صحف فرنسية: وفاة قايد صالح أعادت خلط أوراق النظام بالجزائر

12

طباعة

مشاركة

رأت صحف فرنسية أن وفاة رئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، الرجل القوي في البلاد الذي أجبر الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة على الرحيل، وفرض انتخابات رئاسية، قد يكون فرصة للحراك، أو يؤدي إلى توسيع الفجوة بين المتظاهرين والنظام.

وفي تقرير لها تحت عنوان "الجزائر.. النظام يفقد ولي أمره" قالت صحيفة "لوفيجارو": إن أحمد قايد صالح (79 عاما) نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، توفي في 23 ديسمبر/ كانون أول، جراء نوبة قلبية، بعد أربعة أيام فقط من تنصيب عبدالمجيد تبون، الذي فاز في انتخابات رئاسية فرضها رئيس الأركان وقاطعها 60 بالمئة من الناخبين.

وعلى خلفية ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الجديد، الذي يطعن الشارع في رئاسته، أعلن الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام، وعين اللواء سعيد شنقريحة لتولي منصب رئيس الأركان.

ونقلت "لوفيجارو" عن عبدالعزيز مجاهد، الجنرال المتقاعد، واصفا رئيس الأركان الراحل بالقول: "إنه ضابط رائع. جزائري بالمعنى الحرفي للكلمة، خبير، ملتزم، محنك، حكيم، لقد فقدت الجزائر أحد أبنائها الشجعان".

وبينت أن رئيس الأركان الجديد، 74 عاما، تولى قيادة المنطقة العسكرية الثالثة في بشار، وهي منطقة حساسة جنوب غرب الجزائر، قبل ترقيته إلى قائد القوات البرية في سبتمبر/أيلول 2018، ليصبح ثالث مسؤول كبير في الجيش بعد رئيس الجمهورية، وهو أيضا الرئيس الأعلى للقوات المسلحة.

"رجل إجماع"

وقال حسني عبيدي، مدير مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي ودول المتوسط بجنيف للصحيفة: إن تعيين شنقريحة هو استمرار للتقليد المتبع في المؤسسة العسكرية الجزائرية التي تريد أن يصبح قائد القوات البرية رئيس الأركان، كما حدث مع خالد نزار، واليمين زروال (الرئيس الجزائري السابق) ومحمد العماري، ثم قايد صالح الذي ظل لفترة طويلة قائدا للقوات البرية بعد تعيينه في عام 1994.

وأضاف عبيدي أن "شنقريحة ورئيس الأركان الراحل يشتركان في عدد كبير من الخيارات السياسية، وهو ما يفسره طول العمر وقربهما، إنه قيادي في الجيش الجزائري. وكان في المربع الأول لنائب وزير الدفاع السابق، رجل يتمتع بالإجماع ولا يُعرف سوى القليل عن توجهاته السياسية، لكنه ظل دائما مخلصا لقايد صالح".

لكن الباحث نوه إلى أن السؤال المطروح حاليا: ما إذا كان رئيس الأركان الجديد سيتمتع بنفس القوة لتوحيد الاتجاهات التي يتم التعبير عنها داخل المؤسسة العسكرية؟".

وكانت صحة أحمد قايد موضع شائعات مستمرة، فرغم أنه اعتاد على الظهور بانتظام في وسائل الإعلام العامة اختفى لأيام عدة في أكتوبر/ تشرين أول، وسط معلومات حول دخوله المستشفى، بحسب الصحيفة.

وأكدت أن آخر ظهور علني له يعود إلى 19 ديسمبر/ كانون الأول، خلال حفل تنصيب عبد المجيد تبون، حيث حصل خلال الحفل على وسام الاستحقاق الوطني.

صفقة سياسية

وبينت الصحيفة أنه منذ وفاة قايد صالح ظل الوضع هادئا، وقال طالب في العلوم السياسية يدعى محمد، ردا على نظريات المؤامرة المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي: "أعتقد أنه كان موتا طبيعيا".

وحول رئيس الأركان الجديد، أضاف الطالب: "سمعت عن شنقريحة من خلال الاجتماعات العسكرية التي تنشرها الصحافة. قد تكون فرصة للحراك، إذا كان أكثر مرونة من قايد صالح، لا سيما فيما يتعلق بمسألة سجناء الرأي. لكن منذ الانتخابات، حقق الحراك نجاحا كبيرا ولن يؤدي إعلان وفاة صالح إلى شيء حيال ذلك".

ورأى عبيدي في حديثه للصحيفة، أنه بوفاة قايد ستتغير مجموعة مطالب المحتجين، قائلا: "نعلم أن الحراك ركز على عدم قبول انتخاب عبدالمجيد تبون والرغبة في حكم مدني وغير عسكري. أعتقد أن هذا التغيير سيؤثر على مطالب الشارع الجزائري".

