في إثبات النظام القانوني لجريمة تضليل الرأي العام

تأتي أهمية التأصيل لجريمة توظيف الإعلام في تضليل الرأي العام وبحث النظام القانوني لهذه الجريمة دوليا، من خلال الأسس القانونية التي يلزم توفرها في أي جريمة دولية. ولم يرد ذكر صريح لجريمة تضليل الرأي العام ضمن القوانين الجنائية الدولية، فلا يمنع التصور بأن مجرد النص على جرائم مشابهة لها من حيث الطبيعة والعناصر المكونة، يعتبر في حد ذاته تجريما لفعل التضليل كما في جريمتي الكذب وشهادة الزور.
هي محاولة أيضا لتوجيه أنظار العالم والمتخصصين في حقل التشريع والقانون إلى عِظم هذه الجريمة وخطورتها مع تطور عجلة الحياة التي أفرزت جملة من الأفعال شديدة الضرر على السلم والأمن الدوليين.
ليس هناك أخطر من تضليل الرأي العام بالنظر إلى نتائج هذا السلوك المتمثلة في إشاعة الحروب الدولية والفتن داخل البلدان من قبل جهات دولية وأنظمة مستبدة وجماعات متطرفة. ولأجل إثبات نظام قانوني لجريمة تضليل الرأي العام نعتقد أن عنصرين من الممكن أن يمثلا معيارا لتمييز هذه الجريمة والاعتراف بها ضمن القوانين الداخلية والدولية:
أولا : أهمية تجريم استخدام الإعلام في تضليل الرأي العام.
لم تعد جرائم الحرب مقتصرة في مفهومها على الجرائم التي ترتكب في الصراعات الدولية المسلحة، فقد برزت مع التطور العالي في عالم الإعلام والاتصال، جرائم لم تكن معهودة تعتمد على الدعاية السوداء واستخدام المؤسسات الإعلامية للترويج لجرائم دولية جسيمة تفرض على المشتغلين في القوانين الداخلية والدولية أن يكونوا بموازاة هذا التطور، وكيفية التعامل مع هذه الجرائم والسبل الكفيلة لردعها والقضاء عليها، بعد أن أصبحت عابرة للحدود معتمدة على وسائل التضليل لتسويغ أعمال القتل والتعذيب والترويع والتهجير وارتكاب كل ما يعد فعلا ووصفا من أوصاف الجرائم ضد الإنسانية وركنا من أركانها المادية.
ويعتبر فعل التضليل الإعلامي من أخطر ما يتعرض له الرأي العام من اعتداء، وذلك لمساس هذا الاعتداء بالأبرياء من الناس. وهي جريمة ضد حق (الرأي العام) المفترض أن يحميه القانون من التضليل حماية لأفراد المجتمع من عبث المضللين بحقوقهم والإضرار بها مع الظروف والمتغيرات العالمية نتيجة العدوانات والحروب التي لا تكاد تقف عند حد من الحدود.
هنا تبرز أهمية إلقاء الضوء على نمط جديد من الجرائم الجنائية الدولية، وذلك بالاستخدام الذي ينجم عنه تسخير الإعلام كوسيلة من وسائل التضليل لإرباك الرأي العام وإيهامه، ما يساعد على اتخاذ قرارات منحرفة تجانب الحقيقة وتدخل الوهم في عقول الناس، وبموجبها تترتب الأفعال الجرمية تحت غطاء شرعية الرأي العام المضلـَلة أو المزيـَفة.
وهذا ما حصل ويحصل في الحروب الأمريكية متعددة الجبهات العالمية ومنها ما حصل في غزو واحتلال العراق عام 2003م، باستصدار قرارات تجانب الشرعية الدولية بطريق تسويق الأكاذيب والدعاية السوداء التي أدت إلى الانسياق الخطأ للرأي العام الداخلي والدولي. وما حصل سابقا ويحصل من خلال الجرائم الدولية التي يرتكبها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين. وكذلك ما يحصل اليوم من طرق تضليل وتشويه الثورة العربية الإنسانية في ساحاتها المتعددة بإلحاق أوصاف إجرامية تجعلها في دائرة الإرهاب؛ لتشريع الإجهاز عليها باسم القانون كوسيلة من وسائل التضليل لإجهاض مجموع الإرادات الشعبية للتحرر والانعتاق.
ثانيا: الطبيعة القانونية الدولية لجريمة تضليل الرأي العام.
نعتقد أن الحديث عن الطبيعة القانونية لجريمة تضليل الرأي العام من زاوية عدم ورودها تشريعيا، لا يعني أنها تدور في فراغ تشريعي من الناحية الموضوعية. إذ أن القوانين عامة وإن لم تتبنَّ حقًّا عاما لحماية الرأي العام من الاعتداء، إلا أنه يمكن ممارسة دعاوى المطالبة بالحماية من الاعتداء على هذا الحق.
ووفقا للقواعد العامة للمسؤولية المدنية التي تقضي بأن كل من أحدث بفعله الخاطئ ضررا بغيره يلتزم بتعويضه، أو على مستوى المسؤولية الدولية من خلال الإخلال بحسن النية في التعاملات والأعراف الدولية والتي تمثل أحد أهم مصادر القانون الدولي.
