من الحرب إلى التفاوض.. لماذا تغير موقف ابن سلمان تجاه إيران؟

شدوى الصلاح | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

قبل نحو 4 آلاف عام، اتخذ الصينيون "الراية البيضاء" رمزا للحداد والحزن، وحين يرفع طرف ما الراية البيضاء في الحرب يعني استسلامه بشكل نهائي.

"الراية البيضاء" رمز متعارف عليه دوليا، يرمز للهدنة وأحيانا يدل على الرغبة في التفاوض، وكلها رسائل بعث بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لإيران خلال حواره نهاية سبتمبر/أيلول الماضي.

في برنامج "60 دقيقة"، الذي قدمته المذيعة نورا أودونيل ‏على قناة "‏CBS‏" الإخبارية الأمريكية، ظهر "ابن سلمان" متراجعا عن كل تصريحاته التي أطلقها تجاه طهران سابقا.

قبل عامين، وبعد أن كان مهددا بإحداث معارك داخلها، ومستبعدا لإجراء حوار معها، خرج ابن سلمان هذه المرة مناديا بنداء العاجز الراغب في المهادنة، متمنيا الحل السياسي وليس العسكري، فضلا عن استغاثته بالمجتمع الدولي لكف أذى إيران عن بلاده واتخاذ موقف حازم ضدها.

تبعية لأمريكا

موقف "ابن سلمان" أثبت أنه مجرد تابع لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا يملك قرارا مستقلا، يردد ما يقوله سيد البيت الأبيض، فإذا ما صعد الأخير من لهجته تجاه إيران علت نبرة ابن سلمان بالتهديد والوعيد، وإذا ما سعى رجل البيت الأبيض للتهدئة والتأكيد على تجنبه للحرب مع إيران، هدأ الأمير الصغير من نبرة صوته وناشد المهادنة.

إدراك "ابن سلمان" لتغير الموقف الأمريكي تجاه إيران جاءت متأخرة بعد أن سبقه إليها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، الذي جنب بلاده التصعيد مع طهران رغم تحرشاتها ببلاده، ووقوفها خلف الهجمات التي استهدفت 4 سفن شحن تجارية مدنية من عدة جنسيات لعمليات تخريبية قرب المياه الإقليمية للإمارات في 12 مايو/ أيار الماضي.

يمكن قراءة لجوء "ابن سلمان" لتبعية الخيار الأمريكي، وتغنيه بصوابه، بعدما تلقت صناعة النفط في بلاده أكبر ضربة تاريخية، وتتابع الهزائم في اليمن، بالإضافة إلى أنه وجد نفسه وحيدا بوجه إيران، إذ باعه حليفه الأمريكي والخليجي، وخرج ترامب مغازلا إيران ومؤكدا أنه لا يتطلع إلى تغيير النظام، ويسعى بحثا عن تتويج فترة رئاسته لأمريكا التي أوشكت على الانتهاء بلقاء مع نظيره الإيراني.

أما الحليف الخليجي المتمثل في الإمارات، فتنظر لعلاقاتها مع إيران من جانب اقتصادي تخشى أن يؤثر التصعيد السياسي عليه، إذ تعود العلاقات بين البلدين إلى  فترة استقلال دولة الإمارات عام 1971، وتحافظ الإمارات على علاقتها بطهران رغم جميع الظروف السياسية التي مرت بها المنطقة.

نفوذ إيران

كل ذلك يأتي في ظل إظهار إيران نفوذا واسعا استطاعت من خلاله منافسة أي قوة إقليمية أخرى على مدار النصف قرن الماضي، ما جعلها تخلق تحديات جديدة لكل من أمريكا وإسرائيل والسعودية، حيث قوضت هيمنتهم السابقة، حسب ما أكدته مجلة كريستيان ساينس مونيتور.

المجلة الأمريكية أشارت في تقريرها الذي نشرته قبل عامين، إلى أن إيران استطاعت أن تصبح قوة عظمى إقليمية تمتلك  قوى ناعمة وأخرى قاسية تشكل بها الأحداث في الشرق الأوسط، بشكل أكبر مما كانت عليه في السابق، لافتة إلى أن أحد أسباب ذلك يكمن في الخطوات غير الذكية والاستعراضية من منافسها الإقليمي الرئيسي المتمثل في السعودية.

