عقيدة الحرب المقدسة.. كيف تغذي "شارة المسيح" إرهاب المستوطنين؟

يقوم مستوطنون وجنود من وحدة "نيتساح يهودا" التابعة للجيش الإسرائيلي، وبضوء أخضر من أحزاب دينية يهودية متطرفة، بشن ما يُوصف بـ"حرب دينية" ضد سكان الضفة الغربية، بهدف تهجيرهم، على غرار الجرائم التي رافقت الموجة الأولى من نشأة إسرائيل.
وتصفهم تقارير دولية وإسرائيلية بأنهم "إرهابيون يهود" يرتدون شارات دينية على زيهم العسكري، فيما يقول أحد هؤلاء المتطرفين لوسائل الإعلام: "كل يهودا والسامرة (الضفة الغربية) لليهود"، في محاولة لتبرير ممارساتهم.
وفي هذا السياق، وصفهم الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في صحيفة هآرتس بتاريخ 29 مارس/ آذار 2026، بأنهم "كو كلوكس كلان اليهودية"، في إشارة إلى منظمة كو كلوكس كلان (KKK) المعروفة بتاريخها العنصري في الولايات المتحدة.
وتُعد "كو كلوكس كلان" منظمة أميركية متطرفة تأسست عام 1865 على يد جماعات بروتستانتية بيضاء، وتقوم على أفكار تفوق العرق الأبيض ومعاداة الأقليات، مستخدمة العنف والترهيب لتحقيق أهدافها.
ورغم أن هذه الجماعة عُرفت تاريخيًا بعدائها لليهود، فإن مستوطنين يهودًا، وفق تقارير، استنسخوا بعض أساليبها، عبر تنفيذ هجمات متكررة على قرى ومتاجر الفلسطينيين في الضفة الغربية، شملت إحراق منازل وأراضٍ، وقتل مدنيين، وسرقة ممتلكات، وذلك في كثير من الأحيان تحت أنظار قوات الجيش الإسرائيلي.

ما هي "كو كلوس كلان"؟
لأن الاستعمار والاستيطان والعسكرة، هدف سعت له الحركة الصهيونية منذ نشأة إسرائيل، لتعزيز احتلالها لفلسطين وتحقيق هدفها التوراتي "من النهر للبحر"، فقد حرصت أحزاب إسرائيلية على تبني ورعاية أفكار عنصرية تقوم على اقتلاع كل الفلسطينيين من أرضهم.
وجاءت مشاركة حزب "الصهيونية الدينية" برئاسة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، و"عوتسما يهوديت" برئاسة إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي، في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يتبني نفس الأفكار الدينية حول الحق التوراتي في أرض فلسطين، لتعطي دفعة للتيارات الدينية "الحريديين القوميين".
هذه التيارات، ممثل بشكل أكبر في حركة "شبيبة التلال"، ويقومون بهجمات يومية على أهالي الضفة الغربية ولحرق ونهب منازلهم وزراعتهم وسرقة المشاية وتسميم آبار المياه.
واستوحت "شبية التلال" تسميتها من دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل أريئيل شارون في خطاب أمام حزب الليكود، عام 1998، للمستوطنين أن "هرولوا واحتلوا التلال" في الضفة الغربية، وبعدها بدأت إقامة البؤر الاستيطانية العشوائية.
وقد تشكل منهم أيضا "لواء الحشمونائيم"، أو اللواء 613، وهو وحدة مشاة تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي تضم الجنود الحريديم، وضمنهم ظهرت كتيبة "نيتساح يهودا"، (أي "يهودا الأبدي")، التي تضم أيضا الجنود المتطرفين اليهود الحريديم.
لأن الصهيونية الدينية والحريدية القومية يعدان التياران الأكثر تطرفا في الحلبة السياسية الإسرائيلية، وكانا التيارين المركزيين في التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
فقد تحالف الطرفان: "المستوطنون" من شبية التلال وغيرهم، مع جنود الاحتلال من لواء الحشمونائيم"، وكتيبة "نيتساح يهودا"، الذين يخدمون في الضفة لتنفيذ أعنف حملة إرهاب بالتزامن مع توسيع الحكومة خطط الاستيطان.
