Saturday 02 July, 2022

صحيفة الاستقلال

17 عاما من السماح بالتمدد.. لماذا غيّرت أمريكا إستراتيجيتها تجاه إيران؟

منذ 2020/01/06 16:01:00 | تقارير
ما جرى لسفارة واشنطن في بغداد وقبله عمليات الاستهداف لبعض المواقع في العراق أشعر الأمريكان بإهانة بالغة
حجم الخط

اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية، مسارا جديدا في صراعها مع إيران والمليشيات الشيعية الموالية لها في العراق، وذلك بعد هجمات شنتها ضد "كتائب حزب الله" العراقية، واغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.

جاءت الهجمات الأمريكية التي أوقعت 28 قتيلا ونحو 50 جريحا من المليشيات العراقية الأقرب لإيران، عقب قصف استهدف قاعدة "ك 1" في مدينة كركوك (شمالا) وأدى إلى مقتل متعاقد أمريكي.

عقب ذلك شن محتجون من الحشد الشعبي يتقدمهم أبرز قياداتها، أبو مهدي المهندس، وهادي العامري، وقيس الخزعلي، هجوما على سفارة واشنطن في بغداد، وأحرقوا أجزاء منها بعد اقتحامها.

وبعد مضي 48 ساعة، فجر 3 يناير/كانون الثاني 2020، ردت الولايات المتحدة، بقصف موكب سيارات يقل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، قرب مطار بغداد الدولي.

ما وقع مؤخرا يعد أبرز تطور في الصراع الإيراني الأمريكي على الساحة العراقية منذ عام 2003، فهل غيّرت واشنطن سياستها تجاه طهران بعدما سمحت بتمددها طيلة 17 عاما في العراق؟ وماذا عن الرد المتوقع من قبل طهران ومليشياتها على الهجمات التي ربما تتكرر في الأيام المقبلة؟.

"المسايرة انتهت"

وفي تصريحات يفهم منها تغير السياسة الأمريكية مع إيران، قال وزير الخارجية مايك بومبيو، في 4 يناير/ كانون الثاني الجاري، تعليقا على مقتل سليماني: "ببساطة انتهى عصر مسايرة أمريكا للإرهابيين".

وأضاف بومبيو في مقابلة مع قناة "إيران إنترناشيونال" المعارضة: "سليماني كان في قلب كل الأحداث، 6 ملايين شخص نزحوا في سوريا، والمأساة التي رأيناها في العراق، كان سليماني وسط شبكة العنكبوت والآن رحل".

وفي السياق ذاته، رأى الكاتب الأردني ياسر الزعاترة في مقال له أنه "بدون تردد يمكن القول إن سليماني هو مهندس مشروع التمدد المذهبي الإيراني لجهة التخطيط والتنفيذ في آن معا، وهذه حالة غريبة ومثيرة، وتعبّر من جهة أخرى عن قدرات الرجل الاستثنائية حيث كان يتنقل من بلد إلى آخر ويشرف بنفسه على معظم تفاصيل المشروع".

وقال الزعاترة: "هذا الاغتيال يرد ابتداء على تلك التحليلات السطحية التي كانت تتحدث عن تحالف إيراني أمريكي، ولا ترى أن الفوائد التي جنتها إيران من المغامرات الأمريكية هي نتاج طبيعي لعبثية تلك المغامرات، ولذكاء الاستثمار من الطرف الإيراني".

وأضاف: "الحال أن ذكاء استثمار إيران لمغامرات واشنطن لم يتواصل، فقد أصيب قادة المشروع (مشروع التمدد) بحالة من غرور القوة بعد ما حققوه في العراق، بجانب انتصار حزب الله (الأول 2000، والثاني 2006) على الكيان الصهيوني، فكانت كارثة التدخل في سوريا التي قلنا مرارا إن قادة إيران سيتذكرونها بوصفها أسوأ قرار يتخذونه منذ الثورة عام 1979".