ولفتت المجلة إلى أن إيران وبشكل درامي أعادت تشكيل قواعد بناء القوة الإقليمية لصالحها من خلال مجموعة من الخطوات البرجماتية والخطيرة، تدور أغلبها حول صناعة مجموعة مسلحة بالوكالة للقتال في معاركها على الأراضي الأجنبية.

أرض اليمن كانت من بين الأراضي التي استهدفت من خلالها جماعة الحوثي المسلحة المدعومة من إيران، العمق السعودي من خلالها، حيث تشن المملكة حربا عليها عبر قيادتها لتحالف عسكري منذ مارس/آذار 2015.

ويركز الحوثيون أهدافهم على المرافق الحيوية الأكثر أهمية كالمطارات والقواعد العسكرية ومحطات النفط والمنشآت التابعة له، وتمكنوا من تهديد العمق الداخلي السعودي وتشويه سمعة المملكة عالميا.

تصعيد حوثي

وفي الآونة الأخيرة، صعّد الحوثيون هجماتهم باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ عبر الحدود مستهدفين مدنا سعودية، كما أعلنوا مسؤوليتهم عن هجوم على منشأتي النفط "بقيق وخريص" السعوديتين التابعتين لشركة أرامكو في 14 سبتمبر/أيلول الماضي.

إلا أن الرياض نفت صحة ذلك قائلة: إن الهجوم لم يأت من اليمن واتهمت إيران بالمسؤولية عنه وهو ما تنفيه الأخيرة. وفي 17 أغسطس/آب الماضي أعلن الحوثيون استهداف حقل نفط ومصفاة غاز "الشيبة" التابعة لأرامكو في المنطقة الشرقية بالمملكة بـ 10 طائرات مسيرة مفخخة.

وبعد صفعة أرامكو، وجه الحوثيون صفعة أخرى للسعودية في "نجران"، حيث نُفذت أكبر عملية عسكرية نوعية منذ بدء الحرب باليمن، أُطلقت عليها عملية "نصر من الله".

وقبل قرابة الـ24 ساعة من حوار "ابن سلمان" الذي ناشد فيه الحل السياسي مع إيران، عرض الحوثيون لقطات لما حققته العملية في المرحلة الأولى، أظهرت استهداف مركبات مدرعة بتفجيرات واستسلام جنود، قائلة: إنه هجوم كبير قرب الحدود اليمنية مع منطقة نجران (جنوبي السعودية).

وبين الحوثيون أن العملية سقط خلالها 3 ألوية عسكرية وآلاف الأسرى بينهم مئات السعوديين من الجنود والضباط، حسب قولهم. وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع: إن العملية انطلقت في 25 أغسطس/آب الماضي، وأسفرت في مرحلتها الأولى  سقوط نحو 500 بين قتيل وجريح، وأسر أكثر من 2000 ضابط وجندي، وخسائر كبيرة في صفوف من وصفهم بالعدو.

وسبقها رصد دقيق استمر شهورا قبل استدراج العدو لأكبر كمين نفذته الجماعة منذ اندلاع الحرب -بحسب تعبيره-. وأضاف: أن قواتهم تمكنت أيضا من "تحرير 350 كيلومترا مربعا في المرحلة الأولى من العملية، بما فيها من مواقع ومعسكرات، وسقوط 3 ألوية بعددها وعتادها في محور نجران السعودية".

وقال: إن قواتهم نفذت كذلك هجمات صاروخية عدة على أهداف داخل السعودية، في نجران وعسير وجازان، ضمن المرحلة الأولى من العملية العسكرية.

وأكد: أن وحداتهم العسكرية البرية طوقت "وحدات العدو" في محور نجران، وأنهم نجحوا في غضون 24 ساعة في إعاقة طائراته. مشيرا إلى أن مطار جازان وحده استهدف بعشرة صواريخ باليستية.

