تسبب بتراجع الدينار المحلي أمام الدولار الأميركي، وفتح باب التساؤل واسعا عن السيناريوهات المحتملة التي قد تواجهها البلاد.

جاءت هذه الخطوة بعد 8 أشهر من فرض عقوبات مماثلة على 4 مصارف عراقية بسبب تعاملات مالية مع إيران وأخرى مرتبطة بعمليات غسل أموال، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وعلى ضوء ذلك، بلغ سعر الصرف في السوق الموازي حتى يوم 29 يوليو 2023، 1520 دينارا مقابل الدولار الأميركي، بعدما كان قبل العقوبات يعادل 1480 دينارا، رغم أن السعر الرسمي الذي يبيعه البنك المركزي العراقي عبر نافذة بيع العملة يساوي 1320 دينارا.

سيناريوهات محتملة

وفي تكهنات عن السيناريوهات المحتملة، قال الخبير الاقتصادي العراقي، صفاء الشمري حلال مقابلة تلفزيونية في 21 يوليو 2023، إن "البنك المركزي العراقي كان يعلم بتحويل هذه المصارف الدولار إلى إيران، لذلك نحن نواجه اليوم مشكلتين".

وأوضح: "الأولى هي التقرير الذي سيصدر من مجموعة العمل المالي الدولية (إف أي تي أف) بعد اجتماعها في سلطة عمان خلال شهر نوفمبر 2023، والذي قد يسبب للعراق انهيارا ماليا"، دون الحديث عن تفاصيل أكثر.

وأضاف الشمري أن "الأمر الثاني هو فرض العقوبات على البنك المركزي العراقي من الفيدرالي الأميركي ووزارة الخزانة الأميركية في الشهر ذاته بعد التقرير الذي يصدر من منظمة العمل المالي".

وتعمل مجموعة العمل المالي (منظمة حكومية دولية) التي تأسست عام 1989، على سن المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح.

كما تعمل على تقييم مدى التزام الدول بتلك المعايير، فهي تستهدف حماية النزاهة المالية على الصعيد الدولي، ولديها 37 عضوا في المنظمة، منها المملكة العربية السعودية.

ولفت الشمري إلى أنه "بموجب التقرير ستوقف جميع التعاملات المالية مع المصارف العراقية كافة، وأولها البنك المركزي، وفق المعطيات الموجودة حاليا، وهي عمليات غسيل الأموال، وعدم تشغيل المنصة الإلكترونية (نظام سويفت) بالشكل الصحيح، والعقوبات التي فرضها الفيدرالي الأميركي".

وبناء على ذلك، يرى الشمري أن "الفيدرالي الأميركي سيوقف حساب العراق لديه، والذي تودع فيه مبيعات النفط بالدولار، لأن البنك المركزي العراقي أصبح مؤسسة غير موثوقة في الحفاظ على هذه العملة".

 وعلى هذا الأساس، حذر الخبير الاقتصادي من أن "العراق مقبل على أمرين، الأول هو العودة إلى خيار النفط مقابل الغذاء والدواء، أي أن الدولار سيعطى فقط لشراء هذين الشيئين".

وفي مرحلة العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس الأمن على العراق عام 1990 جراء غزوه الكويت، وضع برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء برعاية الأمم المتحدة، أي بمعنى أن البلد لا يستطيع التصرف بأموال مبيعاته النفطية سوى لهذين الخيارين.

وتابع: "الأمر الثاني هو، أن يعطي الفيدرالي الأميركي الدولار إلى العراق على مقدار الحاجة حتى يتمكن من دفع رواتب الموظفين، وذلك بعد تحويله إلى الدينار المحلي".

وفي خطوة لتدارك انهيار العملة، قرر البنك المركزي السماح لشركات الصرافة بالدخول في مزاد العملة وشراء الدولار من البنك المركزي بالسعر الحكومي (1320 دينارا مقابل الدولار).

لكن اللجنة المالية النيابية، انتقدت هذا القرار على لسان نائب رئيسها أحمد مظهر، الذي توقع خلال تصريح نقلته وكالة "شفق نيوز" العراقية في 26 يوليو 2023 أن يؤدي ذلك إلى عقوبات أميركية جديدة على البلاد.