وحسب رأي الزعاترة، فإن غرور القوة الإيرانية هو الذي أفضى إلى هذا المأزق الذي جعل اتخاذ قرار باغتيال سليماني أمرا ممكنا. فبعد وضع مميز لإيران في الإقليم، جاء العبث الطائفي في العراق، ثم التدخل في سوريا واليمن، ليضع إيران في مربع العداء مع الغالبية في المنطقة، ثم اكتملت الكارثة بحماية طبقة سياسية فاسدة في العراق، جعلت شيعة العراق ينتفضون ضد إيران، وهو أمر بالغ الأهمية في السياق المتعلق بمشروع التمدد".

مطاردة الوكلاء

يبدو أن الولايات المتحدة لن تقف عند اغتيال سليماني وأبو مهدي المهندس، ففي اليوم ذاته، أعلنت الخارجية الأمريكية إدراج مليشيا "عصائب أهل الحق" على قائمة المنظمات الإرهابية مع قائدين للفصيل العراقي الشيعي المسلح الذي وصفته بأنه وكيل لإيران.

وقال بومبيو: إن "عصائب أهل الحق وقادتها وكلاء عنف للجمهورية الإسلامية الإيرانية". وطبقا للخارجية الأمريكية، تحظى "العصائب بدعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني" الذي استهدفته واشنطن أيضا بالعقوبات.

وطال التصنيف قادة "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، وشقيقه ليث الخزعلي كإرهابيين عالميين. وذلك بعد تصريح الأول أن مقابل دماء المهندس وسليماني زوال الوجود الأمريكي وكل إسرائيل، داعيا من أسماهم "المجاهدين المقاومين" إلى الجهوزية.

وعقب اقتحام سفارة واشنطن ببغداد، غرد وزير الخارجية أمريكي، على تويتر قائلا: "لقد تم تنظيم الهجوم من قبل الإرهابيين.. أبو مهدي المهندس وقيس الخزعلي، وحرض عليه وكيلا إيران وهما هادي العامري وفالح الفياض. صور هؤلاء جميعا التقطت خارج سفارتنا".

المحلل السياسي والخبير في شؤون الجماعات الإسلامية هشام الهاشمي قال في تدوينة على فيسبوك: "إنه لم تعد اتجاهات التحليل قادرة على استيعاب التحولات الخطيرة في قرارات ترامب التي شهدتها ساحة العراق على مدار الأيام السبعة الماضية، حيث أصبحت "الصدمة السريعة والمكثفة واللامتوقعة هي النسق السائد".

وأضاف: "وفي ظل التعقيد والتداخل بين اتجاهات الصراع المختلفة، واندثار الحدود الفاصلة بين الدولة واللادولة، وتآكل النظام بسبب تقاسم السلطة التقليدية بين الفاعلين والفصائل المسلحة، وتعدد البيانات الرسمية وتناقضها، كل ذلك ساهم في إنهاك قدرات المحللين السياسيين ومتابعي الشؤون العامة على استشراف القادم".

ورأى الهاشمي أن "الفصائل الشيعية العراقية؛ لديها القدرة والخبرة على التكيف مع الهزيمة وتعويض قياداتها بقيمة المثل، والاستعداد الوقائي والاستعداد لمواجهة السيناريوهات المجهولة والعنيفة غير القابلة للتوقع من قبل إدارة ترامب".

ورأى الخبير العراقي، أن "اغتيال سليماني إعلان حرب محدودة من أمريكا ضد إيران وعلى جميع الجبهات، الخليج واليمن وسورية ولبنان والعراق وإيران وأفغانستان".

"الرد الصعب"

وفي الإطار ذاته، رأى الكاتب ياسر الزعاترة أن "العبث الإيراني الناتج عن غرور القوة، والذي جعل اغتيال سليماني أمرا ممكنا، لأن الاغتيال قرار سياسي وليس أمنيا وحسب، باستثناء حالات خاصة يعطي فيها المستوى السياسي للأمني حق الاغتيال، ما تيسر ذلك دون رجوع إليه".

وعزا ذلك إلى أن "الوصول للرجل كان متاحا غير مرة، وهو كان يتجول هنا وهناك على نحو شبه مكشوف، ولم يكن الوصول إليه أمرا صعبا، لكن القرار لم يكن متوفرا".

وأردف الزعاترة: "لا شك أن ما جرى للسفارة الأمريكية في بغداد، وقبله عمليات الاستهداف لبعض المواقع الأمريكية في العراق، قد أشعر الأمريكان بالإهانة البالغة، ما دفع إلى اتخاذ قرار الاغتيال".