وبسبب تشابه إرهابهم مع جماعات "كو كلوس كلان" البروتستنتية الأميركية، من حرق وقتل وتدمير ونهب للممتلكات، أُطلق عليهم "كو كلوس كلان" اليهودية، ويتلقون دعم وتشجيع الحكومات الإسرائيلية لأن هدفهم واحد.

"شارة المسيح" ما قصتها؟
انتشرت بين المتطرفين اليهود في إسرائيل منذ طوفان الأقصى، أكتوبر 2023، ظاهرة وضع رقعة أو شارة تُعرف باسم "شارة المسيح" (Messiah patch) على الزي العسكري لبعض جنود الاحتلال.
وترمز ظاهرة تعليق جنود الاحتلال "شارة المسيح" أو "المشياخ" باللغة العبرية، إلى "المسيح المنتظر من نسل داود"، والذي يزعم اليهود أنه سيقيم "مملكة الرب اليهودية الأخيرة"، وينتصر على المسلمين.
هذه الشارة يوزعها كبار الحاخامات على جنودهم، ويعدوهم بأنها ستخلصهم وتنصرهم، وتُسرع إقامة مملكة إسرائيل الأخير، لأن عودة "المسيح" اقتربت، وسيرجع السلطة لليهود، ويخضع كل الأمم لخدمتهم.
وذلك وفقا لمعتقداتهم القائمة على أن الحرب الحالية "دينية وخلاصيه ونهاية العالم"، ما يشجعهم على مزيد من العنف والقتل للفلسطينيين وإبادة غزة.
ويأتي هذا ضمن إيمان تيار الصهيونية الدينية الحاكم في إسرائيل حاليا، ويسمى "التيار الخلاصي"، بقرب نهاية العالم وأن عليهم "تسريع مشيئة الرب"!، بالدخول في حروب توسعية لتسريع إقامة الهيكل و"مملكة الرب".
وقد تحدث رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عدة مرات عن نبوءات توراتية وعن "المشياح" أي المسيح المنتظر من نسل داود وكيف ستنتصر إسرائيل، وصبغ الحرب بصبغة دينية يهودية، مؤكدا إن: "زمن المشياح سيأتي".
وتستعد الحركات الصهيونية الخلاصية حاليا لقدوم "المشياح"، أي المسيح المنتظر، من نسل نبي الله داوود، بمراسيم توراتية منها: تربية البقرات الحمراء لذبحها وتطهير اليهود برمادها، وتجهيز الكهنة ومعدات المعبد اللازمة.
وقد وصل التطرف لدي بعض اليهود المتطرفين حد تصور أن نتنياهو قد يكون هو "المشياح"، أو أخر مسؤول إسرائيلي سيأتي بعده "المسيح"، بحسب الحاخام ومستشار نتنياهو الديني "مناحيم مندل شنيرسون"، وفق موقع "باي فيث" الإسرائيلي، 15 يونيو 2024.
ويرى أنصار هذا التيار الذي أصبح يوصف بأنه "كو كلوس كلان اليهودية" أن الحرب والاستيطان سوف يعملان على توسيع السيطرة على كل فلسطين المحتلة وتسريع عودة المسيح، من نسل نبي الله داوود، لا المسيح عيسى عليه السلام.

واشنطن قلقه!
في 27 مارس/ آذار 2026، وخلال مؤتمر صحفي من باريس، نقلته الخارجية الأميركية، أعرب وزير الخارجية ماركو روبيو عن "قلق" واشنطن إزاء تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، مدّعيًا أن إسرائيل ستتخذ إجراءات للحد من هذه الظاهرة التي تتكرر بشكل شبه يومي.
وردا على أسئلة الصحفيين، قال روبيو: "نحن قلقون بشأن ذلك"، مشيرًا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد عبّر سابقًا عن معارضته "لأي تغيير في الوضع الراهن في الضفة الغربية".