وبعد قرابة الـ24 ساعة من حوار "ابن سلمان" أعلنت الحوثية نتائج المرحلة الثانية من العملية التي انطلقت في 3 سبتمبر/أيلول الماضي، حيث أوضح "سريع" أنها أسفرت عن مقتل وإصابة ما لا يقل عن 200 جندي من قوات التحالف، قائلا: إن "مجموعة كبيرة من قوات العدو في الأسر، بينهم سعوديون"، دون أن يوضح عددهم، وذلك في ظل صمت سعودي وتكتم عن الخسائر التي حصدها التحالف. 

نداء العاجز

الحوثيون أعلنوا في 20 سبتمبر/ أيلول أنهم قد يوقفون الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية إذا أوقف التحالف عملياته، لكن الأخير لم يرد على العرض الحوثي حينها، وأعرب ولي العهد السعودي خلال حواره مع القناة الأمريكية، عن تفاؤله بوقف الحرب في اليمن.

وطالب إيران بأن توقف دعمها للحوثي، معربا عن أمله أن  يؤدي وقف إطلاق النار على السعودية، الذي أعلنه الحوثيون من جانبهم، إلى حوار سياسي وإنهاء الحرب في اليمن، مستطردا: "نفتح جميع المبادرات لحل سياسي في اليمن، ونتمنى أن يحدث هذا اليوم قبل غد".

وقال: إنه يتفق مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن هجوم أرامكو كان إعلان حرب من طرف إيران، معربا عن أمله ألا يكون الرد على إيران عسكريا بل سياسيا، مؤكدا: أن الرياض وواشنطن ترحبان بلقاء ترامب مع نظيره الإيراني حسن روحاني، لكن الإيرانيين هم من يرفضون ذلك.

سياسة "ابن سلمان" المتماهية مع سياسات "ترامب" تجاه إيران، جاءت بعد أن ناشدت بلاده المجتمع الدولي في بيان رسمي، إثر استهداف منشآت النفط السعودية، لتحمل ‏مسؤوليته ووضع حد للتصرفات والسياسات العدوانية التخريبية الإيرانية.

وهذه ليست المناشدة الأولى، فمع كل تصعيد تنتهجه القوات العسكرية التابعة لإيران سواء الحرس الثوري وتحرشاته بالسفن النفطية في المياه الإقليمية، أو جماعة "الحوثي" التي تمثل ذراع إيران العسكري في اليمن، تتعالى مطالبات الرياض للدول الغربية وعلى رأسها أمريكا بالتدخل لردع إيران.

لكن موقف المجتمع الدولي أثبت أنه يخشى إيران ويتجاهل السعودية، فالرئيس الأمريكي جنب كل ما تفعله إيران بحليفته السعودية، عزل مستشار الأمن القومي جون بولتون المعروف بمواقفه المتشددة تجاه إيران، تاركا الباب مفتوحا أمام احتمال تخفيف العقوبات على إيران.

كما رفض الرد على إسقاط إيران للطائرة الأمريكية، بل وقلب الصورة قائلا: إنه "تصرف حكيم"، وأكد أنه يرغب في رؤية إيران قوية وأنه لا يسعى إلى تغيير النظام في طهران، وأن إيران لديها فرصة لتكون دولة عظيمة في ظل القيادة السياسية الحالية.

طلب الوساطة

بحث ترامب عن وساطة للقاء نظيره الإيراني، هو نفس ما يفعله ولي العهد السعودي، حيث كشف رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان أن الرئيس الأمريكي وولي العهد السعودي كلّفاه بالقيام بوساطة مع إيران لخفض حدة التوتر.

خان قال لصحفيين في الأمم المتحدة عقب لقائه كلا من الرئيس الأمريكي ونظيره الإيراني حسن روحاني في 24 سبتمبر/أيلول الماضي: إن "ترامب سألني إن كان بإمكاننا المساهمة في تهدئة الأوضاع، وربما التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران حول برنامجيها النووي والباليستي".

وأشار "خان": إلى أنه توقف في السعودية خلال سفره من إسلام آباد إلى نيويورك بسبب الهجمات على منشآتها النفطية"، مشيرا إلى أن "ابن سلمان" طلب منه أيضا التحدث مع الرئيس الإيراني. 

بحث "ترامب" و "ابن سلمان" عن الوساطة لم تكن للقاء روحاني فقط، وإنما كشفت مصادر عراقية أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي طرح خلال زيارته الأخيرة إلى السعودية، وساطة على الرياض من أجل إيقاف الحرب في اليمن.

