لماذا تريد إثيوبيا بناء قاعدة عسكرية على ساحل البحر الأحمر؟

محمد سراج الدين | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

أثار قرار الحكومة الإثيوبية إنشاء قاعدة عسكرية بحرية على ساحل البحر الأحمر، العديد من التساؤلات، عن السبب الذي دفع أديس أبابا لهذه الخطوة، رغم كونها دولة حبيسة لا تطل على أي ممر مائي.

الخطوة الإثيوبية، تطرح عدة استفسارات، أبرزها: هل القاعدة موجهة في الأساس ضد مصر، التي باتت في أزمة حقيقية نتيجة إصرار إثيوبيا على استكمال بناء سد النهضة، وفقا لظروفها ومصالحها فقط؟، أم أن لها أهدافا أخرى، تحتل مصر جزءا ضئيلا فيها، في ظل ترتيبات دولية وإقليمية متسارعة في منطقة القرن الإفريقي؟.

المسار الثالث الذي فرض نفسه، تعلق بالاستعانة بفرنسا في إنشاء القاعدة المزعومة، ولماذا لم تلجأ إثيوبيا لأقرب حلفائها، وهما الولايات المتحدة وإسرائيل، وهل تريد باريس أن تزيد من نفوذها في القرن الإفريقي بضم الدولة رقم 17 للدول التي تضم قواعد عسكرية على البحر الأحمر ولكن من خلال إثيوبيا؟

الدور الفرنسي

صحيفة ""Capital الإثيوبية، التي نشرت الخبر مطلع شهر ديسمبر/كانون الأول الجاري، أكدت أن إثيوبيا اتفقت مع جيبوتي على إنشاء قاعدة بحرية إثيوبية، على أن يكون مقر قيادتها في مدينة بحر دار بإقليم أمهرة الإثيوبي شمال شرق البلاد، وأن فرنسا ستجهز القاعدة وتدرب الجيش الإثيوبي على إدارتها.

وحسب العديد من الباحثين المهتمين بالقرن الإفريقي، فإن كل المسارات السابقة لا تناقض بعضها، بل تتقاطع مع بعضها، خاصة وأن إثيوبيا في أزمة حقيقية مع مصر بسبب سد النهضة، وسبق لرئيس الوزراء الإثيوبي أن أرسل تهديدا مبطنا للقاهرة بأنه على استعداد للحرب من أجل إتمام مشروع السد.

وبالتالي فإن وجود قاعدة عسكرية على ساحل البحر الأحمر وتحديدا في جيبوتي وبالقرب من القرن الإفريقي، يجعل من إثيوبيا لاعبا إقليما هاما، يجب أن يضع له المجتمع الدولي اعتبارا مقدرا.

وفي دعم الرؤية السابقة، ذهبت دورية "قراءات إفريقية"، إلى أن إثيوبيا قد استوعبت حجم المعضلة الكبيرة التي تواجهها طيلة السنوات الماضية، وعلى وجه التحديد عندما استقلت عنها إريتريا عام 1993، وحولت بلاد الحبشة لدولة حبيسة ليس لها أي مكان في أقرب ممر مائي لها وهو البحر الأحمر.

ويربط التحليل السابق بين زيارة آبي أحمد لجيبوتي قبل شهرين، والاتفاق على إنشاء القاعدة، وبين الزيارة السابقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لجيبوتي، وإثيوبيا في مارس/آذار 2019، وتعهد فرنسا وقتها بتقديم الدعم اللازم لأديس أبابا من أجل قيام القوة البحرية الخاصة بها في إطار اتفاق تعاون دفاعي هو الأول من نوعه بين البلدين.

وكشفت الدورية المهتمة بالشأن الإفريقي؛ أن بعض أفراد البحرية الإثيوبية يتلقون التدريب بالفعل في فرنسا، كما تشرع إثيوبيا في مراجعة هيكل القوات البحرية الفرنسية، وكذلك الكينية؛ كمرجعية للقوات المزمع تأسيسها. 

أسباب الإنشاء

الإجابة عن السؤال السابق، حملتها دراسة موسعة للمعهد المصري للدراسات، أكدت أن إثيوبيا بعد تولي رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد لشؤون الحكم، بدأت في تغيير إستراتيجيتها، في إطار تطوير مكانتها داخل القارة، وتحويلها من مكانة تاريخية، لأخرى عصرية تعتمد على وسائل القوة والتأثير على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وتشير الدراسة إلى أن الهدف الأساسي من لجوء إثيوبيا لإنشاء قاعدة خارج حدودها،هو إنهاء عقدتها الأزلية بأنها دولة حبيسة. وفي هذا الإطار فهي ترفع شعار "اخدم نفسك بنفسك"، بالإضافة إلى الأحداث التي تشهدها المنطقة، والتغييرات الجيو سياسية التي بدأت تعيد تشكيل مراكز القوى الإقليمية وارتباطها بالقوة والأهداف الدولية.

