"أركينو".. لغز شركة بقبضة صدام حفتر تدير نفط ليبيا من خلف الستار

"في ليبيا، لا يُغذّي النفط الاقتصاد وحده، بل يُغذّي أيضاً المليشيات والنفوذ والاتجار غير المشروع"
لم يعد الانقسام بين الغرب والشرق، بين طرابلس وبنغازي، كافياً لتفسير ما يجري في ليبيا. فالسيطرة على الثروات النفطية لا تُغذّي التوترات فحسب، بل تُغذّي أيضاً تحالفات غامضة، وتبادلات مصالح، وسوقاً موازية للنفوذ تتجاوز خطوط الصراع الرسمية.
وتناولت مجلة "نيغريتسيا" الإيطالية (Nigrizia)، في تقرير لها، شبكات النفط والمليشيات والاتجار غير المشروع، مقدرة أن تماسك ليبيا يعتمد على هذه الشبكات.
وقالت المجلة: “في ليبيا، لا يُغذّي النفط الاقتصاد وحده، بل يُغذّي أيضاً المليشيات والنفوذ والاتجار غير المشروع”. موضحة أن هذه الصورة تتضح من مسودة التقرير النهائي للجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بليبيا، المرتقب صدوره في 9 أبريل/نيسان، والتي كانت تُتداول منذ أواخر مارس/آذار.
الوثيقة التي تضم 288 صفحة، ترصد واقعاً تتلاشى فيه الحدود بشكل ممنهج بين السلطة السياسية والهياكل العسكرية والشبكات الإجرامية.
وأبرز ما يتضمنه التقرير، وفق تقييم المجلة الإيطالية، يتعلق بشركة “أركينو” التي وصفتها بأنها أول شركة نفطية خاصة في ليبيا. وبحسب الوثيقة، تخضع الشركة بشكل غير مباشر لسيطرة صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب قائد ما يُعرف بـ"الجيش الوطني الليبي".
وتتم هذه السيطرة عبر شخصيتين محوريتين: رأفت العبار، نائب وزير النفط السابق، وبلقاسم شنقير، العضو السابق في مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط.

بنية موازية
وبين مايو/أيار وديسمبر/كانون الأول 2024، صدّرت "أركينو" نحو 7.6 ملايين برميل من النفط بقيمة تقديرية تبلغ 600 مليون دولار، وتشير المعطيات إلى أن جزءا من العائدات حُوِّل بعيدا عن مصرف ليبيا المركزي.
وعلى مدى زمني أطول -بين أكتوبر/تشرين الأول 2024 وفبراير/شباط 2026- تجاوزت الأموال المحوَّلة إلى حسابات خارج القنوات المؤسسية 3 مليارات دولار.
فضلا عن ذلك، لا يستوفي عقد "أركينو" مع المؤسسة الوطنية للنفط متطلبات القانون الليبي، وذلك لعدم سداد الضرائب وعدم الوفاء ببنود العقد. وفق التقرير.
ويُفرد التقرير مساحة واسعة للاختراق الممنهج للمؤسسة الوطنية للنفط. إذ طوّرت جماعات مسلحة مرتبطة بـصدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي وابن شقيق رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، قدرة متنامية على التأثير في قراراتها على كل المستويات.
ووفق التقرير، بنى العبار، تحديدا، هيكلا موازيا داخل المؤسسة، مستغلا علاقته بصدام حفتر لممارسة ضغوط داخلية وتوجيه التدفقات المالية.
وجرى توظيف ميزانية المؤسسة الوطنية للنفط غطاءً لتحويل موارد نحو شبكات مرتبطة بجماعات مسلحة، ما أفضى إلى تقويض استقلاليتها الإدارية.
ويتطرق التقرير أيضا إلى فرحات بن قدارة، المحافظ الأسبق لمصرف ليبيا المركزي؛ إذ يُتَّهم بتسهيل تحويل 300 مليون دولار عام 2019 دعما لهجوم حفتر على طرابلس.
ويُضاف إلى ذلك توجيهه عقودا نفطية نحو جهات مرتبطة بآل حفتر ودوائر مقربة من الدبيبة، فضلا عن ضغوط مارسها على شركات تابعة للمؤسسة الوطنية للنفط لفتح حسابات في مصرفه الخاص.
وتكشف المسودة عن منظومة منظمة لتهريب الوقود عبر موانئ ليبيا الشرقية، يبرز فيها ميناء بنغازي نقطة انطلاق رئيسة. وفي رأس لانوف، جرى تشييد بنية تحتية مخصصة للاتجار غير المشروع، فيما تتصدر طبرق المشهد بوصفها مركزا إستراتيجيا للتصدير غير القانوني.
وتقود هذه المنظومة، بحسب المسودة، شبكة إجرامية يقودها معين شرف الدين الذي يُدير سلسلة التهريب بأكملها مع توفير الغطاء القانوني للعمليات في الوقت نفسه.