وأضاف: "لأول مرة في الجزائر، لدينا تحولان في نفس الوقت. واحد داخل المؤسسة العسكرية المهمة والحساسة للغاية، والآخر على رأس الدولة الجزائرية. فهناك رجلان يشغلان مناصب رئيسية ووصلا للتو إلى مناصبهما. في رأيي، ستكون هناك قرارات مهمة، سيتخذها قائد الجيش الجديد للتهدئة وتسهيل الانتقال".

لكن عبدالعزيز مجاهد يصر على أن "الوضع هو الذي سيتحكم في السلوك والعمل" مؤكدا أن "الوضع الداخلي لم يعد هو نفسه، لدينا الآن رئيس، والمؤسسات والجيش في مكانها".

وخلص عبيدي من جهته إلى أنه يمكن عقد صفقة سياسية جديدة تسهل مهمة سعيد شنقريحة "الذي تولى القيادة العامة للجيش بعد انتخاب رئيس جديد، الأمر الذي يجعل مهمته أقل تعقيدا وفي رأيي أكثر هدوءا، لأنه يوجد اليوم رئيس تم انتخابه سيكون أمام وسائل الإعلام. وهذا سيسهل هذا الانتقال".

خلط الأوراق

من جهتها، رأت صحيفة "لوموند" أن وفاة قايد صالح أعادت خلط أوراق السلطات العليا للبلاد، وقالت: إنه رغم التقليد الجزائري المتمثل في الامتناع عن النقاش حول الموتى، لم يكن هذا هو المتبع حيال وفاة قائد الجيش الراحل، حيث شهدت الشبكات الاجتماعية تعليقات على نطاق واسع.

وأشارت إلى أنه هناك على وسائل التواصل الاجتماعي من اعتبر قايد صالح منقذ للجزائر بعد تدخله للإطاحة ببوتفليقة، فيما اتهمه أخرون بإطالة عمر نظام حكم مطعون به.

ولفتت الصحيفة إلى أنه بجانب هذه الخلافات، حول شخصية وأداء هذا الجندي الرفيع المستوى، يتساءل الجزائريون بشكل خاص عن عواقب هذا الموت المفاجئ للرجل القوي بالبلاد.

وأردفت: يتمتع الرئيس عبدالمجيد تبون، الذي انتخب في 12 ديسمبر/ كانون أول رسميا، بموجب الدستور الحالي، بسلطة شبه ملكية تسمح له باتخاذ جميع التدابير ووضع البلاد على طريق التغيير. لكن الجزائريين يعلمون أنه سيتعين عليه في الواقع التعامل مع هيئة الأركان العامة، التي لا تزال في قلب النظام السياسي الجزائري.

وتساءلت الصحيفة، هل يمكن أن يؤدي وفاة قايد صالح إلى تغيير الوضع؟ هل سيواصل الجيش الجزائري اتباع الخط المتشدد الذي رسمه رئيس الأركان الراحل في مواجهة الحراك أم أنه سيختار السير في طريق الانفتاح؟

"الخطأ الفادح"

وأكدت "لوموند" أن الرئيس الجديد، الذي أصبح "الصوت" الفعلي للنظام، لم يرسل بعد إشارات واضحة حول السياسة التي سيتم اتباعها في الأسابيع المقبلة.

وتابعت: "لا تزال دعوته للحوار غامضة، لأن المعارضين السياسيين ونشطاء الحراك يجعلون إطلاق سراح سجناء الرأي ونهاية السيطرة على وسائل الإعلام السمعية والبصرية شرطا أساسيا"، في وقت لا تزال الدعوات إلى الاحتجاجات السلمية قوية على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن نهاية "الفراغ المؤسسي" لا تنهي الأزمة السياسية.

ونقلت الصحيفة عن داليا غانم الباحثة في الشأن الجزائري بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، قولها: إن الإجراءات القسرية ضد الحراك "ستكون خطأ فادح" بعد وفاة رئيس أركان الدفاع ونائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح.

وأضافت أن موت الرجل القوي للجزائر يمهد لفترة تذبذب وعدم يقين ولإعادة تشكيل موازين القوى على رأس السلطة، بشكل خاص" لافتة إلى أنه "لدينا اليوم في الجزائر رئيس في حالة ضعف شديد، عالق بين شارع يرفضه وجيش فرضه ولكن عليه بالمقابل أن يدفع أغلى الاثمان عبر ولائه والإذعان غير المشروط للعسكر".

وشددت الباحثة إلى أن لجوء الجيش إلى قمع الحركة الاحتجاجية قد ينقلب عليه ويتسبب بحصول شرخ داخل هذه المؤسسة، فيما قد يؤدي وفاة قايد إلى تعزيز موقف المتظاهرين لكن ذلك يحتم عليه بالمقابل أن ينظم نفسه ويختار ممثليه من أجل الضغط على تبون والحصول على تنازلات حول السجناء السياسيين والحريات، حسبما نقلت الصحيفة.