Thursday 15 April, 2021

صحيفة الاستقلال

تجاوزات لبعض إسلاميي المغرب.. هل يدفع “العدالة والتنمية” الثمن؟

منذ 2019/03/14 14:03:00 | تقارير
"حرب انتقائية ولكنها ضروس، تركز على الشخصيات المنتقدة للنظام والتي تحظى بدعم من الرأي العام"
حجم الخط

صور النائبة البرلمانية والقيادية في حزب العدالة والتنمية المغربي آمنة ماء العينين، وهي بدون حجاب في باريس، خرجت إلى العلن وخلقت نقاشا لدى الرأي العام عن مدى التزام أعضاء الحركات الإسلامية ورموزها بالنمط الاجتماعي والأخلاقي الذي يدعون إليه.

نائبة رئيس مجلس النواب نفت في البداية صحة الصور، واعتبرت القصة "فبركة من الخصوم على امرأة تمارس السياسة". البرلمانية عادت لتخفض من حدة ردودها، وتعترف ضمنيا أن الصور صحيحة.

لم تكن هذه أول واقعة في هذا السياق الأخلاقي، تواجه الحزب الحاكم ذو التوجه الإسلامي، فقبل أشهر قليلة، نشرت الصحف المغربية صورة لوزير الشغل والإدماج المهني محمد يتيم وهو يمسك بيد شابة تصغره سناً، في العاصمة الفرنسية باريس.

يتيم، وهو عضو مجلس شورى حركة التوحيد والإصلاح (الجناح الدعوي للحزب الحاكم) وأحد القيادات المؤسسة لها، اعترف أن الشابة خطيبته وأن الزواج لم يتم بعد بسبب تراجع زوجته عن الموافقة.

في 2016، ضبطت عناصر الشرطة قيادي وقيادية من حركة التوحيد والإصلاح في وضع مخل داخل سيارة على شاطئ البحر. واعترفا في محضر للشرطة بما يعتبره القانون المغربي جرما، وعقدا زواجهما بعد سماح الزوجة الأولى بالتعدد.

قبل قضية قياديي الحركة، أعلن وزيرين من العدالة والتنمية زواجهما، لكن الأمر سبقته ضجة كبيرة بعد خروج علاقتهما للعلن قبل الزواج، خصوصا وأن الوزير متزوج والوزيرة حديثة الطلاق.

المنهج الإصلاحي

سنة 2011 فاز العدالة والتنمية المغربي بـ 107 مقاعد في البرلمان خلال الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها. وللمرة الأولى يخرج الحزب من المعارضة إلى الأغلبية، ويترأس الحكومة. وفي انتخابات 2016 فاز بـ125 مقعداً، لكن تشكيل الحكومة لم يكن بسهولة الولاية السابقة، إذ رفضت مجموعة من الأحزاب الائتلاف معه، وسارت الأمور إلى تراجع عبد الإله بنكيران واعتزاله للعمل السياسي.

للحزب "زبائن" انتخابيون، كما أسماهم الأستاذ الجامعي والدكتور في القانون العام عمر الشرقاوي، وله قاعدة انتخابية شبه ثابتة لكنه كان يستفيد بشكل كبير من فئات اجتماعية أخرى كانت تنتصر له نظرا لسمعته وخطابه الأخلاقي. اليوم هذه الفئات تعرضت لصدمة ببعض القضايا المتكررة لأعضاء الحزب، يوضح المحلل السياسي في تصريح لـ"الاستقلال"، التي لو حدثت في حزب آخر لكان الأمر عاديا، لكن الأمر مختلف مع العدالة والتنمية.

ما هو أكيد، بحسب دكتور القانون الذي شغل منصبا سابقا داخل البرلمان، أن صورة الحزب ستتأثر، وهذا التأثير سيطال حتى نتائجه في الانتخابات المقبلة، قد يتصدرها لكن ليس بنفس الوهج والقوة.

عبد العزيز أفتاتي القيادي وعضو الأمانة العامة لـ "المصباح" (المصباح هو رمز العدالة والتنمية في الانتخابات)، يرى أن الحزب حصل على المرتبة الأولى في أكثر من استحقاق بفضل منهجه الإصلاحي. وأضاف لـ "الاستقلال"، "يهم من منحونا أصواتهم، هو التركيز على الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا يستوجب الاستقامة والابتعاد عن أي ازدواجية بين الخطاب والممارسة. فلا أستبعد أن يؤثر الأمر، ولو بشكل بسيط، على نتائج الانتخابات المقبلة".

