نزوح وفقر وانهيار.. صحيفة إسبانية ترصد "الأزمة الوحشية" بلبنان

12

طباعة

مشاركة

قالت صحيفة "إلباييس" الإسبانية إن "جائحة كورونا تفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية التي تثقل كاهل لبنان وتدفع الشباب إلى الهجرة".

ونقلت الصحيفة قصة خديجة فارس وزوجها اللذين يعيشان في شقة أرضية مع غرفتين بسيطتين دون نوافذ، أو مياه صالحة للشرب أو كهرباء في حي باب التبانة الفقير في مدينة طرابلس شمالي لبنان، ثاني أكبر مدينة في البلاد.

داخل هذا المنزل، في ظل انعدام الكهرباء، أصبحت الثلاجة عبارة عن خزانة، أما الحمام فهو جماعي ويقع خارج المنزل.

من جانب آخر، تعد العديد من الأرائك التي تم ترقيعها مرات لا تحصى، وصورتان بالأبيض والأسود وفراش، هي كل الأثاث الذي تملكه هذه العائلة.

وبعد أن اعتادوا العيش في حالة فقر، تضع الأزمة الاقتصادية اليوم حياة هذين الزوجين على المحك.

في سن السبعين، يمكن أن ينتهي بهم الأمر في الشارع، بعد أكثر من نصف قرن من العيش هنا، يريد المالك طردهم لتغيير عقد الإيجار القديم.

أزمة وحشية

وأوردت الصحيفة أن هذه العائلة ليست إلا مثالا على 55 بالمئة من السكان، من بين 4.5 مليون لبناني (باستثناء 1.5 مليون لاجئ سوري) الذين جعلتهم الأزمة المالية الوحشية يسقطون تحت خط الفقر، وفقا لبيانات البنك الدولي.

وفي طرابلس، أصبح 8 من بين كل 10 أشخاص يعيشون تحت خط الفقر ويناضلون من أجل البقاء على قيد الحياة، فيما لا توجد علامة على تقديم الحكومة لمساعدات، ولا يأتي إلى هذا الحي، باب التبانة، سوى أعضاء الأحزاب التقليدية، لتوزيع المساعدات على أتباعهم، وبعض الجمعيات التي أنشأها المجتمع المدني مؤخرا.

ونقلت الصحيفة عن الخبيرة اللبنانية في المجال الاقتصادي، علياء مبيض، أن "الأزمة الاقتصادية التي يمر بها البلد هي أكثر حدة من تلك التي شهدها خلال الحرب الأهلية (1975-1990)"، وفي ذلك الوقت، لم تتوقف البنوك وخدمات الدولة عن العمل في جزء كبير من البلاد، حيث لم تكن هناك مواجهات".

وأكدت مبيض أن " الأزمة اليوم تضرب الجميع وفي كل مكان".

وبينت الصحيفة أن "الأزمة كانت تضرب المجتمع اللبناني بالفعل عام 2019، عندما أطلق الشعب موجة من الاحتجاجات طالبوا فيها بإصلاحات ورحيل النخبة السياسية والاقتصادية التي كانت في السلطة منذ 3 عقود، لكن تفشي الوباء أدى إلى إسكات الاحتجاجات تدريجيا، وسارع لبنان بانهياره المفاجئ". 

ويتجلى هذا الانهيار من خلال فقدان الليرة اللبنانية 80 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار، وتجاوز التضخم المفرط نسبة 150 بالمئة في أسعار المنتجات الأساسية، أما البنوك فقد فرضت ضوابط غير رسمية، ووضعت حدا أقصى للأموال التي يمكن سحبها شهريا، وأعلنت الحكومة أول تخلف عن سداد الديون في تاريخها.

وأشارت الصحيفة إلى أن "كورونا أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي أضيف إليها انفجار 4  أغسطس/آب 2020، بسبب رواسب تصل إلى 2700 طن من نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، وهي مأساة تسببت في مقتل 211 شخصا وإصابة أكثر من 6500 وتشريد 350 ألفا من منازلهم".

وعموما، كانت هذه الأزمة بمثابة "الضربة القاضية التي أدت إلى قطيعة حادة بين السكان والطبقة السياسية".

وبعد 9 أشهر من الانفجار، لا يزال التحقيق مشلولا بعد الاتهامات الموجهة إلى أعضاء تلك النخبة السياسية التي فشلت في معالجة الإصلاحات التي تحتاجها البلاد باعتبارهم مسؤولين عن الإهمال، في الآن ذاته، تتهم الآن نفس المجموعة بنقل ثرواتها إلى الخارج بشكل غير قانوني.

وأشارت الصحيفة إلى أن رئيس الوزراء بالنيابة، حسن دياب، استقال في اليوم التالي للمأساة، لكن تشكيل الحكومة الجديدة ما يزال مشلولا ومعها الإصلاحات اللازمة، التي تمثل الشرط الأساسي لفتح المساعدات الدولية وتجنب الانهيار التام للاقتصاد اللبناني.

