الجاني والضحية.. تهور ليز تراس لدفع قطار اقتصاد بريطانيا يسقطها تحت عجلاته

علي صباحي | منذ عام واحد

12

طباعة

مشاركة

قبل أسابيع تابع العالم بريطانيا وهي تودع إليزابيث الثانية وتستقبل تشارلز الثالث في مشهد أظهر تنظيما لا تشوبه شائبة، أما اليوم فالعالم يراقب البلاد في ذهول، إذ تتشظى الحكومة، وتعصف الاضطرابات بالاقتصاد.

هكذا لخص الاقتصادي البريطاني المخضرم "أدريان وولدريدج" المشهد الفوضوي الذي تعيشه بريطانيا منذ أسابيع، وسط اضطرابات كبيرة في الشارع، وخلافات علنية داخل حزب المحافظين وحكومته بقيادة ليز تراس التي استلمت منصبها في 6 سبتمبر/ أيلول 2022.

وفي أحدث معالم هذه الفوضى، قدمت تراس استقالتها للملك تشارلز الثالث في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، بعد 45 يوما فقط من توليها المنصب، مع فشل محاولتها للهرب من المسؤولية عبر إقالة وزير ماليتها كواسي كوارتنغ في 14 من الشهر نفسه. 

وأحدثت الميزانية المصغرة التي كشفت عنها تراس قبل نحو شهر، والتي تقوم على تخفيض الضرائب عن الشركات، لتحريك عجلة الاقتصاد وتحقيق نمو وسط مؤشرات على دخول البلاد في ركود، ضجة كبيرة في البلاد، لأنها تتعارض مع غالبية السياسات الغربية الراهنة القائمة على تشديد السياسة النقدية لمواجهة أزمة التضخم العالمي.

وأمام كثرة الاتهامات بالفشل وغياب الرؤية من قبل دوائر اقتصادية وسياسية داخل بريطانيا وخارجها، كانت قد اضطرت تراس للتضحية بكوارتنغ بعد 38 يوما فقط من تعيينه، واستبدلته بجيرمي هانت، ليصبح رابع وزير يشغل المنصب خلال عام 2022.

فيما تتصاعد المخاوف في بريطانيا من أن تسهم هذه الاضطرابات بدخول البلاد في ركود قاس يزيد من وطأة الأوضاع المعيشية الصعبة على المواطن الذي لم يتجاوز بعد آثار الخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، وجائحة كورونا، فضلا عن تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا.

بداية الأزمة

قبل 4 أيام من فوز تراس بانتخابات حزب المحافظين لتخلف رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون، الذي عصفت به فضائح متعلقة بقيود كورونا وغموض سياسة حكومته المالية، تراجع ترتيب بريطانيا على قائمة أكبر الاقتصادات في العالم إلى المركز السادس بعد الهند، وفق وكالة "بلومبيرغ" الأميركية.

وهو ما مثل ضربة جديدة لحكومة تراس الجديدة التي وعدت بإعادة تشكيل الاقتصاد البريطاني بشكل جذري لإنهاء سنوات من النمو البطيء، ومواجهة التكاليف المعيشية القاسية في البلاد.

وتسلمت تراس من جونسون شؤون البلاد وهي تواجه أعلى معدل تضخم منذ أربعة عقود تجاوز 10 بالمئة، مع ارتفاع مخاطر الركود الاقتصادي الذي توقع بنك إنجلترا المركزي استمراره حتى 2024.

ولدفع عجلة النمو وزيادة التوظيف، كشفت حكومة تراس عبر وزير ماليتها كوارتنغ في 23 سبتمبر عن حزمة تحفيز تتضمن تخفيضات ضريبية بقيمة 45 مليار جنيه إسترليني (50 مليار دولار)، يجرى سدادها عن طريق الاقتراض الحكومي.

وتسببت خطة الحكومة في جدل اقتصادي واسع، نظرا لأن تراس وكوارتنغ لم يوضحا كيفية سداد ذلك الاقتراض على المدى الطويل، ما عزز الانتقادات السابقة لتراس بأنها تفتقر لرؤية اقتصادية رشيدة.

