فشلت بالمتوسط.. هل تنجح فرنسا في بسط نفوذها بالمحيطين الهندي والهادي؟

قسم الترجمة | منذ ٥ أعوام

12

طباعة

مشاركة

في محاولة منها للهروب من تضييق ألمانيا عليها في القارة العجوز، ومن أدوار تركيا بالبحر المتوسط، تحاول فرنسا جاهدة استعادة مجدها القديم بالبحث عن موطئ قدم لها في منطقة المحيطين الهندي والهادي، لما لتلك المنطقة من أهمية إستراتيجية وتجارية واقتصادية.

نشر "مركز أنقرة لدراسة السياسات والأزمات"، مقالا للكاتب والباحث التركي مصطفى جيم كويونجو، أكد فيه أن استخدام مفهوم المحيطين الهندي والهادي أصبح شائعا في أدبيات العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة.

الباحث، أرجع السبب في ذلك إلى أن ما يقرب من 60 بالمئة من سكان العالم يعيشون في هذه المنطقة، وأن ثلث التجارة العالمية يمر عبر المحيطين، وأن هذه المنطقة تحتضن خطوط العبور المهمة.

وأضاف: لقد كان صراع القوى بين أميركا والصين سببا آخر لبروز هذا المصطلح.

ويبدو أنه أصبح من المحتم على البلدان المختلفة أن تضع إستراتيجيات بشأن هذه المنطقة بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والسياسي والعسكري والاجتماعي للمنطقة.

فرنسا، وفق كويونجو، إحدى البلدان التي تأتي على رأس القائمة في هذا الإطار.

الوجود الفرنسي

ويرى الباحث أن فرنسا تبرز كدولة قوية في المنطقة بجزرها، إذ تقع سبعة من الأقاليم التابعة لفرنسا في المحيطين الهندي والهادي، يعيش فيها 1.6 مليون فرنسي.

وهي: "مايوت"، و"لا ريونيون"، و"الجنوب الفرنسي"، و"أنتاركتيكا"، و"كاليدونيا الجديدة"، و"اليس وفوتونا"، و"بولينزيا" الفرنسية.

الأقاليم الفرنسية السبعة تغطي مساحة 9 ملايين كم مربع من أصل منطقة اقتصادية فرنسية خالصة تبلغ مساحتها 11 مليون كم مربع.

ويتابع كويونجو، رصده لما تملكه فرنسا في المحيطين، ويشير لوضع قيادة القوات المسلحة الفرنسية في جنوب المحيط الهندي (COMSUP FAZSOI)، وقيادة القوات المسلحة الفرنسية في كاليدونيا الجديدة (COMSUP FANC).

إلى جانب قيادة القوات المسلحة الفرنسية في بولينزيا الفرنسية والمحيط الهادئ (COMSUP FAPF/ALPACI).

كذلك؛ قيادة القوات المسلحة الفرنسية في دولة الإمارات، والمحيط الهندي (COMFOR FFEAU/ALINDIEN)، وقيادة القوات المسلحة الفرنسية في جيبوتي (COMFOR FFDJ).

ويوضح، أنه "بفضل هذه القيادات، تمتلك فرنسا ما مجموعه 7 آلاف جندي في المنطقة: 4100 منهم في المحيط الهندي، و2900 في المحيط الهادي.

إدراك متأخر

يلفت الباحث التركي، إلى أن "العلاقات الاقتصادية بين فرنسا ومنطقة المحيطين الهندي والهادي، تحسنت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة".

باريس، تصدر لدول المنطقة أكثر من ثلث إجمالي صادراتها إلى الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وبلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة لفرنسا في المنطقة 320 مليار يورو، عام 2018، بزيادة قدرها 75 بالمئة، مقارنة بعام 2008.

وإدراكا منها للأهمية المتزايدة لمنطقة المحيطين الهندي والهادي، فقد زاد تأكيد فرنسا على أهمية المنطقة في السنوات الأخيرة.

وطالما تذكر السلطات الفرنسية في تقاريرها الرسمية أهمية تلك المنطقة، إذ تقول وثيقة الدفاع والأمن القومي الصادرة عام 2008: إن آسيا أصبحت المركز الإستراتيجي للعالم،  وفقا للكاتب التركي.

بشأن مضمون الوثيقة يوضح أنها دعت فرنسا للتوجه إلى ما وراء غرب إفريقيا؛ حيث المحيط الهندي بأكمله ومنطقة شرق آسيا.

ويلفت إلى أن وثيقة الدفاع والأمن القومي المنشورة عام 2013، تؤكد على أهمية المحيط الهندي والوصول إلى آسيا عن طريق البحر لكل من أوروبا وفرنسا.

وفي هذا، تشدد الوثيقة على أن المحيط الهندي يشكل مركز الثقل الإستراتيجي في العالم، وفق كويونجو.

سياسات وأهداف

ويشير إلى أن الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، يتابع عن كثب منطقة المحيطين الهندي والهادي منذ اللحظة التي تولى فيها منصبه.

