"جي إف-17" والطائرات المسيرة.. هل تكسر باكستان احتكار الغرب للتفوق الجوي؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

ترددت في أروقة مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2026 لازمة مألوفة.. خطبٌ مطوّلة عن "النظام الدولي المزدهر على مدى عقود" الذي بات يواجه ضغوطا غير مسبوقة.

وكما جرت العادة، كان هذا التجمع صدى للقلق العابر للأطلسي، مشوبا بشيء من إنكار التآكل التدريجي للهيمنة الغربية.

غير أن تحوّلا أكثر عمقا وتأثيرا كان يتشكل، في الوقت نفسه، على بُعد آلاف الأميال.

"دمقرطة" القوة

داخل المجمع الوطني لعلوم وتكنولوجيا الفضاء الجوي (NASTP) في مدينة روالبندي الباكستانية، كان الزوار يتنقلون بين قاعات تصطف على جوانبها نماذج مصغّرة لمقاتلات وطائرات مسيّرة قتالية، ويتوقفون عند أجهزة محاكاة الطيران؛ حيث يصقل الطلاب مهاراتهم، ويراقبون مهندسين يوجّهون شركات ناشئة في مسار تطوير النماذج الأولية.

لم يكن المجمع مجرد معرض صناعي، بل تجسيدا لتحول يعيد تشكيل معادلات الأمن العالمي، مع ما يشبه "دمقرطة" القوة الجوية تدريجيا، وانتقال القدرة الجوية الموثوقة من احتكار الدول الغربية الثرية إلى أيدي قوى صاعدة في الجنوب العالمي. بحسب تعبير مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت".

وقالت المجلة الأميركية، في تقرير لها: "على امتداد معظم العصر الحديث، كان من المتعذر تصور مشاهد كهذه خارج دائرة ضيقة من القوى النخبوية".

وأضافت أن "امتلاك قوة جوية متقدمة كان يتطلب ميزانيات دفاعية هائلة، ومنظومات تكنولوجية متطورة، واصطفافا سياسيا مع شبكات الأمن الغربية التي كانت تتحكم في الوصول إلى أحدث الطائرات وأنظمة الملاحة الجوية والأسلحة الدقيقة".

ولذلك، أصبحت السيادة الجوية امتيازا إستراتيجيا محصورا بحلفاء الولايات المتحدة المقرّبين، والاتحاد السوفيتي/روسيا، وعدد محدود من الدول الثرية القادرة على تحمّل الكلفة المالية والدبلوماسية للحفاظ على أساطيل حديثة.

وقد ضمنت ضوابط التصدير، وأنظمة العقوبات، والاشتراطات السياسية، بقاء السيطرة على الأجواء مُحكمة الإغلاق. غير أن هذا الاحتكار التاريخي أخذ يتآكل تدريجيا. وفق التقرير.

ومن أبرز تجليات هذا الاحتكار سيطرة الولايات المتحدة على مقاتلة (إف-16)، إحدى أكثر الطائرات المقاتلة طلبا خلال الحرب الباردة.

فقد جمعت هذه الطائرة متعددة المهام -التي أنتجتها شركة "جنرال دايناميكس"- بين قدرات القتال الجوي والضربات الدقيقة، وهو تنوّع أثبتته عام 1981 حين دمّرت طائرات (إف-16) إسرائيلية مفاعل أوزيراك النووي العراقي.

وأضاف: "بالنسبة إلى باكستان، شكّلت (إف-16) مكافأة جيوسياسية على دورها كحليف متقدم لواشنطن في إخراج السوفيات من أفغانستان بعد عام 1980، في وقت ظلت فيه الهند، خصمها الإقليمي، تعتمد بدرجة كبيرة على الطائرات السوفيتية خلال الحرب الباردة".

واستدرك التقرير: "لكن انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، ثم تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وباكستان بعد عام 2001، أفضيا إلى إعادة تموضع إستراتيجي في سوق التسلح بجنوب آسيا، وأسهمَا في تراجع الهيمنة الغربية على مجال القوة الجوية المتقدمة".

واستطرد: "أصبح من المستحيل تجاهل هذا التحوّل عندما بادرت واشنطن عام 2020 إلى منع تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من الحصول على ترقيات متطورة لطائرات (إف-16)، وذلك عقب شراء أنقرة لمنظومة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية المتطورة (إس-400)".

فقد كشف هذا القرار عن مدى خضوع -حتى أقرب الحلفاء- لضوابط التصدير الغربية، وفق تأكيد المجلة.

وردّت أنقرة بتسريع برنامجها المحلي للطائرات المسيّرة، مُنتجةً منصات منخفضة التكلفة ومُجرّبة في القتال، والتي سرعان ما أعادت تشكيل ساحات المعارك من أوكرانيا والقوقاز إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، وهو تحوّل حفّزته وعجّلت وتيرته الحرب في أوكرانيا.