تجارة السلاح
ويرصد التقرير أيضا جملة من الانتهاكات لحظر الأسلحة الدولي. ومن الحالات المذكورة، اتُّهمت إيطاليا بتقديم تدريب عسكري مزعوم لطلاب ضباط من طرابلس في ديسمبر/كانون الأول 2024، فيما قد يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة. وتُنسب انتهاكات مماثلة إلى بيلاروسيا وتركيا والإمارات.
وعلى الصعيد الإقليمي، يُشار إلى أن كتيبة "سبل السلام"، المرتبطة بقوات خليفة حفتر، سهّلت إمداد مليشيا الدعم السريع السودانية بالأسلحة، ما يُدرج ليبيا الشرقية في شبكة اتجار تمتد عبر الحدود الساحلية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أفاد تقرير صادر عن منظمة "ذا سنتري" الأميركية بأن قوات حفتر توفر دعما لوجستيا لقوات الدعم السريع، عبر تزويدها بالوقود.
وأوضح حينها التقرير، المعنون "تنامي تهريب الوقود في ليبيا"، أن معسكر حفتر تحول منذ اندلاع الحرب إلى أحد أبرز مصادر إمداد قوات الدعم السريع بالوقود.
وأشار إلى أن شحنات البنزين والديزل التي يأتي جزء كبير منها عبر شبكات تهريب غير قانونية، لعبت دورا في دعم تحركات قوات الدعم السريع وعملياتها الميدانية في إقليم دارفور؛ حيث عززت سيطرتها بعد سقوط الفاشر، آخر معاقل الجيش هناك، في أواخر أكتوبر.
وأضاف التقرير أن استمرار تدفق الوقود إلى جانب أشكال أخرى من الدعم، أتاح لعائلة حفتر توسيع نفوذها وترسيخ حضورها في جنوب شرقي ليبيا.
وعلى هذا، فإن تسريبات مسودة التقرير النهائي للجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بليبيا، كان لها تداعيات فورية؛ إذ خرج مئات المحتجين إلى شوارع مدينة الزاوية في 13 مارس/آذار 2026، رفضا لما وصفه المتظاهرون بالفساد في إدارة المال العام.
واستهدف المحتجون بانتقاداتهم صدام حفتر، وعبد الحميد الدبيبة، وإبراهيم الدبيبة، ووزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي. وطالب المحتجون بفتح تحقيقات واتخاذ إجراءات قضائية، معربين تحديدا عن رفضهم لانخراط شركة "أركينو" في القطاع النفطي الوطني.
وقالت مجلة "نيغريتسيا": "تبدو مسودة التقرير وكأنها ترسم صورة لبلد باتت موارده النفطية ساحة تنافس بين شبكات متوازية".
وأضافت: "ليس صراعا بين كتلتين متقابلتين، شرق في مواجهة غرب، بل منظومة مصالح متشابكة يتعاون فيها فاعلون من الجانبين ويتداخلون ويتنافسون على السيطرة على مفاتيح الاقتصاد الوطني".















