من صنعاء إلى المهرة.. كيف أعادت الحرب اليمنية رسم الخريطة الخليجية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في الأيام الأخيرة من عام 2025، شهد اليمن منعطفًا حادًا جديدًا في حربه شديدة التعقيد. فبعد نحو عشر سنوات من تدخل عسكري مشترك، وجدت السعودية والإمارات نفسيهما في معسكرين متقابلين داخل صراع خاضتاه يومًا جنبًا إلى جنب، في مشهد يعكس عمق التحولات الإقليمية وتفكك التحالفات التقليدية.

وجاء هذا الانقسام على خلفية تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، لإطلاق حملة واسعة هدفت إلى بسط سيطرته على شرق اليمن. وتمكن المجلس، في ذروة هذا التحرك، من الاستيلاء على محافظتي حضرموت والمهرة الشاسعتين، اللتين تشكلان معًا أكثر من نصف مساحة البلاد، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا غير مسبوق في مسار الصراع.

وأثار هذا التمدد قلقًا بالغًا لدى السعودية، التي رأت في صعود كيان انفصالي على طول حدودها الجنوبية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. ودفع ذلك الرياض إلى التحرك بشكل حاسم وسريع لاحتواء تداعيات التطور الجديد ومنع ترسيخ واقع جيوسياسي مقلق.

وسرعان ما تبيّن أن تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي كان محدود الأمد؛ إذ مارست الرياض ضغوطًا سياسية على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لإقصاء الإمارات من التحالف. كما نفذت السعودية ضربات جوية استهدفت أصولًا عسكرية إماراتية داخل اليمن، بالتوازي مع تقديم دعم عسكري مباشر لعمليات ميدانية انتهت بإخراج قوات المجلس الانتقالي من محافظتي حضرموت والمهرة.

وتعود جذور الحرب في اليمن إلى عام 2014، حين أطاح الحوثيون المدعومون من إيران بالرئيس عبد ربه منصور هادي من العاصمة صنعاء. وفي العام التالي، أطلق تحالف تقوده السعودية والإمارات عملية عسكرية بهدف مواجهة الحوثيين وإعادة حكومة هادي إلى السلطة.

قلق عُمان

وفي هذا السياق، قال معهد "تشاتام هاوس"، في تقرير تحليلي، إن "السعودية تجد اليوم نفسها متهمة ليس فقط بالتسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بل أيضًا بمواجهة حليف سابق في ساحة المعركة ذاتها التي أسهمت في تشكيلها".

غير أن المعهد أشار إلى أن تقليص حجم الإذلال السياسي لم يكن الشغل الشاغل للرياض، إذ شكّل ظهور سلطة انفصالية على طول حدودها الجنوبية الممتدة نحو 700 كيلومتر، ولا سيما في حضرموت التي تربطها بالسعودية علاقات قبلية واقتصادية وأمنية عميقة، صدمة إستراتيجية حقيقية.

ومع ذلك، لم يكن هناك بلد أكثر اضطرابًا من سلطنة عُمان، حيث اعتُبر استيلاء المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظة المهرة، أقصى محافظات اليمن شرقًا، والتي تشترك في حدود بطول 300 كيلومتر مع السلطنة، أخطر تهديد أمني خارجي تواجهه مسقط منذ عقود، وفق التقرير.

وأوضح المعهد أنه "بالنسبة للسلطنة الهادئة والمستقرة عادة، أعاد ظهور علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة على حدودها إحياء مخاوف تاريخية عميقة".

وأضاف أن "جنوب اليمن المستقل كان في الماضي مصدرًا لتأجيج تمرد ظفار، الذي أغرق عُمان في حرب استمرت قرابة عقد من الزمن خلال سبعينيات القرن الماضي".

كما أشار التقرير إلى أن هذه التطورات "خلقت شعورًا لدى عُمان بأنها محاصرة حاليًا من قبل الإمارات نفسها من الشمال، ومن خلال وكلائها في اليمن من الغرب".

وتابع: "لطالما كانت الإمارات، وهي دولة مجاورة وإن لم تكن حليفة، مصدر قلق لعُمان على مدار عقود".

وأوضح أن هذه المخاوف تفاقمت بفعل احتمالات تدفقات لاجئين من شرق اليمن، وتعطيل قنوات الوساطة الحساسة مع إيران والحوثيين، فضلًا عن تآكل حياد مسقط الإقليمي الذي حرصت على ترسيخه طوال سنوات الحرب.

والأكثر أهمية، وفق التقرير، أن الأزمة ألقت بظلال من الشك على التأكيدات السعودية الراسخة بأنها لن تُغير التوازن الإستراتيجي على طول حدود عُمان.