بالتوازي، طوّرت باكستان والصين مقاتلة (جيه-إف 17)، ويحمل اسم الطائرة دلالة تنافسية واضحة -بحسب التقرير- إذ يشير الحرفان "JF" إلى "المقاتلة المشتركة" (Joint Fighter)، فيما يوحي الرقم 17 بتفوق رمزي على (إف-16).

 

دعم صيني

وقالت المجلة: إن "استعداد الصين لنقل التكنولوجيا والمشاركة في الإنتاج أتاح لباكستان إدخال مقاتلة حديثة متعددة المهام إلى الخدمة، قادرة على إسقاط الطائرات بصواريخ جو–جو بعيدة المدى، وتنفيذ ضربات دقيقة موجهة ضد أهداف أرضية، وتتبع تهديدات متعددة عبر رادارها النشط ذي المسح الإلكتروني".

ومعا، كسرت المسيّرات القتالية التركية و(جيه-إف 17) احتكار القوة الجوية، وأزالت الحواجز المالية والسياسية التي طالما حصرت القدرة الجوية الموثوقة في دائرة ضيقة من الدول المميّزة. وفق التقرير.

وأضاف: "بالنسبة لباكستان، كان هذا التحول إستراتيجيا وذا أثرٍ على سمعتها، فطائرة (جيه-إف 17)، التي طُوّرت بالتعاون مع الصين وتُنتج محليا بوتيرة متزايدة، تُشكّل ركيزة أساسية لتحوّل إسلام آباد من مستوردة للأسلحة إلى قوة مؤثرة في مجال الطيران".

وتابع: "وقد حظي هذا التطور باهتمام عالمي خلال الصراع الذي استمر أربعة أيام في مايو/أيار 2025، حين أُفيد بأن طائرات باكستانية أسقطت مقاتلة رافال هندية اشترتها نيودلهي من شركة داسو الفرنسية".

وأفاد التقرير بأن هذا النجاح حظي باهتمام دولي واسع، ونال إشادة علنية نادرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مما زاد الاهتمام بالطائرة بشكل ملحوظ.

ومنذ ذلك الحين، توسعت صادرات طائرة (جيه-إف 17) لتشمل نيجيريا وميانمار وأذربيجان والعراق، مع تزايد الاهتمام بها في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.

وقالت المجلة: "من خلال تقديم بديل كفؤ وبأسعار معقولة للمقاتلات الغربية والروسية، تُعيد باكستان تشكيل خيارات التوريد للدول متوسطة الحجم. وبهذا لم تعد مجرد مشترٍ للأمن، بل باتت تُسهم في صناعته، مُرسخةً مكانتها كمركز إستراتيجي في منظومة دفاعية عالمية سريعة التنوع".

وأضافت: "لا تقتصر تبعات هذا التحول على أسواق الأسلحة فحسب، بل تتعداها لتشمل حصول الدول الصغيرة والمتوسطة على قوة جوية ذات مصداقية لأول مرة، وتلاشي التسلسل الهرمي الإقليمي، وإعادة ضبط معادلات الردع".

"ففي مناطق متقلبة تمتد من جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط والقوقاز، يُحدث انتشار القوة الجوية هذا تغييرا جوهريا في كيفية التفاوض على النفوذ والإكراه والاستقرار".

وفي المجمع الوطني لعلوم وتكنولوجيا الفضاء الجوي في باكستان، لا يقتصر الهدف على تصنيع الطائرات فحسب، بل يتعداه إلى بناء رأس مال بشري وعمق تكنولوجي يدعمان استقلالا إستراتيجيا طويل الأمد.

ومن خلال إدماج تطوير الصناعات الجوية في إطار ريادي، تضع باكستان أسس سيادة دفاعية مستدامة، بحيث تستند قوتها الجوية المتنامية إلى مهارات محلية وقدرات بحثية وصلابة صناعية، بدلا من ارتهان دائم للخارج.

ووفقا للمارشال الجوي المتقاعد عامر مسعود، الذي خدم في القوات الجوية الباكستانية لأكثر من 40 عاما، فإنه "من المرجح أن تبقى صناعة الطيران والفضاء سلاحا مفضلا للقيادة المستقبلية".

وقال مسعود: إن المستقبل "يتمحور حول الحرب غير المباشرة باستخدام ذخيرة دقيقة بعيدة المدى، وطائرات مسيّرة، ومركبات قتالية غير مأهولة، مدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي وأدوات دعم القرار؛ فالدولة التي تتمتع بتكامل وتواصل أفضل ستكون قادرة على اتخاذ قرارات أسرع".

وبحسب المجلة، فإن “هذا التطور التراكمي يقود إلى إعادة تشكيل موازين القوى العسكرية العالمية؛ إذ تتراجع هيمنة الغرب على أسواق الدفاع مع ظهور جيل جديد من مصدّري الأسلحة، بقيادة تركيا وباكستان والصين، الأمر الذي يُعيد تعريف الوصول إلى القدرات الجوية المتقدمة”.