وقال مظهر إن "البنك المركزي اتخذ قرارا خاطئا حين سمح لشركات الصيرفة ببيع الدولار بشكل مباشر للمواطنين الراغبين بالسفر خارج العراق"، متسائلا: "نحن لا نعرف كيف اتخذت إدارة البنك المركزي هكذا قرار؟".

وبين البرلماني العراقي أن "هذا القرار قد يصطدم بسياسة وزارة الخزانة الأميركية، وربما تصدر عقوبات جديدة قد تطال البنك المركزي إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن".

وأشار إلى أن "العقوبات التي صدرت من وزارة الخزانة الأميركية انعكست سلبا على السوق، وسيستمر سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي بالصعود أكثر".

أبعاد سياسية

وفي المقابل، استبعد الخبير الاقتصادي العراقي، صلاح عريبي، وصول العراق إلى التكهنات التي طرحها بعض الاقتصاديين عن معاقبة البنك المركزي العراقي، ذلك أن الولايات المتحدة ليس من مصلحتها انهيار النظام السياسي الحالي في العراق.

وأضاف عريبي لـ"الاستقلال" أن "المركزي العراقي يحاول قدر الإمكان التعاون وتجاوز الأخطاء التي وصل إليها خلال المرحلة الماضية، وبالتالي فمن غير المنطقي أن يقدم مرة أخرى على خطوات تضعه في هذا المأزق".

وأشار إلى أن "معاقبة المركزي العراقي ستعيد البلاد إلى مسألة النفط مقابل الغذاء والدواء، ولا أعتقد أن هذا من مصلحة واشنطن حسب السياسات القائمة حاليا".

وأكد عريبي أن "البنك المركزي يتخذ حاليا إجراءات عملية على أرض الواقع لتفادي أي عقوبات مستقبلية، وهذا ليس خوفا من فقط قرارات الفيدرالي الأميركي، وإنما خشية من ردة فعل الشارع العراقي وانعكاس ذلك على واقع العراقيين بشكل عام".

ولفت إلى أن "حكومة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تأخذ موضوع العقوبات على محمل الجد، وتحاول معالجة المشكلات"، مبينا أن تطبيق المنصة الإلكترونية بدأ على أرض الواقع.

وذكر أنه من الممكن وضع المصارف الأخرى التي لم تُعاقب تحت المجهر ومراقبة عملها لتلافي الأخطاء.

وأشار عريبي إلى أن "الولايات المتحدة لا تريد للنظام السياسي العراقي الحالي أن ينهار، كونها هي من جاءت به بعد عام 2003، إضافة أن حكومة السوداني حظيت بمباركة واشنطن، وأن تدخلات سفيرتها الأخيرة في بغداد ألينا رومانوسكي بالواقع العراقي دليل على ذلك".

وأكد الخبير الاقتصادي أن "موضوع معاقبة مصارف عراقية ربما يحمل أهداف سياسية، وذلك ردا على اتفاقية الغاز مقابل النفط بين طهران وبغداد، والذي لم يستشر العراق الولايات المتحدة فيها، كما سمعنا بالإعلام".

وفي 11 يوليو/ تموز 2023، وقع مدير مكتب رئيس وزراء العراق، إحسان ياسين العوادي، وسفير طهران في بغداد، محمد كاظم آل صادق، اتفاقا يقضي بمقايضة الغاز الإيراني المستورد والمشغّل لمحطات إنتاج الطاقة الكهربائية، بالنفط الخام العراقي والنفط الأسود.

كما تحدث عريبي عن "وجود وثيقة تتضمن بنودا عدة سبق أن وقع العراق عليها خلال مفاوضات سابقة مع الفيدرالي الأميركي، وفي حال عدم الالتزام بها سيتعرض إلى عقوبات".

وتابع قائلا: "العراق طلب من الفيدرالي الأميركي معرفة الانتهاكات التي مارستها المصارف المعاقبة أخيرا، لكن في المحصلة الولايات المتحدة، لديها مجساتها الخاصة وتعرف أين يذهب الدولار".

وأردف: "لو كان هناك التزام من هذه المصارف المعاقبة لما وصلنا إلى المرحلة التي نحن فيها الآن، ونتمنى ألا يتكرر هذا في الأيام المقبلة، وستكون هناك جدية أكبر من الحكومة العراقية لمراقبة الدولار خوفا من أي سيناريو مظلم".