مرحلة متوترة

ولعدة أيام، وحتى تحركت الرياض بقوة عسكريًا ضد المجلس الانتقالي الجنوبي وسياسيًا ضد أبوظبي، دخلت العلاقات السعودية–العُمانية مرحلة توتر غير مسبوقة، بحسب ما كشفه معهد "تشاتام هاوس".

وأوضح التقرير أن مسؤولين عُمانيين تساءلوا خلال الأسبوع الأول من الأزمة عما إذا كانت التطورات ناتجة عن مؤامرة منسقة بين الإمارات والسعودية.

وأشار إلى أن رد فعل عُمان يجب فهمه في سياق موقعها الخاص من الحرب اليمنية. فحين أطلق التحالف الذي قادته السعودية والإمارات تدخله العسكري في مارس/آذار 2015، كانت عُمان الدولة الخليجية الوحيدة التي رفضت الانضمام إليه.

وبدلاً من ذلك، تبنت مسقط دور الوسيط المحايد، فاستضافت قيادات حوثية بارزة، وتحولت إلى قناة رئيسة للمفاوضات، وتبادل الأسرى، وجهود خفض التصعيد.

وعندما أُغلقت الحدود اليمنية والمطارات بفعل إجراءات التحالف، فتحت عُمان حدودها لتكون معبرًا لانتقال مئات الآلاف من اليمنيين من اليمن وإليه.

وأثمر هذا النهج عن نتائج ملموسة، إذ أصبحت عُمان خلال العقد الماضي طرفًا لا غنى عنه لمعظم الفاعلين في الحرب، من السعودية وإيران، إلى الولايات المتحدة، والحوثيين، والأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وأسهمت مسقط مؤخرًا في التوسط لهدنة بين واشنطن والحوثيين، أوقفت الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، وذلك قبيل الزيارة التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرياض مطلع عام 2025.

وأكد التقرير أن "حياد عُمان لم يكن وليد الصدفة، ولا نابعًا من اعتبارات أخلاقية مجردة، بل نتيجة فهم تاريخي عميق لطبيعة اليمن الرافضة للإكراه الخارجي، وحدود استخدام القوة العسكرية، فضلًا عن خصوصية وتعقيد علاقة مسقط بكل من طهران والرياض وأبوظبي".

وأضاف أن "عُمان، على خلاف الإمارات، تتقاطع مع السعودية في تفضيل الإبقاء على دولة يمنية موحدة، وإن كان هذا التفضيل محاطًا بتوترات، خاصة في ظل غياب اتفاقيات حدودية ملزمة قانونيًا مع كيان جنوبي مستقل محتمل".

أزمة الشرق 

وبحسب المعهد، ردًا على تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي، أقامت عُمان والسعودية مستوى غير مسبوق من التنسيق بشأن اليمن، حيث تناوب كبار المسؤولين السياسيين والاستخباراتيين والعسكريين والأمنيين على التنقل بين مسقط والرياض.

ورفضت عُمان تطمينات المجلس الانتقالي الجنوبي بشأن أمن الحدود، وعززت انتشارها الحدودي مع محافظة المهرة، كما انضمت إلى الجهود السعودية لاستعادة السيطرة على شرق اليمن، مع تجنب المشاركة المباشرة في العمليات الجوية.

ورغم أن إخراج المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن لاحقًا حل نفسه، من المهرة، ونشر قوات سلفية موالية للسعودية تحت راية "درع الوطن"، خفف الضغط المباشر على حدود عُمان، فإن مسقط لا تزال تنظر إلى الوضع بقلق إستراتيجي بعيد المدى.

فوجود أي قوة خارجية، إماراتية كانت أم سعودية، في المهرة، يظل في نظر عُمان نقطة ضعف إستراتيجية. وعلى مدى عقود، لم تقتصر مكانة السلطنة في بعض مناطق المهرة وجزيرة سقطرى على النفوذ غير المباشر، بل وصلت أحيانًا إلى حد منافسة نفوذ الدولة اليمنية نفسها.

وخلص المعهد إلى أنه "ما لم يُفضِ هذا الترتيب الجديد في نهاية المطاف إلى إحياء خارطة الطريق السعودية–الحوثية، التي توسطت فيها عُمان بصبر على مدى سنوات، فإن النتيجة ستكون مزيدًا من التشظي داخل اليمن، وعلى طول حدود عُمان، وداخل مجلس التعاون الخليجي نفسه".

وأضاف: "بالنسبة لدولة تقوم عقيدتها الأمنية على جوار مستقر ودبلوماسية متوازنة بعناية، تظل مخاطر انتقال الاضطرابات قائمة وبدرجة عالية".

وختم التقرير بالقول: "قد تكون عُمان نجحت حتى الآن في عبور هذه العاصفة، غير أن هذه الحلقة تكشف حقيقة مقلقة؛ ففي يمن اليوم، لا يمنح الحياد حصانة، بل يوفر فقط أملًا هشًا في الاحتواء".