كما أن التخفيضات الضريبية شملت إلغاء أعلى معدل لضريبة الدخل التي تستهدف البريطانيين الأكثر ثراء، لا سيما شركات الطاقة المستفيدة من الأزمة العالمية الراهنة، ما دفع المستثمرين للتخلي عن الجنيه الإسترليني وسندات الخزانة البريطانية.

وفي صورة دراماتيكية، انخفض الجنيه الإسترليني إلى ما دون 1.11 دولار للمرة الأولى منذ عام 1985، لتصل نسبة انخفاضه إلى 19 بالمئة منذ بداية 2022، فيما سجلت سندات الخزانة البريطانية لأجل خمس سنوات، أكبر انخفاض يومي لها على الإطلاق.

ودافعت تراس عن خطتها في تعليقات عبر برنامج "حالة الاتحاد" على شبكة "سي إن إن" الأميركية في 25 سبتمبر، قائلة: "نحن بحاجة ماسة إلى تحفيز النمو في وقت صعب للغاية بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي".

وفي هذا الإطار، أعلنت عن نيتها زيادة الهجرة لتعزيز النمو الاقتصادي، ومعالجة النقص الحاد في العمالة وجذب أفضل المواهب من جميع أنحاء العالم.

ومن أكثر ما أثار المخاوف بشأن الخطة، أنها بينما تشجع على الإنفاق عبر تقديم أكبر حزمة من التخفيضات الضريبية منذ 50 عاما، ودعم فواتير الطاقة، يشدد بنك إنجلترا في المقابل على السياسة النقدية عبر رفع معدلات الفائدة للسيطرة على التضخم.

ومنذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، رفع بنك إنجلترا معدل الفائدة سبع مرات، وصولا إلى 2.25 بالمئة، كان آخرها في 22 سبتمبر، إذ رفعها بمقدار 0.5 بالمئة.

جدل كبير

من جانبه، انتقد صندوق النقد الدولي خطة كوارتنغ وتراس متوسطة الأجل التي سميت بالميزانية المصغرة، مؤكدا أنها ستفاقم زيادة الأسعار مع صعود التضخم في البلاد إلى نحو 11.3 بالمئة، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ عام 1982.

وأوضح خلال بيان في 28 سبتمبر أن الخطة ستخفض السقف الضريبي على الشريحة العليا من الدخول، وتنهي سقف الدخل المفروض على موظفي البنوك، ما سيزيد انعدام العدالة بين المواطنين، وسيضع المزيد من الضغوط على الاقتصاد.

فيما نقلت بلومبيرغ عن المحلل البريطاني دان هانسون قوله إن "السياسات المعلنة في الميزانية المصغرة التي قدمها كوارتنغ، ستوفر للاقتصاد فورة نشاط خلال 2023، لكننا نشك كثيرا في أنها ستؤدي إلى إحداث تحول في النمو الذي تعول عليه الحكومة".

وأضاف في 23 سبتمبر أن "هذا يعني أنها سترفع التضخم، في وقت يحاول فيه بنك إنجلترا تهدئة ضغوط الأسعار، ولأن حزمة السياسة الاقتصادية لا يتوافر لها التمويل، فإنها تضع الدين على مسار غير مستدام".

وهو ما اتفق معه محمد العريان مستشار شركة الخدمات المالية العملاقة "أليانز"، بالقول إن الوزير كوارتنغ مخطئ في هدوئه بشأن رد فعل السوق على الميزانية المصغرة، بل يجب عليه أن يولي اهتماما وثيقا، وإلا "فإن ما يحدث بالأسواق يمكن أن يتضاعف ويقوض ما يحاول فعله".

وأضاف العريان في حديث لبرنامج "توداي" الذي يبثه راديو "بي بي سي"، أن التحركات في العائدات والجنيه الإسترليني ستترجم إلى "رياح تضخمية مصحوبة بركود أقوى"، وهذا يتعارض مع دفع تراس للنمو.

من جانبها علقت محللة الأمن القومي الأميركية إيمي ماكينون على الخطة قائلة إن ما فعلته تراس وكوارتنغ أحدث صدمة في الأسواق وتسببا في أزمة ثقة بقدرة الحكومة البريطانية الجديدة على إنقاذ اقتصاد البلاد المتعثر من حافة الركود.