وحددت الدراسة العديد من الأسباب التي دفعت إثيوبيا لتطوير حركتها وتغيير إستراتيجيتها، من بينها، تسارع الأحداث الذي تشهده منطقة القرن الإفريقي، ما يتطلب تعاملا سريعا وفق مستجداتها، خاصة فيما له تأثير على الأمن القومي الإثيوبي.

بالإضافة لرغبة أديس أبابا في رسم دور مستقبلي يحقق طموحها الإقليمي في المنطقة، بعد أن ظل دروها خلال السنوات الماضية يتبلور بحكم ظروف الصراع في القارة الإفريقية والمصالح التي تربطها بالجوار الجغرافي سياسيا واقتصاديا، كما كان للواقع الدولي انعكاساته المباشرة سواء في مواقف أيدولوجية، أو أطماع إقليمية.

وبالعودة للدراسة التي نشرتها دورية "قراءات إفريقية"، فإنه منذ مجيء آبي أحمد للسلطة في أبريل/ نيسان 2018، وهو يحمل في حقيبته مشروعا إصلاحيا بشقَّيه الداخلي والإقليمي في سبيل النهضة الإثيوبية، وتعظيم الدور الإثيوبي الإقليمي.

وبالتبعية فإن المؤسسة العسكرية الإثيوبية كانت جزءا من أهداف هذا المشروع، خاصة وأن إثيوبيا أعلنت مبكرا وبعد أسابيع من ظهور آبي أحمد أنها ستحيي قوتها البحرية، وهو ما أكدته تصريحات آبي أحمد عندما قال: "يجب أن نبني قوتنا البحرية في المستقبل"، وذلك بعد بناء قوة برية وجوية.

وعليه وافق البرلمان الإثيوبي في ديسمبر/كانون الأول 2018 على مشروع قانون حول هيكلة الجيش الإثيوبي يتضمن تعديل 8 مواد من إعلان تأسيس قوات الدفاع الإثيوبية، وبناء القوات البحرية.

دوافع ورغبات

الدراسة السابقة كشفت أيضا عن العديد من الدوافع التي كانت سببا في إجراء أديس أبابا هذه الخطوة، منها أنها ورقة انتخابية رابحة في يد آبي أحمد، خاصة أن الإعلان عن إنشاء القاعدة وإعادة الروح للقوات البحرية الإثيوبية ارتبط بمرحلة هامة وحساسة يمر بها نظام آبي أحمد الذي واجه حراكا عنيفا قبل أسابيع طالبت بإقالته من منصبه، رغم حصوله على جائزة نوبل للسلام قبل المظاهرات بأيام قليلة.

وتشير الدراسة إلى أن عام 2020، سيكون حاسما في مصير آبي أحمد السياسي، حيث تشهد البلاد نهاية للفترة الانتقالية، وبالتالي فإن استمرار رئيس الوزراء في منصبه يحتم على حزبه الفوز بالانتخابات البرلمانية التي تشهدها البلاد في مايو/ آيار المقبل.

أما الدافع الثاني لإنشاء القاعدة البحرية، فهو مرتبط بتعزيز الوجود الإثيوبي في البحر الأحمر، كما كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في تعليقها على خبر إنشاء القاعدة البحرية. وأرجعت الصحيفة ذلك لرغبة رئيس الوزراء الإثيوبي، بأن تكون بلاده ضمن مجموعة الدول الأجنبية التي لها وجود وقواعد في البحر الأحمر والمحيط الهندي.

وتتفق الدراسة المفصلة لدورية "قراءات إفريقية"، مع طرح "واشنطن بوست"، في وجود رغبة إثيوبية باستعراض قوتها في منطقة القرن الإفريقي، كقوة إقليمية يجب أن تُظهر نفوذها في البحر الأحمر في ظل قدوم دول قَدِمت من مناطق بعيدة للهيمنة في المنطقة، بالإضافة لعدم وجود سبب يدفع إثيوبيا لأن تظل دولة حبيسة في القرن الإفريقي.

وتشير الدراسة إلى أن إثيوبيا لديها قلق كبير في فكرة تأمين تجارتها التي نشطت مؤخرا من خلال دول الجوار، وخاصة أن دولا مثل جيبوتي وإرتيريا والصومال، أصبحت مجالا مفتوحا للوجود الأجنبي في أراضيها، من خلال القواعد العسكرية المملوكة للغير، وهو ما كان دافعا ملحا لتطور إثيوبيا علاقتها مع جيبوتي، وعدم الاكتفاء باستغلال ميناء الأخيرة الذي يعد النافذة الرئيسية للتجارة الإثيوبية، والبحث عن تأمين عسكري لحماية هذه التجارة.