ويعتقد أفتاتي أن الأمر محصور في حالات قليلة وفردية وسط عقود من العطاء منحها الآلاف من أعضاء الحزب للشعب المغربي. وتابع مؤكداً، "نحن لن نغض الطرف ولن ندافع بأي شكل من الأشكال، بل سنعالجها بوسائل تربوية داخلية يعتمدها العدالة والتنمية".

رأي الناشطة اليسارية ورئيسة الجمعية المغربية خديجة الرياضي، مخالف تماما لما يراه قيادي الحزب، إذ تعتبر أن "ما اقترفه حزب العدالة والتنمية ضد الشعب لا يكمن في طريقة عيش أعضاءه أو لباسهم، بل في السياسات التي أنزلها ضد مصالح المواطنين وحقوقهم". ما يهم الناس أكثر، بحسب الرياضي، هو قوتهم اليومي، وإذا استمر هذا الحزب في تنزيل سياسات تمس هذا الجانب فمن الطبيعي أن يتلاشى هذا الحزب بعد أن تضعف صفوفه.

لماذا الأخلاق؟

نشأة حزب العدالة والتنمية لم تكن كباقي الأحزاب السياسية، هو نشأ في رحم حركة دعوية إسلامية جعلت من القاموس والمرجعية  الأخلاقية أحد مصادر مجده السياسي. ومنذ دخوله للعمل من داخل المؤسسات لم يكن العدالة والتنمية ينافس ويصارع خصومه السياسيين من داخل الحقل القانوني والشرعي، بل كان يناقشهم بما هو أخلاقي، فكان يتفوق عليهم، وكسب بذلك الكثير من الشعبية والشرعية.

اليوم، وبحسب المحلل السياسي عمر الشرقاوي، فإن حزب العدالة والتنمية هو "ضحية أحد المصادر التي اعتمدها لكسب الشرعية، وتحولت إلى سلاح لنزع الشرعية عنه".

الشرقاوي أكد أن هناك صدمة كبيرة لدى جزء من الرأي العام تجاه حزب "يدعي الطهرانية الأخلاقية والتعالي الأخلاقي، وفي نفس الوقت يمارس ما كان ينتقده بالأمس". معضلة الحزب أنه كسب الكثير من المجد بالأخلاق ولا يريد أن يحاسبه الناس بالأخلاق، لذلك كان هذا الصراع الذي واجهه الحزب.

عن تصنيف هذه القضايا على أنها "فضائح أخلاقية"، قالت الناشطة الحقوقية، إن العدالة والتنمية "هو من يدين ارتداء المرأة للباس يظهر جزءاً من جسدها، بالنسبة للمؤمنين بالحريات، فهذه الأمور تدخل ضمن حرية الفرد لكن الحزب لا يعتبرها كذلك".

لا تجد رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في هذه الانتقادات الموجهة إلى أعضاء الحزب أي تعد على حرياتهم الفردية، "لأنهم لا يعتبرونها حرية في الأصل".

تشهير متعمد

من جهته، يرى المعطي منجب محلل سياسي وناشط حقوقي ومؤرّخ في جامعة محمد الخامس بالرباط، العدالة والتنمية ليس هو الحزب الوحيد الذي يتعرض لحملات من نوع أخلاقي، كما أن "ضحايا هذا التشهير ليسوا إلا الأكثر انتقادا للنظام وهذا حال آمنة ماء العينين".

وأعطي المؤرخ أمثلة عن قياديين سياسيين من خارج العدالة والتنمية، تعرضوا للتشهير الأخلاقي، ما يعتبره الحقوقي "انتقاماً سياسياً".

وذكّر المتحدث بقصة نادية ياسين، ابنة مؤسسة جماعة العدل والإحسان المعارضة في المغرب. واعتبر منجب أن معارضة نادية القوية للنظام ودعوتها لنظام جمهوري، كان سببا وراء حملة القذف التي طالتها وجعلتها تنسحب من الساحة السياسية منذ ما يقارب 8 سنوات.

وقال منجب في تصريح لـ"الاستقلال"، إن الحملة نفسها تعرض لها فنان الجماعة السابق رشيد غلام، وكذلك السياسية اليسارية نبيلة منيب بعد مساندة معتقلي "حراك الريف" والمطالبة بإطلاق سراحهم اتهمت في ذمتها المالية. في رأي المؤرخ، "الدولة تهاجم الإسلاميين بكل ما هو أخلاقي لأن خطابهم ديني، ومعارضيها اليساريين بتهم الاختلاس لتركيزهم على العدالة الاقتصادية والاجتماعية".