وفي سبتمبر/ أيلول 2025، أكد ترامب أنه لن يسمح بضم الضفة الغربية، في ظل تحركات داخل ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لدفع هذا الخيار.
لكن المفارقة، بحسب مراقبين، أن الوزير الأميركي لم يُدِن بشكل صريح عنف المستوطنين أو الدعم الذي يتلقونه من وزراء في حكومة نتنياهو، مكتفيًا بالقول إن "الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع القضية بجدية"، مقدرا أن بعض هؤلاء المستوطنين يهاجمون أيضًا قوات الأمن الإسرائيلية.
وفي ظل تصاعد هذه الهجمات، أفادت تقارير بأن الجيش الإسرائيلي أعاد توجيه كتيبة كانت مخصصة للجبهة اللبنانية إلى الضفة الغربية، في وقت تشير فيه روايات إلى أن بعض الجنود، خاصة من كتيبة "نيتساح يهودا"، يتماهَون مع المستوطنين في اعتداءاتهم ضد الفلسطينيين.
وتزداد المفارقة، وفق تقارير إعلامية، مع استمرار الدعم الأميركي لمشاريع استيطانية، إذ أشارت صحيفة تايمز أوف إسرائيل في 27 مارس/ آذار 2026 إلى ضخ ملايين الدولارات في مشاريع البؤر الاستيطانية، رغم تحوّل بعضها إلى بؤر للعنف ضد الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، تصاعدت الانتقادات داخل إسرائيل نفسها، حيث وصف الصحفي جدعون ليفي في صحيفة هآرتس المستوطنين المتطرفين بأنهم "كو كلوكس كلان اليهودية"، في تشبيه بمنظمة كو كلوكس كلان المعروفة بتاريخها العنيف والعنصري.
وانتقد ليفي تصريحات روبيو، متسائلًا عن جدوى "القلق" الأميركي في ظل ما وصفه بدعم حكومي إسرائيلي للمستوطنين، قائلاً إن الحكومة "لا تقلق من عنفهم، بل تستفيد منه"، على حد تعبيره.
وأضاف أن هذا العنف، برأيه، يحظى بتغاضٍ رسمي وشعبي، مقدرا أن المستوطنين المتورطين فيه يُنظر إليهم في بعض الأوساط بوصفهم "أبطالًا"، وليسوا خارجين عن القانون.
كما أشار إلى تقارير تتحدث عن تورط بعض الجنود في انتهاكات، وظهور رموز دينية مثل "شارة المسيح" على زيهم العسكري، في دلالة—وفق منتقدين—على تصاعد البعد العقائدي في سلوك بعض هذه المجموعات.
وختم بالقول: إن الاكتفاء بالتعبير عن القلق دون اتخاذ إجراءات ملموسة، يساهم في استمرار هذه الظاهرة، ويطرح تساؤلات حول جدية الموقف الدولي في التعامل معها.

جرائم إرهابية يهودية
وشملت جرائم هؤلاء المستوطنين وجنود الاحتلال من جيش "كو كلوس كلان اليهودي"، حرق وضرب فلسطينيين منهم كبار السن مثل عبد الله ضراغمة (75 سنة)، وحرق سياراتهم ومنازلهم ومتاجرهم وأشجار الزيتون، وسرقة رؤوس أغنام، بهدف طردهم من أراضيهم.
وقد وثقت منظمة "يش دين" الإسرائيلية لحقوق الإنسان 305 حوادث عنف من جانب المستوطنين منذ بدء الحرب مع إيران 28 مارس 2026، أي أكثر من 10 حوادث يومياً، شملت الاعتداءات، وتخريب الممتلكات، والاستيلاء على الأراضي، والتهجير القسري لمستوطنات فلسطينية بأكملها.