إن عدم الثبات على وصف محدد لتعريف الجريمة الدولية نتيجة لاتساع نطاقها وتعدد أشكالها وأوصافها، يدفع لتبني أطروحات قانونية وحث المجتمع الدولي على استصدار تشريعات متطورة لتجريم أفعال التضليل وانتهاك الرأي العام.
وحالة عدم الثبات عند وصف معين للجرائم الدولية يثبته مجموع التعريفات للجرائم الدولية المتطورة بطبيعتها؛ حيث يصف الفقيه (كلاسيو) الجريمة الدولية بأنها (الفعل الذي يرتكب إخلالاً بقواعد القانون الدولي، ويكون ضاراً بالمصالح التي يحميها ذلك القانون مع الاعتراف لهذا الفعل بصفة الجريمة واستحقاق فاعله العقاب).
ويراها الفقيه (كرافن) بأنها (تلك الأفعال التي تتعارض مع أحكام القانون الدولي وتترتب عليها المسؤولية الدولية، وهي لا تكون إلا للأفعال ذات الجسامة الخاصة التي تحدث اضطراباً وإخلالاً بالأمن العام للمجموعات الدولية). وعنصر التمييز للجرائم الدولية؛ إذن هو الإضرار بالمصالح العامة وإحداث الاضطراب في المجتمع الدولي ونظامه العام ما يترتب إلحاق الضرر بأكثر من دولة.
ووفقاً لهذه التصورات فإن أفعال التضليل والاعتداء على الرأي العام تعتبر جريمة دولية من حيث خطورتها وحدّة جسامتها، وهو ما كانت قد أشارت إليه لجنة القانون الدولي عندما أكّدت أن هناك إجماعاً حول (معيار الخطورة) في تمييز الجرائم الدولية.
ويمكن استخلاص الخطورة من طبيعة الاحتيال والكذب الذين يمثلان صورة من صور فعل التضليل إذا ما وقع على الرأي العام، ويمكن النظر إلى فعل التضليل في دائرة الجريمة من خلال نتائج الفعل النهائية التي تستهدف الإنسانية شعوبا وجماعات وأفراد.
ومن خلال إدراك مفهوم الجريمة الدولية ضمن مفهوم القانون الدولي كونها سلوكا يمثل عدواناً على مصلحة دولية أساسية يحميها هذا القانون. يمكننا تحديد محل جريمة تضليل الرأي العام وهو (حق الرأي العام نفسه) الجدير بالحماية إذا ما تم الاعتداء عليه بالتضليل، إذ أن انتهاك هذا الحق سيلحق الضرر باتخاذ القرارات التي تعتمد الرأي العام أساسا لها.
والرأي العام يقع ضمن الحقوق المدنية والسياسية التي غالبا ما يطلق عليها الجيل الأول من الحقوق، بحسب المواثيق الدولية والعالمية، ويمكن القول إن مجموعة الحقوق هذه تشكل تلك الحقوق الفردية التي يجب أن يتمتع بها الفرد بصفته فردا ضمن الجماعة، وقد أولى المجتمع الدولي اهتماما كبيراً لمجموعة الحقوق هذه من حيث وضع معاييرها أو مراقبة تطبيقها.
وبالرغم من شيوع مبدأ الشرعية الجنائية (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، هذا المبدأ المهم الذي كثيرا ما يتعرض للنقد. من جهة كونه يؤدي أحيانا إلى جمود القاعدة القانونية أمام تطورات الحوادث والوقائع التي قد تصبح معها بعض الأفعال ضارة بفعل التطور وتنامي متطلبات الحياة. ما يشكل خطرا على المجتمع وكيانه الإنساني وسلامة أفراده.
وهنا يأتي الحديث عن القيمة القانونية لجريمة تضليل الرأي العام عن طريق توظيف الإعلام التي يفترض أنها نوع من أنواع الجرائم التي لا يقتصر أثرها على فرد أو بضعه أفراد بل يتجاوز أثرها إلى الخيارات المجتمعية وتشويه إرادتها الحقيقية.
تتنوع عادة وسائل تنفيذ الجرائم.. والقانون بطبيعته لا يحصر وسيلة واحدة للتنفيذ يتضح ذلك من خلال النظر الى نشاط وآثار ذلك الفعل ونتيجته الإجرامية.. فمثلما ترتكب الجريمة بالسلاح من الممكن أن ترتكب بالكلمة والدعاية والصورة.
وفي جريمة تضليل الرأي العام، فإن وسيلة تنفيذ الجريمة هي فعل التضليل باستخدام وسيلة الإعلام مع وجود القصد الجرمي الذي يمثل الركن المعنوي المفترض لجريمة تضليل الرأي العام. وإذا كان المشرع لم يحدد فعل تضليل الرأي العام كجريمة مستقلة، فذلك لا يمنع من إيجاد ما ينطبق عليها من بعض الأفعال المشابهة لها من ناحية المفهوم والأثر.
وربما كانت جريمة التضليل هي أحد المقاصد التي أدانها التشريع الدولي أو نصت عليها الاتفاقات الدولية، وتتمثل بإنكار وإدانة فعل التضليل باعتباره شكلا من أشكال إشاعة الإضطراب بين الناس وتعريض حياتهم للخطر والعبث بخيار الحريات والديمقراطية واحترام الرأي العام، ما يعطي صورة تجريم التضليل وإن لم يكن يقصد بشكل مباشر .


