وأضافت أن الأزمة نمت بشكل حاد لدرجة أن بنك إنجلترا قال إنه سيعكس خطته السابقة لبيع السندات، وسيبدأ بدلا من ذلك في شراء السندات لدعم السوق المنهارة، محذرا من أن استمرار التقلبات يشكل "خطرا ماديا على الاستقرار المالي في المملكة المتحدة".

وأشارت في مقال بمجلة فورين بوليسي الأميركية في 28 سبتمبر، إلى أن اقتصاد بريطانيا كان بالفعل ضعيفا أصلا بسبب حالة عدم اليقين بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ توقف الاستثمار الأجنبي وتراجعت التجارة مع التكتل الذي كان الشريك التجاري الأكبر للبلاد.

وتوقعت ماكينون أن يؤدي انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني على المدى القريب إلى زيادة تكلفة الواردات، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة المعيشة والتضخم في دولة تستورد حوالي نصف طعامها ووقودها بالإضافة إلى السلع الأساسية الأخرى.

وأردفت أن بنك إنجلترا سيضطر على رفع أسعار الفائدة ردا على ذلك، ما يضعه في موقف غير معتاد بمحاولة الضغط على المكابح بينما تحاول الحكومة تسريع المحرك.

حملة مضادة

وهو ما حدث بالفعل، إذ تدخل بنك إنجلترا، في 28 سبتمبر، لوقف انهيار الجنيه الإسترليني، عبر برنامج لإعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل تصل قيمتها إلى 65 مليار جنيه إسترليني (73 مليار دولار)، لمعالجة التقلبات واستعادة النظام في السوق.

وأمام الفوضى الحكومية، كان أمام بنك إنجلترا خمسة خيارات للتعامل مع انهيار العملة البريطانية، وفق مصرف "أي أن جي" الهولندي.

وهي رفع كبير وسريع في سعر الفائدة المصرفية، أو اللجوء إلى شراء السندات الحكومية من السوق، أو التراجع عن سياسة خفض الضرائب ودعم الإنفاق الحكومي، أو الحصول على برنامج تمويلي كبير من صندوق النقد الدولي، أو وضع ضوابط على حركة رأس المال.

ولوقف التمرد المتصاعد في الشارع وداخل حزب المحافظين، اضطرت تراس إلى العدول عن خططها لخفض أعلى معدل لضريبة الدخل التي كانت تستهدف البريطانيين الأكثر ثراء، في وقت يعاني المواطنون العاديون من أسوأ أزمة تكاليف معيشة منذ أجيال.

وقالت تراس لشبكة "سكاي نيوز" البريطانية في الثاني من أكتوبر، "أعتقد أنه لا يوجد أي عيب في أن ينصت الزعيم إلى الشعب ويستجيب، وهكذا أنا"، ملمحة إلى مسؤولية وزير المالية عن هذه الإجراءات، ما أثار ردود فعل منددة.

فيما أكدت لإذاعة "إل بي سي" البريطانية في اليوم ذاته أنها "عازمة على المضي قدما في حزمة النمو هذه"، مشددة على بند آخر ضمن الخطة يقوم على وضع سقف لفواتير الطاقة المرتفعة.

وأفادت تقارير بريطانية بأن تراس وكوارتنغ سيقدمان موعد عرض خطتهما لشرح كيفية سداد ذلك الاقتراض، بعدما شددا سابقا على أنها لن تطرح قبل 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

ومن شأن هذا التحرك أن يخفض الضغط على بنك إنجلترا قبيل اجتماعه المرتقب لتحديد معدل الفائدة في 3 نوفمبر، الذي قال بشأنه إنه "سيشهد رفعا للفائدة بشكل أكبر من المتوقع".

وفي الشارع، زادت كثافة التظاهرات من قبل آلاف البريطانيين طوال سبتمبر، احتجاجا على غلاء المعيشة، فيما تشهد البلاد بالفعل منذ مطلع 2022 سلسلة إضرابات نفذها آلاف العمال والموظفين للمطالبة برفع الأجور.