وتابع: "لأن قرار الاغتيال كان ذا صلة بما أشير إليه آنفا على صعيد المغامرات إياها، فإن تقديرا كهذا لا يفقهه عقل ترامب، برؤيته السياسية المحدودة، ما يرجح أنه كان قرار الدولة العميقة، أو كان بدفع من نتنياهو واللوبي الصهيوني، وتم إقناع ترامب به، ففرضه على الدولة العميقة".

وتساءل الكاتب: "هل يعني ذلك أن قرار الاغتيال في هذه اللحظة كان موفقا بالنسبة لأمريكا؟ الإجابة ليست سهلة، إذ تعتمد على دقة تقدير الرد الإيراني، وجاهزية التعامل معه. رد لا يبدو من السهل الجزم بمداه، إذ سيخضع لجدل داخلي عنيف، ليس لجهة القدرة على إيذاء أمريكا، بل لجهة التبعات المترتبة على ذلك".

وأشار إلى أن "قدرة إيران على إيذاء أمريكا والكيان الصهيوني كبيرة، ليس باستهداف جنودها في العراق وأفغانستان وحسب، بل بضربات في مواقع كثيرة عبر خلايا نائمة موجودة، أو عبر الوكلاء في اليمن والعراق، فضلا عن ضرب الكيان الصهيوني عبر حزب الله، أو مباشرة بيد الإيرانيين من سوريا، بل حتى من بعيد عبر صواريخ بعيدة المدى أو طائرات من دون طيار".

وضع مرتبك

ووفق الزعاترة، فإن السؤال الأهم هو: هل القدرة على تحمل تبعات الرد الأمريكي كبيرة أيضا في ظل وضع اقتصادي صعب جدا، وفي ظل ارتباك في عموم المحاور التابعة، من العراق إلى اليمن ولبنان، بجانب سوريا الخاضعة للنفوذ الروسي؟ هذا هو الجدل الداخلي الإيراني الآن، والذي قد لا نعرف نتيجته سريعا بالضرورة".

عقب إعلان وتأكيد مقتل سليماني، استخدم المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي لغة التهديد والوعيد للتعبير عن غضبه فتوعد "بانتقام قاس" ثم أعلن حدادا وطنيا لمدة 3 أيام في البلاد.

وقال خامنئي في تغريدة على تويتر : "السنوات التي قضاها في أمل الشهادة في سبيل الله، قد ارتقت في نهاية المطاف بقاسم سليماني العزيز إلى هذه الدرجة الرفيعة"، مؤكدا "إن شاء الله لن يتوقف عمله وطريقه هنا وانتقام قاس ينتظر المجرمين الذين لطخت أيديهم بدمائه ودماء الشهداء الآخرين".

من جهته، اعتبر ترامب أن سليماني كان يجب أن يُقتل "قبل سنوات عدة". وقال في تغريدة: "الجنرال قاسم سليماني قتل أو أصاب آلاف الأمريكيين بجروح بالغة على فترة طويلة وكان يخطط لقتل عدد أكبر بكثير... لكنه سقط".


تحميل

المصادر:

1

مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني في ضربة أمريكية ببغداد

2

ارتفاع حصيلة القتلى في الضربة الأميركية ضد كتائب حزب الله

3

العراق.. محتجون يضرمون النيران في بوابة ثانية للسفارة الأمريكية

4

بومبيو: انتهى عصر “مسايرة الإرهابيين”.. ورحل سليماني

5

الخارجية الأمريكية: بومبيو يعتزم تصنيف قادة عصائب أهل الحق كـ”إرهابيين عالميين”

6

أمريكا تدرج جماعة عصائب أهل الحق العراقية على قائمة المنظمات الإرهابية

7

عن اغتيال سليماني ودلالاته وتداعياته

8

عودة على التغطية الخاصة بمقتل قائد الحرس الثوري الإيراني في غارة أمريكية

كلمات مفتاحية :

أبو مهدي المهندس أمريكا إيران الحشد الشعبي العراق قاسم سليماني قيس الخزعلي