وقال مصدر عراقي لموقع "روسيا اليوم": إن "الزيارة الأخيرة التي قام بها عبد المهدي إلى السعودية، كانت تحمل وساطة بخصوص الأزمة بين السعودية وإيران، وكذلك إيقاف حرب اليمن"، مضيفا: أن "عبد المهدي حصل على ردود فعل إيجابية تتعلق بوساطته، ووعده الجانب السعودي ببذل كل جهوده من أجل التهدئة بالمنطقة".

من جانبها، أكدت إيران أنها تلقت رسائل المملكة، حيث أعلن علي ربيعي المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، أن الرئيس الإيراني حسن روحاني تلقى رسائل من المملكة العربية السعودية، من خلال أحد قادة الدول، فيما لم يحدد مسؤول الحكومة الإيرانية الدولة الوسيطة أو طبيعة تلك الرسائل.

وتبقى استجابة إيران لمساعي "ابن سلمان" للتفاوض، هي مربط الفرس في تسيير العلاقات، حيث وضعت شروطا للاستجابة للتهدئة والحل السياسي، وقال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري: إن بلاده مستعدة لاستقبال السعودية "بصدر رحب"، لكن شريطة ألّا تفوّض أمنها للآخرين. 

خيار شمشمون

الباحث المتخصص في شؤون الخليج السياسية، فهد الغفيلي، قال: إن "ابن سلمان" ليس لديه موقفا مستقلا من إيران، لأن السياسة الخارجية السعودية تجاه طهران متماهية مع سياسة ترامب رغم ما فيها من تقلبات وميوعة وسقف مرتفع في بعض الأحيان. 

الغفيلي أكد في حديثه لـ"الاستقلال" أن "ابن سلمان" خياراته محدودة جدا وهي بين السيئ والأسوأ على مستقبل المملكة وأمنها واقتصادها.

ورأى "الغفيلي" أن إيران ليس لديها ما تخسره وعندما تزداد الضغوط الاقتصادية عليها تميل لـ"خيار شمشون" (علي وعلى أعدائي) وتمارس ضغوطها المقابلة لضغوط العقوبات ليس على الإدارة الأمريكية أو إسرائيل إنما على حلفاء ترامب الأكثر ضعفا وأولهم "ابن سلمان".

وتوقع "الغفيلي" أن تبقى العلاقات السعودية الإيرانية متذبذبة بين تقلبات ترامب الذي يقول أن أصبعه على الزناد تارة، وبين تصريحاته بإنهاء الأزمة بمجرد الاتصال به من قبل الإيرانيين تارة أخرى. 

وأشار إلى أن التصعيد ضد إيران يخدم مسار التطبيع مع إسرائيل بالترويج لتحالف بحري تشارك به السعودية وإسرائيل، لافتا إلى أن تحقيق ذلك يحتاج إلى تصعيد وعدم تسوية ليستمر المشروع ،وهو المتوقع في المرحلة المقبلة على الأقل.

الدكتور محمد الحساني الباحث في الفكر الإسلامي والدراسات السياسية، قال: إن ما وصل إليه ابن سلمان هو نتاج "اجتماع الغباء السياسي وطاعون الاستبداد في التدبير السياسي لإدارة الحكم في المملكة".

وأشار في حديثه لـ"الاستقلال" إلى أن "ابن سلمان بنى كل أحلامه على ترامب، وظن أنه جزء من منظومة آل سعود وراثة للحكم والدولة ومقدراتها وأنه صاحب السمو وصاحب السعادة وأن كلمته لا يأتيها الباطل أبدا". 

وأشار "الحساني" إلى أن: "النظام السعودي فهم بعد الضربات الموجعة التي وجهها الحوثيون له أنه بقي بدون ظهر، خاصة بعدما أعلن ترامب بوضوح تام أنه لن يحارب بدلا عن السعودية".

وأكد أن: "خيار ابن سلمان بالدعوى للحل السياسي مع إيران هو خيار الذي ليس أمامه اختيار ثان، خاصة بعد أن تركته الإمارات وحيدا في الجبهة"، معتقدا أن هذه المحاولات ستبوء بالفشل.