أسلحة هشة وأجواء مفتوحة.. هل تعمدت روسيا إذلال أرمينيا في قره باغ؟

سام أبو المجد | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

أصيبت "أرمينيا" بخيبة أمل كبيرة، جراء خذلان الأسلحة الروسية لها، وعدم قدرتها على التعامل مع التقدم الأذري أثناء الحرب التي اندلعت بين البلدين في 27 أيلول/ سبتمبر 2020.

كانت "أرمينيا" قد أعلنت الحرب على أذربيجان، معتمدة على ما لديها من أسلحة وأنظمة دفاع روسية، غير أنها استسلمت بعد أقل من 40 يوما، عقب تلقيها ضربات موجعة وخسائر فادحة من قبل الجيش الأذري، دفعتها للاستسلام وتوقيع اتفاقية سلام في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

 

في خطاب له 12 ديسمبر/كانون الأول 2020، قال رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان: "إن الأسلحة وأنظمة الدفاع روسية الصنع التي امتلكتها بلاده كانت هي السبب بالهزيمة الثقيلة في حرب "قره باغ" الأخيرة ضد أذربيجان".

وأضاف "باشينيان" في حديث نقلته صحيفة "كلاش ريبورت" المتخصصة برصد تطورات الأزمات حول العالم، إن روسيا تسببت بخسائر فادحة لجيش بلاده وقوات إقليم "قره باغ"، قائلا: "للأسف، لم تعمل الأنظمة الإلكترونية روسية الصنع، لقد خذلت هذه المعدات أرمينيا ولم تؤمّن أجواء بلادنا".

وعلاوة على الهزيمة المعنوية والإستراتيجية التي منيت بها أرمينيا، فإن الكلفة التقديرية لأنظمة الدفاع التي دمرتها القوات الأذرية تبلغ نحو مليار دولار، وكان رئيس الوزراء الأرميني "إلهام عليف" قد أشار إلى هذا حيث قال: "إن كلفة الأنظمة التي دمرتها طائرات بدون طيار تركية الصنع تقدر بمليار دولار".

وتمثل هذه القيمة نحو 20% من الخسارة العسكرية التي تكبدتها "أرمينيا" والتي تقدر بنحو 4.8 مليارات دولار، في البلد الذي يعاني من ضائقة مالية وأوضاع اقتصادية متدهورة.

 

هزيمة مركبة

علاوة على فشل أنظمة الدفاع الروسية في اعتراض الطائرات المسيرة، فإن تلك الأنظمة كانت سهلة التدمير، ما يجعل  الهزيمة التي تلقاها الجيش الأرميني هزيمة مركبة.

يؤكد ذلك الأمر رئيس الوزراء الأرميني، الذي أضاف في خطابه أن الأيام الأولى للحرب كانت فيها أنظمة "1-  Repellent " المضادة للطائرات المسيرة هدفا سهلا ولقمة سائغة لأذربيجان، وتم تدميرها.

الطائرات المسيرة التي استخدمتها القوات الأذرية كانت "بيرقدار" التركية، مكنتها من قلب موازين الحرب لصالحها، حيث استهدفت مراكز قيادة ووحدات عسكرية وأنظمة دفاعية أرمينية، وكبدت الجيش الأرميني خسائر فادحة، وهو الأمر الذي دفع القوات الأرمينية للاستسلام.

وفي بث مباشر على حسابه بفيسبوك قال باشينيان: "إن قيادات جيش بلاده رفعت تقارير بوجوب توقف معارك "قره باغ"، مع تراجع عدد المقاتلين في الجبهة، ولتجنب نتائج أكثر وخامة"، وفق حد تعبيره.

ونقلت وكالة الأناضول ووسائل إعلام تركية وأخرى أذرية، نقلت مشاهد من قلب المعارك أظهرت استهداف طائرات "بيرقدار" المسيرة لأنظمة الدفاع الروسية التي تستخدمها القوات الأرمينية.

وحسب موقع "ديفينس رومانيا"، فإن الصور والمقاطع المصورة التي نشرتها وزارة الدفاع الأذرية توضح "حجم الدمار الذي لحق بأنظمة  الدفاع الجوي الأرميني جراء استهدافها بطائرات تركية مسيرة مِن طراز (بيرقدار تي بي 2)".

تجدر الإشارة إلى أن "أذربيجان" لديها نفس أنظمة الدفاع الروسية التي فشلت في اعتراض المسيرات التركية في "أرمينيا"، لكن أذربيجان لم تعتمد على تلك الأنظمة وحدها، وحسب موقع "ديفنيس نيوز" الأميركي فإن اعتماد أذربيجان على الأسلحة الروسية يعادل 22% فقط.

ووفقا لبيانات "معهد استوكهولم" لأبحاث السلام، فإن أذربيجان إلى جانب شرائها لأسلحة روسية، فإنها تشتري أيضا أسلحة من تركيا وإسرائيل، وهو الأمر الذي منحها خيارات أكثر في الدفاع والهجوم.

تقنية التمويه

موقع (Bulgarian Military) المتخصص بشؤون الدفاع والتسليح، رصد في تقرير أسباب فشل أنظمة الدفاع الروسية في اعتراض الطائرات المسيرة التي استخدمها الجيش الأذري.

الموقع قال: "في واقع الأمر فإن أسلحة (Repellent) الدفاعية تعد أنظمة إلكترونية حديثة متخصصة باعتراض طائرات الدرونز، وقد تم تطويرها في 2016، وقد مثل نزاع "قره باغ" فرصة حقيقية لاختبار وتقييم كفاءة وفعالية هذه الأنظمة".