وفي الثاني من أكتوبر تظاهر مئات البريطانيين تزامنا مع المؤتمر السنوي لحزب المحافظين في برمنغهام وسط البلاد، احتجاجا على سياسة الحكومة.

وهاجمت لافتات حزب المحافظين كتب عليها "ليسوا موضع ترحيب هنا" فيما هتف آخرون "افرضوا ضرائب على الأغنياء وليس على الفقراء".

الجاني والضحية

ويبدو أن تراس قررت التضحية بصديقها القديم، كوارتنغ، ككبش فداء، للتخفيف من الضغوط الشعبية والحزبية عليها، مع إظهار مراكز استطلاع رأي مثل معهد "يوغوف" تهاوي شعبيتها بشكل كارثي قبل مرور شهر على تولي منصبها، وقبل سنتين من الانتخابات العامة المقبلة.

وفي 14 أكتوبر أعلن وزير المالية البريطاني كوارتنغ أنه قدم استقالته إلى تراس بعد أن طلبت منه التنحي عن منصبه.

وأدى خبر إقالته إلى هبوط الجنيه الإسترليني مقابل الدولار بنسبة 1,1 بالمئة ليسجل 1,1199 دولارا.

فيما أعلنت تراس في اليوم ذاته تعيين جيرمي هانت وزيرا جديدا للمالية، ليصبح بذلك رابع وزير يشغل المنصب خلال عام 2022.

وقالت تراس، في مؤتمر صحفي، إنها ستعيد النظر في خطتها، مقرة أنها جرت بخطوات أسرع وتيرة وأبعد مدى من المتوقع.

وأعربت عن أسفها الشديد لخسارة كوارتنغ كوزير للمالية، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنها ستطرح خطة مالية متوسطة المدى نهاية أكتوبر، بها مزيد من التفاصيل بشأن الضرائب وخطط الإنفاق.

وفي تعليقه على هذا المشهد، قال المحلل أدريان وولدريدج: "الوضع السياسي كئيب وسريالي في الوقت ذاته. عاد وزير الخزانة كوارتنغ مسرعا من اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين في أميركا لإقالته من منصبه، بعدما شغله 38 يوما".

وأضاف خلال مقال في وكالة بلومبيرغ في 15 أكتوبر، "وفق عديد من المحافظين، هذه أسوأ أزمة شهدوها في حياتهم، ولا يمكن مقارنتها سوى مع المواجهة مع مصر حول قناة السويس في عام 1956، أو حتى أزمة مايو 1940 خلال الحرب العالمية الثانية".

وتابع وولدريدج: "تحاول الحكومة البقاء على قيد الحياة بسياستها الحالية وهي في حالة يرثى لها.. على الأقل في عام 1940، كان لدينا تشرشل".

وأوضح أن "قرار تراس بالتضحية بوزير ماليتها والتراجع عن جزء كبير من ميزانيته المصغرة، قد يكسبها القليل من الوقت، ويعيد بعض الاستقرار إلى السوق، لكنه يثير سؤالا آخر: إذا كان بإمكان كوارتنغ الرحيل، فلماذا لا تغادر تراس؟".

ولفت إلى أن من أبرز المقترحات لتجاوز الأزمة، "استبدال تراس بمنافسها في خلافة جونسون، وزير المالية السابق ريشي سوناك صاحب الخبرة، الذي تغلب عليها بين أعضاء البرلمان لكن لم ينتخبه أعضاء الحزب".

وأردف أنه "من الواضح أن سوناك كان يعلم أن تراس تخوض مغامرة غير محسوبة العواقب، وكان محقا في تحذير المحافظين من أن السياسات الاقتصادية التي تنتهجها ستؤدي إلى كارثة".

وتحققت نبوءة وولدريدج، فالضغوط على رئيسة الوزراء لم تهدأ، وبعد نحو أسبوع من الاضطرابات والفوضى السياسية والاقتصادية، ومطالبة أكثر من 13 برلمانيا من الحزب الحاكم صراحة بإقالتها، استسلمت تراس وقدمت استقالتها للملك تشارلز الثالث في 20 أكتوبر.