وتعليقا على ذلك، تقول مبيض: "لن يكون هناك انتعاش إذا لم تنته ثقافة الإفلات من العقاب التي فرضها الزعماء الطائفيون الذين أسسوا نظام الزبائنية واستغلوا موارد الدولة".

غضب شعبي

ونقلت الصحيفة عن إحدى ساكني حي شعبي بطرابلس، رفضت الكشف عن هويتها بالكامل، مخاوفها من انتهاء الدعم للمواد الأساسية، على رأسها الخبز والزيت.

وفي الأحياء الفقيرة للمدينة، توزع الجمعية المحلية "حراس المدينة" 200 وجبة ساخنة يوميا وقت الإفطار، حيث يعيش الغالبية على المساعدات.

وأكد محمد شوب، مؤسس هذه المنظمة غير الحكومية، أن أموال الجمعية "تأتي من الشتات اللبناني".

وتجدر الإشارة إلى أن مجتمع اللبنانيين في الخارج آخذ في التنامي ويكاد يتجاوز بالفعل 4 ملايين مهاجر.

وأوضحت الصحيفة أن "مئات المتطوعين الشباب انضموا إلى هذه المنظمة غير الحكومية عام 2015، عندما أغرقت أزمة إدارة النفايات الحكومية الشوارع بجبال من النفايات، مما أثار غضبا شعبيا".

وأشارت إلى أن "هؤلاء الشباب أنفسهم انضموا لاحقا إلى ثورة 2019، وهم أيضا العمود الفقري لعدد لا يحصى من الجمعيات المدنية غير الطائفية".

وأكدت الصحيفة أن "سكان هذه الأحياء الفقيرة في لبنان لا يملكون تأمينا صحيا أو دخلا لسداد نفقات العلاج".

ونقلت عن أحدهم أنه "في الماضي، كانت الأحزاب السياسية، ولا سيما في أوقات الانتخابات أو الاشتباكات المسلحة، توزع المساعدات مقابل الأصوات، أما الآن، فقد أصبح حتى هذا النوع من الدعم مستحيلا".

وفي ظل الأزمة الاقتصادية، التي مست حتى الأحزاب في لبنان، أصبحت منظمات الإغاثة التي ظهرت خلال الاحتجاجات "آخر آمال" الحياة للفئات الأكثر ضعفا.

وتعليقا على ذلك، أشار أحد السكان قائلا: "لن تخرجنا المساعدات من الأزمة التي استفحلت في البلاد، بل يكمن الحل في توفير الوظائف".

تحويلات المغتربين

وأوردت الصحيفة أن الكثير من اللبنانيين يعيشون على تحويلات المهاجرين، والتي بلغت نحو 5.8 مليارات يورو عام 2019، رغم أن الخبراء يقدرون أنها تصل الآن إلى النصف.

من جهتها، تحذر الخبيرة الاقتصادية مبيض من أن "الأزمة كشفت عن نظام فاشل من المحسوبية والفساد، ومن المفارقات، يمكن لمهندسي هذا النظام استخدامه لصالحهم من خلال استغلال الفقر المتزايد لتعزيز نفس نظام التبعية".

وفي ظل هذا الوضع المتأزم، يحاول الكثيرون مغادرة البلاد، ووفقا لبيانات موقع "ماركو تراندز"، فإن رصيد الهجرة ليس سلبيا فحسب، بل زاد بنحو 47 بالمئة مقارنة بعام 2019.

ونقلت الصحيفة عن رئيس قسم الجراحة في مستشفى نيني بطرابلس، مصطفى علوش، أنه "شهر بعد شهر، يترك المستشفى أفضل الأطباء، وأكثرهم تدريبا وضرورية".

وتجدر الإشارة إلى أن مصطفى كان برلمانيا سابقا، وهو أيضا نائب رئيس حزب "تيار المستقبل" السني بزعامة سعد الحريري، المكلف بتشكيل الحكومة.

ويضيف هذا الطبيب البالغ من العمر 63 عاما في بلد كان حتى هذا العام يقدم أفضل الخدمات الصحية في المنطقة، قائلا: "لا يمكننا حتى استيراد الأجهزة الضرورية أو الملحقات الأساسية بسبب نقص النقد الأجنبي". 

ونوهت الصحيفة بأن "ما تبقى من النقد الأجنبي، الذي قدره البنك المركزي بحوالي 14.100 مليون يورو، فسيتم استنفاذه، بحسب الخبراء، في غضون 6 أشهر أو عام، الأمر الذي سينهي الدعم الحكومي".

يأتي ذلك في وقت تتكاثر فيه الطوابير أمام محطات الوقود والصيدليات في ظل انخفاض قيمة الليرة وندرة المنتجات. 

مثل كثيرين آخرين، يرى علوش أن "اندلاع العنف أمر لا مفر منه".

وختم قائلا: "لقد عشنا ذلك بالفعل في الحرب الأهلية، عندما أجبرنا مسلحون على إجراء عملية جراحية لمريض لا يملك موارد لسداد نفقات العلاج من خلال استهدافنا ببندقية كلاشينكوف".