مضيفا: "كان من الواضح أن هذه الأنظمة التي تتمركز في المناطق الحدودية مع أرمينيا دمرت بواسطة طائرات درونز أذرية، أي الطائرات التي يفترض أن تعترضها أنظمة الدفاع المتخصصة".

يتابع الموقع: "من الهزلي للغاية أن يتعذر على نظام سلاح حديث، التعامل مع هدفه الرئيسي بنسبة 100%، سواء كانت تلك الأنظمة روسية أو أميركية، لأننا نتحدث عن موقف فشل فيه النظام في اكتشاف التهديد من ناحية، وفشل في اعتراضه بعد اكتشافه من ناحية أخرى".  

الموقع قال: "ومع ذلك لا تزال ظروف تدمير تلك الأنظمة غير واضحة، لكن خبراء عسكريين يعتقدون أن طائرات الدرونز المستخدمة من قبل سلاح الجو الأذري اعتمدت تقنيات وأساليب إلكترونية حديثة، بحيث لم تتمكن أنظمة الدفاع الروسية من اكتشافها، وهذا تكتيك عسكري ليس جديدا، بل يكثر استخدامه".

وأوضح الموقع، أن تقنيات التمويه والإخفاء قد استخدمها الجيش الأميركي مرتين مؤخرا، مرة في المجال الجوي الصيني، حيث تمكن من إخفاء طائرة استطلاع خلف طائرة مدنية، ومرة أخرى في أغسطس/آب 2020، عندما أخفت البحرية الأميركية سفينة استطلاع في بحر البلطيق وراء سفينة مدنية أخرى، بعد أن أوقفت أجهزة الإرسال والاستقبال.

خذلان متعمد

وفق خبراء، فإن الخذلان الروسي لأرمينيا لم يكن ناتجا عن فشل أنظمة الدفاع الجوي، بل لعدم قيام روسيا بواجبها كما ينبغي مع حليفتها أرمينيا، ولعل ذلك يفسر هزيمة أرمينيا في الوقت الذي تمتلك روسيا أحدث الأنظمة العسكرية والدفاعية التي تمكنها من قلب الموازين لصالح حليفتها.

مجلة "فورين بوليسي" الأميركية أشارت لهذا الأمر، في تقريرها يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول 2020، قائلة: "رغم كون أرمينيا حليفة لروسيا، فإن موسكو لا تقوم بدورها كما يجب"، وفسرت هذا التقصير بكون "العلاقة بين بوتين وباشينيان غير جيدة".

وأضافت الصحيفة، أنه في الوقت الذي كان كل من الرئيس الأرميني السابق "روبرت كوتشاريان"، ورئيس الوزراء السابق "سيرج سركسيان"، على علاقة جيدة ببوتين، فإن رئيس الوزراء الحالي كان ينتقد اعتماد بلاده الكامل على روسيا، عندما كان في موقع المعارضة.

وحسب الصحيفة، فإن "باشينيان" عندما كان معارضا، انتقد استغلال روسيا لضعف وعزلة أرمينيا، ونتيجة لهذا لم يكن بوتين متعاطفا مع "باشينيان"، وهكذا كان الإعلام الروسي أيضا، وفقا لتقرير "فورين بوليسي".

المجلة الأميركية، أكدت أن روسيا تهدف إلى إحراق ورقة "باشينيان" الذي لا تتمتع معه بعلاقة طيبة، قائلة: "يتوقع أن تنتظر موسكو لحين تحقق أذربيجان مكاسب إقليمية معينة من أجل إضعاف موقف باشينيان في أرمينيا، ثم تستخدم نفوذها في يريفان من أجل الإطاحة به وتنصيب زعيم أرميني أكثر انصياعا لرغبات روسيا".

ومع هذا فإن "موسكو" لا تزال تحافظ إلى حد ما على التوازن السياسي، كرئيس مشارك لمجموعة "مينسك"، بعد أن امتنعت عن تقديم دعم سياسي وعسكري مفتوح لأرمينيا، حسب فورين بوليسي.

و"مينسك"، هي مجموعة تم إنشاؤها عام 1992. من أجل حل النزاع بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم قره باغ، إلا أن المجموعة التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا عجزت عن الوصول لحل دائم للصراع.

إقليم قره باغ

إقليم "قره باغ" من الناحية القانونية يقع داخل حدود أذربيجان، لكن من حيث الواقع هو تحت الاحتلال الأرميني منذ أكثر من 28 عاما، نزح خلالها نحو مليون مواطن أذري، يعيشون بمناطق مختلفة من أذربيجان بعيدا عن مدنهم وقراهم.

وإلى جانب إقليم قره باغ، تحتل أرمينيا مدنا أذربيجانية مثل "لاجين" و"خوجاوند" و"كلباجار" و"أغدره" و"أغدام" و"جبرائيل" و"فضولي" و"قوبادلي" و"زنكيلان".

وظلت اتفاقية وقف إطلاق النار المعروفة باسم "بروتوكول بيشكيك"، الموقعة بين الطرفين في 4-5 مايو/أيار 1994، حبرا على ورق، حيث جرى توقيعها، بمبادرة من الجمعية البرلمانية لرابطة الدول المستقلة، وبرلمان قرغيزيا، والجمعية الفيدرالية لروسيا الاتحادية، ووزارة الخارجية الروسية.

الجانب الأذري كان يشترط انسحاب الأرمن من المناطق المحتلة من أجل بدء العملية، كما تعد أذربيجان مواطنيها الأرمن في إقليم "قره باغ" بحكم ذاتي عالي الصلاحيات، فيما تطالب أرمينيا بفصل المنطقة عن أذربيجان والاستقلال.