تشكيل "قوة دولية" بالبحر الأحمر.. كيف ينعكس على وضع الحوثيين باليمن؟

مع تكرار هجمات تشنها مليشيا "الحوثي" اليمنية على سفن في البحر الأحمر منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، تجري الولايات المتحدة الأميركية مشاورات مع حلفاء لها من أجل تشكيل قوة عسكرية ترافق السفن التجارية لتأمين وحماية الممر المائي الدولي.
وشملت هجمات الحوثيين، بشكل متكرر سفنا قالوا خلال بيان لهم في 3 ديسمبر/ كانون الأول 2023 إنها استهدفت سفينتين إسرائيليتين بطائرة مسيّرة وصاروخ بحري، وذلك بعد إعلان استيلائهم على سفينة "جالاكسي ليدار"، في 20 نوفمبر، ردا على عدوان الاحتلال المستمر على قطاع غزة.
المشاورات التي تجريها الولايات المتحدة لإيجاد موطئ قدم في البحر الأحمر، تثير تساؤلا ملحا عن مدى انعكاس هذا الوجود الغربي على تنامي سطوة الحوثيين المدعومين من إيران، والتي انقلبت على الشرعية منذ عام 2014.
قوة عسكرية
في 5 ديسمبر، أفادت قناة "سي إن إن" الأميركية بأن واشنطن ناقشت سبل تعزيز الأمن في المنطقة مع أعضاء القوات البحرية المشتركة، وهي قوة مهام بحرية متعددة الجنسيات مكلفة بحماية الشحن التجاري في البحر الأحمر.
ونقلت عن مسؤولين أميركيين (لم تكشف عنهم) أن المناقشات تركزت على إمكانية مرافقة السفن النشطة في البحر الأحمر والتي تمر عبر مضيق باب المندب إلى خليج عدن، القناة الضيقة التي تفصل بين اليمن والقرن الإفريقي.
وأشارت "سي إن إن" إلى أن سبعة أعضاء من القوة البحرية التي تتألف من 39 دولة تتناوب على القيادة، عرضوا بالفعل المساعدة، في حين رفض المسؤولون الأميركيون الإفصاح عن هوية تلك الدول.
وتعكس المناقشات حول تعزيز دور القوة البحرية قلقا متزايدا في المنطقة من سلوك الحوثيين في القناة الحيوية، التي يمر من خلالها ملايين البراميل من النفط يوميا، وفقا للقناة الأميركية.
وأكدت أن المسؤولين بوزارة الدفاع الأميركية لا يعتقدون أن ضرب الحوثيين في اليمن هو الخيار المناسب، لأنهم لا يريدون أن يروا الوضع يتصاعد أكثر ولا يملكون حاليا أدلة على أن الصواريخ التي أطلقها الحوثيون في الأسابيع الأخيرة استهدفت خصيصا الأصول الأميركية في المنطقة.
ومع ذلك، تبقى جميع الاحتمالات على الطاولة وتحتفظ الولايات المتحدة بحق الرد في المكان والزمان المناسبين بالنسبة لها، حسبما قال مسؤول في وزارة الدفاع، لم تكشف القناة عن هويته.
وأشارت إلى أن السبب الآخر الذي يجعل الولايات المتحدة تخفف من ردها هو أنها تنظر إلى موجة الهجمات على أنها انتهاز للفرص، وليست جزءا من جهد إستراتيجي تبذله طهران لتصعيد الصراع، وفقا للعديد من المسؤولين الأميركيين.
وقبل ذلك بيوم واحد، أعلن البيت الأبيض أن واشنطن ربما تشكل قوة عسكرية لمرافقة السفن التجارية في البحر الأحمر.
وقال مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، خلال مؤتمره الصحفي في 2 ديسمبر، إن واشنطن تناقش هذه الفكرة مع حلفائها، موضحا أنه لم يتم القيام بشيء على أرض الواقع حتى الحين، وأنهم تحدثوا مع دول أخرى حول تشكيل قوة بحرية لتأمين الملاحة البحرية.