وتوقع عريبي أن "يعود سعر الصرف إلى 1480 دينارا مقابل الدولار الأميركي الواحد، ولا يرتفع إلى 1600 أو 2000 كما يتوقع البعض، لأن إجراءات الحكومة ملحة للحفاظ على قيمة الدينار فهي تخشى من ردة فعل الشارع، خصوصا أن قوى سياسية تترصد ذلك لإسقاطها وتحشيد الشارع ضدها".

وحسب الخبير الاقتصادي، فإن "الموضوع يشكل تحديا كبيرا للحكومة وبالتالي ستكون هناك جدية كبيرة (بالتعامل مع الأزمة)".

ويرى أن الإطار التنسيقي الشيعي (الذي انبثقت منه الحكومة) يسعى لإثبات بأي طريقة كانت بأنه جدير بإدارة الحكم في البلاد ويسير في الاتجاه الصحيح، وأنه لا يريد خسارة الشارع العراقي.

علاج جوهري

وعلى صعيد حلول الأزمة والسيطرة على ارتفاع سعر الصرف، اقترح الخبير الاقتصادي، نبيل المرسومي، إعادة سعر صرف الدولار إلى مستوى ما قبل جائحة كورونا أي إلى مستوى 1180 دينارا لكل دولار.

وقال المرسومي خلال تدوينة على "فيسبوك" نشرها في 28 يوليو 2023 إن "هذا الحل مؤقت، ولن يعالج جوهر المشكلة ولكنه سيوقف النزيف المستمر للدينار العراقي ويعطي للسلطات النقدية فرصة للبحث عن حلول جدية لأصل الأزمة بدلا من الوعود غير القابلة للتنفيذ".

وزاد: "هذه الفكرة سيرفضها الاقتصاديون بعنف، وسينفذها السياسيون ولو بعد حين؛ لأن المعركة الحالية تتعدى سعر الصرف إلى كسر العظام".

وفي ديسمبر/كانون الأول، خفض البنك المركزي العراقي قيمة العملة الرسمية مقابل الدولار الأميركي، في أول إجراء من هذا النوع منذ نصف عقد، وتزامن مع أزمة مالية خانقة تعصف بالبلاد نتيجة انهيار أسعار النفط في حينه.

وبلغ سعر الصرف الذي حدده البنك المركزي في حينها، 1450 دينارا للدولار الواحد، بدلا من السعر السابق البالغ 1190 دينارا.

إذ عزت الحكومة العراقية قرار الخفض إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك النفطية، نتيجة انخفاض أسعار الخام

وعلى ضوء الأزمة الجديدة، دعا رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، في 28 يوليو 2023، الأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة وملاحقة الجرائم الاقتصادية إلى العمل بمنظومة متكاملة ومتواصلة لملاحقة المضاربين ومهربي العملة والمتهربين من دفع الجمارك والضرائب.

وحسب بيان للحكومة العراقية، حذر السوداني خلال اجتماعه مع مسؤولين وممثلين عن الجهات الحكومية والأمنية المعنية من "أنّ هذه الجهود تنال اهتماماً خاصا من قبلنا، باعتبارها ركيزة من ركائز الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد".

وطالب بنشر نقاط تفتيش متحركة أو ثابتة، على الطرق الرئيسة الرابطة بالمنافذ الحدودية من أجل الحد من نقل أو تهريب السلع والبضائع غير المرسّمة، التي تلحق الضرر بالاقتصاد العراقي عبر دخولها غير الشرعي للبلاد.

وتعود الأزمة بالعراق إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عندما فرض الفيدرالي الأميركي قيودا جديدة تمثلت بتطبيق نظام "سويفت" لمراقبة منافذ بيع الدولار في مزاد بيع العملة الأجنبية بالبنك المركزي العراقي، الأمر الذي تسبب بتراجع قيمة الدينار المحلي أمام الدولار بشكل غير مسبوق.

وعقد العراق سلسلة مفاوضات مع البنك الفيدرالي في فبراير/شباط 2023، بخصوص تطبيق نظام "سويفت" (المنصة الإلكترونية) وطالب منه إعطاء حكومة السوداني مهلة في تحسين النظام المصرفي، لكن الجانب الأميركي لم يغير من موقف شيئا.