وتم توثيق هذه الاعتداءات في 139 موقعاً مختلفاً، وأسفرت عن إصابة ما لا يقل عن 215 فلسطينياً، كما أنشأ المستوطنون بؤراً استيطانية جديدة خلال هذه الفترة، بما في ذلك في المنطقة (أ) الخاضعة للسيطرة المدنية والأمنية للسلطة الفلسطينية.
وسبق لجنود "نيتساح يهودا" القيام بحوادث عنف موثقة، من بينها واقعة استشهاد المسن الفلسطيني عمر أسعد (80 عامًا) الذي يحمل الجنسية الأميركية، بعد توقيفه وتركه في ظروف قاسية، وهي حادثة أثارت انتقادات واسعة ودعوات لتفكيك الكتيبة.
ويشير تحقيق نشره موقع "972+" الإسرائيلي، 2 أبريل 2026، إلى أن الإدانات الصادرة عن الوزراء وقادة الجيش والمعلقين اليمينيين بشأن جرائم هؤلاء المستوطنين هي مجرد ستار دخاني، بهدف إخفاء حقيقة أن عنف المستوطنين هو سياسة دولة.
أوضح أن هذه الإدانات جاءت تحت الضغط الخارجي وبعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التي قال للإسرائيليين فيها ضمنا أنه يتوقع أن "تتخذ الحكومة الإسرائيلية إجراء حيال ذلك (العنف)"، ونقل مسؤولون أميركيون مطالب مماثلة إلى نتنياهو.
وأشار الموقع الإسرائيلي إلى "وجود علاقات وثيقة بين المستوطنين والجيش، ففي كتائب الدفاع الإقليمية ووحدات الاحتياط، يخدم العديد من المستوطنين في المناطق التي يسكنونها، وبشكل شبه يومي، يُطرد الفلسطينيون من أراضيهم بمساعدة جنود أو مستوطنين يرتدون الزي العسكري".
وعقب اعتداء موثق على طاقم "سي إن إن"، يوم 2 أبريل 2026، أضطر جيش الاحتلال لتعليق عمل كتيبة "نيتساح يهودا"، مع إبقائها في الخدمة الاحتياطية في محاولة احتواء تداعيات الحادثة على صورة إسرائيل حول العالم.
وذلك عقب تصاعد الاتهامات الدولية لسلوك الجيش وجرائم عناصره، لكنه عنف المستوطنين من بين جيش "الكلان" الإسرائيلي مستمرون في جرائمهم.
وجاء التحقيق مع هذه الكتيبة ضمن نمط متكرر يعتمد فيه الجيش الإسرائيلي على تحقيقات داخلية بحق عناصره، بهدف احتواء الضغوط الدولية وتفادي فتح تحقيقات خارجية في الانتهاكات المنسوبة إليه.
وتعرض طاقم من شبكة "سي إن إن" لاعتداء من قبل جنود إسرائيليين أثناء تغطيتهم إقامة بؤرة استيطانية قرب قرية تياسير شمال شرق الضفة الغربية.
وقالت رابطة الصحافة الأجنبية بأن الجنود "أمسكوا المصور من رقبته وألقوه أرضا وأتلفوا معداته"، قبل أن يحتجزوا الفريق لنحو ساعتين ويمنعوه من أداء عمله، رغم تعريفهم بأنفسهم كصحفيين، مؤكدة أن الحادثة موثقة بالكامل.
وادعى الجيش أن القوة التي كانت في المكان عملت على "منع الاحتكاك"، وأن الجنود فصلوا بين صحفيين وفلسطينيين وأجروا عمليات تفتيش، قبل الإفراج عنهم لاحقا، وزعم أن ادعاءات ممارسة العنف "قيد الفحص".
المصادر
- Oh No! Rubio Is Concerned About Settler Violence. Now What?
- Secretary of State Marco Rubio Remarks to Press
- Rubio says US ‘concerned’ by settler violence, insists Israel will act against it
- Israeli leaders are condemning settler attacks. It’s a smokescreen
- تحقيق داخلي يوقف "نيتساح يهودا" بعد اعتداء موثّق على صحافيين


