سيناريوهات مخفية
من جهته، قال رئيس مركز "أبعاد" اليمني للدراسات، عبدالسلام محمد، إن "الحوثيين لم يصلوا إلى غطرستهم هذه إلا بضوء أخضر من الغرب، فإذا كان الرئيس الأميركي جو بايدن أخرجهم من لائحة الجماعات الإرهابية، فبالتأكيد أتاح لهم فرصة للعمل أكثر ضد الأمن الإقليمي والدولي".
وأوضح محمد في حديث لـ"الاستقلال" أن "هناك قوة دولة أساسا موجودة في البحر الأحمر، وهي تتعلق بمكافحة القرصنة، ومتمركز في هذه المنطقة منذ عام 1953، لكن الهدف واضح جدا من هذا التحرك الغربي، وهو سباق سيطرة على ممرات الملاحة الدولية".
وأشار إلى أن "الولايات المتحدة تستغل الأحداث لإفشال ربما محاولة الاشتراكية الصينية في العودة إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر عبر إستراتيجية خط الحرير الذي تريد إنشاءه".
وأوضح محمد أن "الحوثيين يجرى استخدامهم فقط، فهم ليسوا قوة بذلك القدر الكافي، خصوصا أنه لم تطبق بعد ضدهم أي عقوبات، أو إعادتهم إلى قوائم الإرهاب الأميركية، ولا حتى بتسميتهم مهددين للأمن الإقليمي".
وتابع: "هذا يعني أن هناك ضوءا أخضر للحوثيين بالاستمرار في تهديد ممرات الملاحة الدولية، ربما حتى يتيح للولايات المتحدة وحلفائها التمركز في هذه الممرات، والنفط أيضا".
وأكد الخبير اليمني أن "واشنطن ربما تسعى مستقبلا إلى تقييد صادرات النفط من منطقة الخليج العربي إلى الصين، وبالتالي هي تستخدم مثل هذه الأحداث للوجود في هذه الأماكن، وربما ستصنع أحداثا أخرى في منطقة الجزيرة العربية لعرقلة إمداد الصين بالنفط".
ولم يستبعد محمد أن "تقدم الولايات المتحدة على تنفيذ ضربات ضد الحوثيين كما تعاملت مع أذرع إيران في العراق وسوريا، لكنها باعتقادي لن تكون مؤلمة لهم، بمعنى في أماكن ليست حساسة".
وأردف: "إذا هناك نية أميركية لضرب الحوثيين، فهم لديهم غرف عمليات لإطلاق الصواريخ وهي معروفة لدى الولايات المتحدة وبإمكانها أن تضعف هذه الجماعة من خلال استهدافها، وحتى عبر مهاجمة غرف العمليات الإيرانية الموجودة في الجزر اليمنية على سواحل البحر الأحمر".
ونوه الخبير اليمني إلى أن "الضربات الي تنفذها الولايات المتحدة في العراق، تجري على استحياء حتى وإن سقط فيها بعض القتلى، فإنها لن تحقق أي إستراتيجية، لذلك أعتقد أن ما يراد لليمن هو تسليمه للحوثيين بالكامل بحجة أن ذلك من أجل الأمن الإقليمي".
وخلص محمد إلى أن" المخطط الآن لليمن هو تقسيمه وسيطرة المليشيات عليه، وهذا يخدم الأجندة الإستراتيجية في تفكيك المنطقة وإعادة تصنيع خارطتها من جديد للتحكم أكثر في صادرات النفط".
وتسيطر مليشيا "الحوثي" المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية صنعاء وأجزاء أخرى من البلد منذ عام 2014، وذلك بعد تحالفهم مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وانقلابهم سوية على السلطة الشرعية المعترف بها دوليا، قبل أن يعودوا ويقتلوا الأخير بتهمة الخيانة.

تحشيد عسكري
وفي وقت تدور المشاورات بين الدول الغربية لإرسال قوة إلى البحر الأحمر، فإن الاحتلال الإسرائيلي ودول أخرى أعلنت أنها أرسلت عدة سفن حربية وغواصة متطورة إلى البحر الأحمر.
وأوضحت صحيفة "معاريف" العبرية في 3 ديسمبر، أن "تم اتخاذ هذه الخطوة لمراقبة أنشطة إيران في المنطقة"، مؤكدة أن "إسرائيل تنسق تحركاتها مع الولايات المتحدة التي توجد سفنها في البحر الأحمر".
وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن "سفينة حربية أميركية والعديد من السفن التجارية تعرضت لهجوم في مياه البحر الأحمر".
وقالت الوزارة في بيان إن "سفينة حربية أميركية والعديد من السفن التجارية تعرضت لهجمات في البحر الأحمر، مما قد يمثل تصعيدا كبيرا في سلسلة من الهجمات البحرية في الشرق الأوسط المرتبطة بالحرب في عزة".
وفي السياق ذاته، أعلنت بريطانيا إرسال سفينة "دايموند" التابعة للبحرية الملكية للمساهمة في تعزيز الأمن في الخليج والمحيط الهندي، وأنها "ستعمل على ردع التصعيد من جانب الجهات الخبيثة والمعادية التي تسعى إلى تعطيل الأمن البحري".

وقال وزير الدفاع البريطاني شابس، إنه "ستجرى عمليات لضمان حرية الملاحة وطمأنة السفن التجارية وضمان التدفق الآمن للتجارة".
وأكد شابس خلال تصريحات صحفية في 30 نوفمبر، أنه "من المهم أن تعزز المملكة المتحدة وجودها في المنطقة للحفاظ على أمن بريطانيا ومصالحها في عالم به اضطرابات ونزاعات أكثر".
وفي 20 نوفمبر، قالت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، إن الحوثيين احتجزوا سفينة شحن مملوكة لبريطانيين ويديرها يابانيون في جنوب البحر الأحمر، واصفة الحادث بأنه "عمل إرهابي إيراني" ستكون له تداعيات على الأمن البحري الدولي.
وفي 19 نوفمبر، نفى الجيش الإسرائيلي أن تكون السفينة التي احتُجزت إسرائيلية، وادعى أنها "غادرت تركيا في طريقها إلى الهند وأفراد طاقمها مدنيون من جنسيات مختلفة وليس بينهم إسرائيليون، إنها ليست سفينة إسرائيلية".
لكن شركة "أمبري" للأمن البحري أكدت أن "المجموعة المالكة لحاملة المركبات مسجّلة باسم راي كار كاريرز، والشركة الأم لهذه المجموعة مدرجة باسم أبراهام رامي أونغار، ومقرها إسرائيل".
المصادر
- سفينة حربية بريطانية تتوجه للخليج وتحذير أميركي من سلوك إيراني “غير آمن”
- واشنطن تجري مشاورات لتشكيل قوة تحمي خطوط الملاحة في البحر الأحمر
- “معاريف”: إسرائيل ترسل سفنا حربية وغواصة إلى البحر الأحمر لمراقبة تحركات إيران
- أنشطة الحوثيين في باب المندب تضع أميركا في مأزق.. ما خيارات المواجهة؟
- أمريكا تدرس حماية السفن التجارية في البحر الأحمر.. ومسؤولون يوضحون سبب عدم ضرب الحوثيين في اليمن
- “البنتاغون”: مدمرة أمريكية وسفن تجارية تعرضوا لهجوم بالبحر الأحمر

