تحاول فرنسا الآن وضع إستراتيجياتها بما يتماشى مع إستراتيجية أميركا، خاصة منذ أن بدأت الأخيرة إستراتيجية "دعم منطقة المحيط الهندي والهادي لتبقى حرة ومفتوحة".

ماكرون، وفي خطابه الذي ألقاه في القاعدة العسكرية في "غاردن آيلاند" في "سيدني" في 3 مايو/ أيار 2018، وصف بلاده بأنها "قوة في المحيط الهندي والمحيط الهادي".

ولأول مرة، يوضح الخطوط العريضة لإستراتيجية باريس التي ستتبعها في المنطقة، وهو ما بدا لاحقا.

وفي عام 2019، نشرت وزارة الدفاع الفرنسية تقريرا بعنوان "إستراتيجية الدفاع الفرنسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ".

وزارة الخارجية الفرنسية من جانبها أعدت وثيقة بعنوان "إستراتيجية فرنسا في المحيطين الهندي والهادئ"، وفقا للكاتب التركي.

ويوضح أنه في أبريل/ نيسان 2021، أعلنت الخارجية الفرنسية عن تقرير بعنوان "شراكات فرنسا في المحيطين الهندي والهادئ" يؤكد محتواه على أهمية التعاون مع دول المنطقة.

ويعلق بالقول: "وهنا، يجب التأكيد على أن الوثيقة التي نشرتها وزارة الدفاع كانت هي البارزة، وحيث وضعت لفرنسا 4 أهداف إستراتيجية في مجال الأمن.

وهي: "حماية المناطق الاقتصادية الخالصة"، و"المساهمة في الحفاظ على أمن المنطقة بالتعاون في المجال العسكري والأمني".

بالإضافة إلى "التعاون مع الحلفاء لضمان الوصول إلى مناطق حرة ومفتوحة في سياق المنافسة الإستراتيجية العالمية والمناطق العسكرية الصعبة".

وأخيرا: "بدء إجراءات شاملة ومتعددة الأطراف للحفاظ على الاستقرار الإستراتيجي والتوازن.

قواعد اللعبة

ويؤكد الكاتب، أن فرنسا التي أعلنت عن مثل هذه الأهداف، بعيدة كل البعد عن قوتها السابقة.

ويعتقد أن هذه المنطقة كانت بمثابة ضوء الأمل الذي تحلم به باريس لتعود "فرنسا كقوة عالمية".

ويصف الوضع الفرنسي ويقول إن "ظلال ألمانيا ابتلعت فرنسا في الاتحاد الأوروبي، وفقدت باريس، قوتها تدريجيا في البحر المتوسط، ويتضاءل نفوذها مع تزايد نفوذ تركيا والصين وروسيا في أفريقيا.

ويرى أن فرنسا لا تمتلك القدرة على "تغيير قواعد اللعبة" في هذه المنطقة.

ويبين أنه "لهذا، فإن إدارة باريس تميل لإظهار اهتمامها بالإستراتيجيات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تقودها أميركيا بدلا من أن تخلق واقعها الخاص".

ويضيف أنها "أثناء ذلك، تحاول قيادة اهتمام الدول الأوروبية بالمحيطين الهندي والهادي رغبة في صياغة سياسات الأخيرة الإقليمية".

وفي هذا، يشكل امتلاكها لكل من الأراضي والجنود في المنطقة ميزة لفرنسا ويعطيها الأفضلية في هذا، حسب رؤية كويونجو.

عقبات كبيرة

ويلفت إلى أن اللاعبين الدوليين مثل الصين وروسيا والهند، الذين وسعوا مجال نفوذهم في منطقة المحيطين الهندي والهادي التي أهملتها باريس لسنوات عديدة، يحدون من قوة فرنسا.

ويختم كويونجو مقاله مشيرا إلى أن مجال مناورات القوى الإقليمية آخذ في الاتساع في الوقت الذي بدأ العالم يرسم صورة متعددة الأقطاب.

ويرى أنه لهذا فإن نجاح فرنسا في منطقة المحيطين الهندي والهادي يعتمد على تطوير سياسة متوافقة مع ديناميكيات القوة الجديدة.

ويعتقد أنه يمكن للتعاون مع دول البحر الأبيض المتوسط، ​​وإفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والسياسات التي ستتبناها للحد من التوترات، أن تؤثر بالإيجاب على أمن فرنسا على خط البحر.

ويقول: "بيد أن باريس تتخذ خطواتها بما يزيد من التوتر في البحر الأبيض المتوسط، مع أنه طريق عبور مهم لها ولأوروبا التي تريد أن تقودها.

ويوضح أن "هذا يعني أن فرنسا تعرقل سياساتها في المحيطين الهندي والهادي بنفسها، ولذلك، ينبغي على فرنسا زيادة تعاونها مع تركيا في البحر الأبيض المتوسط، بدلا مما تفعله في الوضع الراهن.