رسالة لمصر

رغم أن معظم التحليلات التي تناولت الخطوة الإثيوبية الجديدة في إطار حساب المصالح الإثيوبية الاقتصادية والإقليمية، إلا أن هذا لم يمنع البعض من التعامل مع القاعدة باعتبارها رسالة موجهة للجانب المصري، الذي لم يعلق رسميا عليها حتى الآن، وتعامل مع الخبر، وكأنه لم يصل للأراضي المصرية.

وحسب تصريحات للخبير العسكري جمال مظلوم لموقع "عربي 21"، فإن "إثيوبيا ليس لديها قوات بحرية بصفة عامة، وهي تبدأ الآن فقط في تدشينها، وبالتالي فإنه لا يمكن مقارنة قوتها البحرية بمصر، وبمعنى آخر فإن "أديس أبابا مشوارها طويل حتى تصل لقدرات القاهرة أو تهدد مصالحها بمدخل قناة السويس أو في باب المندب".

ورغم استبعاده للتهديد المباشر لمصر، إلا أن مظلوم الذي يعمل أيضا مستشارا لأكاديمية ناصر العسكرية العليا، تحدث عن استغلال إثيوبيا لهذه الخطوة من أجل الضغط على مصر في ملف التفاوض حول سد النهضة، باعتبار أن لديها قاعدة بحرية، يمكن أن تواجه القاعدة البحرية لمصر في إريتريا.

إلا أن دراسة أخرى لمركز "بروكنجز"، نظرت للخطوة الإثيوبية باعتبارها محاولة لما يمكن أن نطلق عليه "ملء الفراغ السياسي الذي تشهده القارة الإفريقية"، في ظل غياب القوى الإفريقية القوية المطلة على البحر الأحمر.

وهذا فيه إشارة واضحة لمصر باعتبارها الدولة الإفريقية الأكبر المطلة على البحر الأحمر من حيث السكان والتأثير والإمكانيات، ومن بعدها السودان ثم إريتريا وجيبوتي والصومال، مقابل تزايد الوجود الأجنبي في البحر الأحمر، والذي يشمل 16 دولة لها قواعد عسكرية وموانئ على طول البحر من السودان وحتى باب المندب.

وبناء على الرأي السابق فإن إثيوبيا تريد استحداث قوة بحرية كجزء من المنظومة العسكرية الإثيوبية من شأنه إحداث تغيير في توازنات القوى في منطقة القرن الإفريقي، بحيث يكون ميزان القوة لصالح إثيوبيا في ظل ضعف قدرات دول المنطقة الأخرى؛ مما يعزز المكانة الإقليمية للأولى التي تلقى دعما أمريكا وإسرائيليا وأخيرا فرنسيا كبيرا، كما ذهبت الدراسة التي أعدتها دورية "قراءات إفريقية".

ووفق دراسة مركز "بروكنجز"، فإن البحر الأحمر أصبح حلبة تنافس "جيوسياسي"، ما جعل العديد من الدول الخليجية والأوروبية والغربية تعمل على الوجود فيه لأهميته الإستراتيجية، وهو ما يعد سببا كافيا لإثيوبيا بأن تبحث لها هي الأخرى عن موطئ قدم في هذا الممر الملاحي والتجاري الهام، في ظل التحولات الاقتصادية والتكوينية التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي.

القواعد العسكرية

وفق معهد ستوكهولم فإن القرن الإفريقي يضم أكثر من 18 قاعدة عسكرية، وتحتل جيبوتي المركز الأول بـ10 قواعد عسكرية بخلاف القاعدة الإثيوبية الجديدة.

وهي موزعة كالآتي: 6 قواعد للولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، والصين، واليابان، وإيطاليا، وإسبانيا، إضافة إلى 3 قواعد فرنسية، بينها قاعدة بحرية، ومطاران، أحدهما في منطقة ساحلية، بالإضافة لقاعدة تمتلكها السعودية.

وبعد جيبوتي، تأتي الصومال بعدد 5 قواعد عسكرية أجنبية عاملة، تشمل قاعدة عسكرية للإمارات في مدينة بوساسو‎ الصومالية، وقاعدة أخرى في مدينة بربرة بإقليم "أرض الصومال"، ويضاف لها قاعدة تركية في مقديشو، وقاعدة  "باليدوغل" الجوية الأمريكية في محافظة شبيلي السفلى، والقاعدة البريطانية في منطقة بيدوا.

وتضم إريتريا قاعدتين عسكريتين، الأولى إسرائيلية، لم يتم تحديد موقعها، والأخرى إماراتية، في مدينة عصب الساحلية.

ووفق تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الصادر في أبريل/نيسان 2019، فإن أبرز الدول التي تضم قواعد عسكرية في البحر الأحمر والمحيط الهندي المطلق على خليج عدن هي: الصين، فرنسا، ألمانيا، الهند، إيران، تركيا، إسرائيل، إيطاليا، اليابان، كوريا الجنوبية، روسيا، السعودية، إسبانيا، الإمارات، بريطانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.