ذهب المعطي منجب إلى غاية اعتبار الأمر "حرباً انتقائية ولكنها ضروس، تركز على الشخصيات المنتقدة للنظام والتي تحظى بدعم من الرأي العام". وتابع المتحدث  للصحيفة، يريد النظام أن يلحق ضرراً بالغا بهؤلاء الناس، إنه يريد -تبعا للمقولة الحربية- "تحطيم روح العدو" للتمكن منه وإرهاب الآخرين حتى لا يفعلوا مثله.

القضايا والحالات تختلف، في رأي القيادي في الحزب عبد العزيز أفتاتي، بل بين بعضها فروق كبيرة لا يمكن الحكم على جميعها بنفس الحكم. وواصل المتحدث، "نحن أبناء بيئتنا نعيش في مجتمع لا بد أن يؤثر على سلوكنا بشكل أو بآخر".

أما بخصوص الحالة الأخيرة للنائبة البرلمانية آمنة ماء العينين، "لا يوجد أي شيء رسمي من طرف هيئات الحزب، لكن في كل الحالات الحزب يتدارس الأمور التي تثار والتي يستحق أن يتخذ فيها ما يلزم"، بحسب عضو الأمانة العامة.  مضيفا "العدالة والتنمية لديه هيئات داخلية ولوائح تنظم محاسبة جميع أعضاءه، طبقا للقانون الداخلي، لا أحد في الحزب فوق المحاسبة".

ما علاقة الخصوم؟

لا يتردد أعضاء حزب العدالة والتنمية في التصريح أن عددا من القضايا التي يواجهونها اليوم، هي من تدبير الخصوم لتشويه صورتهم وتقليل حظوظهم في الانتخابات. هذا الطرح يرفضه المحلل السياسي عمر الشرقاوي، الذي يعتبر أن الضربات التي تلقاها العدالة والتنمية هي بيد أفراده. رصيد الإسلاميين هي الأخلاق، وهو الأمر الذي لا يتراجعون عن التذكير به.

ويوضح دكتور القانون أن "أعضاء الحزب يدركون جيدا أنهم لو تركوا الصراع في المجال الأخلاقي، فإنهم سينهزمون لا محالة، لذلك يتم تحوير الصراع وجره إلى ملعب السياسة، وادعاء أن هناك جهات سياسية تستهدفه وتحاول النيل منه".

يدرك الحزب، حسب المتحدث، أن بقاء المشكل في الجانب الأخلاقي قد يدمر الحزب ويأتي على الكثير من شعبيته. "لذلك كلما تم ضبط حالة شرود أخلاقي، كانت النتيجة التكذيب أولا، ثم الارتماء في حضن الملعب السياسي ومحاولة تكييف الوقائع على أنها أدوات سياسية يمارسها الخصوم تجاهه".

الناشطة الحقوقية لا تتفق مع الشرقاوي، إذ تعتبرها قضايا مدبرة بشكل واضح. وتتابع الرياضي حديثها لـ"الاستقلال" قائلة، "سبق لي إدانة ممارسات الجهات التي تتلصص على الناس وتصورهم خلسة منهم والتجسس على هواتفهم، وهناك أيضا من وضعت لهم أجهزة تصوير في أماكن حميمية، هذه طبعا أساليب مدانة".

وترى الحقوقية أن "الخطورة التي تشكلها هذه الأساليب أكثر من التي يشكلها حزب إسلامي قد تتناقض سلوكيات بعض أعضائه مع خطابهم. ومن الطبيعي أن يستغل الخصوم هذه الصور المسروقة والمأخوذة في إطار غير قانوني لأعضاء الحزب، دون الانتباه أصلا إلى مصدرها أو التسائل حوله".

يبدو أن استحقاقات 2021 ستكون المنافسة فيها شرسة، فقد بدأ النزال عليها منذ فوز العدالة والتنمية للمرة الثانية في 2016، عندما رفضت باقي الأحزاب التحالف معه لتشكيل حكومة، وتقرر استبعاد أمينه العام ورئيس حكومة 2011، عبد الإله بنكيران، من الساحة السياسية. وفي النهاية يظل السؤال مطروحا، منافسة تُجرُّ إلى ساحتها الحياة الخاصة للأشخاص، هل هي منافسة شريفة؟


تحميل

المصادر:

1

قضية الشوباني وبنخلدون.. حياة خاصة فتحت أبوابها على العموم

2

“يتيم” يروي لإخوانه قصة خطبته.. ويؤكد: أخطأت عندما أمسكت يدها واعترف

3

المديرية العامة للأمن الوطني: عمر بنحماد وفاطمة النجار ضبطا في وضعية مخلة

كلمات مفتاحية :

المصباح المغرب حزب العدالة والتنمية قضايا أخلاقية