لماذا تشكك موسكو في قدرة بغداد على نزع سلاح المليشيات الشيعية؟

"احتمالية تنفيذ هذه الخطة من قبل القوى السياسية التقليدية ضئيلة"
أعلنت عدة مليشيات عراقية دعمها العلني لمبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، في خطوة رأى موقع روسي أنها "تعكس استعدادها لتسليم أسلحتها للحكومة أو حل هياكلها التنظيمية أو الاندماج في الأجهزة الأمنية الرسمية والمشاركة في العملية السياسية".
ووفقا لموقع “نادي فالداي” فإن "هذا الموقف أتى نتيجة عاملين مترابطين؛ الأول يتمثل في فوز ممثلي تلك الجماعات بنحو مئة مقعد في البرلمان خلال الانتخابات الأخيرة".
والثاني، "يرتبط بتصاعد الضغوط الأميركية على العراق؛ حيث طالبت واشنطن بتشكيل حكومة لا تشارك فيها المليشيات، مُلوّحة بفرض عقوبات اقتصادية، بل وحتى القيام بعمليات عسكرية ضد الجماعات الخارجة عن السيطرة".
ومن اللافت أن "هذه التطورات تزامنت مع تراجع ملحوظ في النفوذ الإيراني داخل الساحة العراقية، الأمر الذي يضع الحكومة الناشئة أمام تحديات صعبة، بين تنفيذ إعلانات نزع السلاح أو مواجهة مباشرة مع جماعات ما زالت تمتلك قدرات عسكرية ذات أهمية". بحسب الموقع.

تحول أيديولوجي
واستهل التقرير حديثه قائلا: "جاءت تصريحات قادة خمس فصائل مسلحة بارزة لتؤكد اتفاقهم على مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة".
وتشمل هذه الجماعات قيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق، وشبل الزيدي قائد كتائب الإمام علي، وأحمد الأسدي قائد كتائب جند الإمام، وأبو آلاء الولائي قائد كتائب سيد الشهداء، وحيدر الغراوي قائد أنصار الله الأوفياء.
"كما أعرب معظم قادة الإطار التنسيقي -وهو التنظيم السياسي الأكثر تأثيرا- عن مواقف مماثلة، مشددين على ضرورة دعم الدولة في المرحلة المقبلة". وفق ما أورده التقرير.
من جانبه، أعرب رئيس المجلس الأعلى للقضاء فائق زيدان عن شكره لهذه الجماعات استجابتها دعوته للتعاون. مؤكدا أن "الهدف يتمثل في ضمان سيادة القانون وتوحيد القوة العسكرية بيد الدولة والانتقال إلى العمل السياسي، في ظل انتفاء الحاجة للعمل العسكري على المستوى الوطني".
علاوة على ذلك، ذكر التقرير أن "هذه الدعوة لاقت دعما من بعض القوى السياسية التي رأت في هذا التحول خطوة إيجابية".
ولفت إلى أنه "على النقيض من الخطاب التقليدي الذي ساد في السنوات الماضية والقائم على دعم المليشيات، يمثل اعتراف الجماعات المسلحة باحتكار الدولة للسلاح تحولا أيديولوجيا مهما، يمكن عدّه أيضا ابتعادا حذرا عن النموذج الإيراني الذي يشجع على إنشاء منظمات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة".
مع ذلك، أوضح أن "مقترحات تسليم السلاح لم تحظ بقبول شامل؛ إذ رفضتها بشكل قاطع جماعات أخرى، من بينها اثنتان تعدان من أكثر الفصائل استعدادا للقتال، هما كتائب حزب الله بقيادة أحمد محسن فرج الحميداوي وحركة النجباء بقيادة أكرم الكعبي".
في هذا السياق، أشار التقرير إلى أن "وسائل الإعلام والمنظمات السياسية التابعة لهما شنت حملة لتشويه سمعة الجماعات المؤيدة لاحتكار الدولة للسلاح، مستندة إلى الوجود الأميركي في العراق كمبرر لاستمرار عملياتها".
"كما أكَّدت هذه الجماعات أن أي مفاوضات لنزع السلاح لن تكون ممكنة إلا بعد الانسحاب الكامل للقوات التركية وقوات حلف شمال الأطلسي من الأراضي العراقية". وفقا له.
ويقدر الموقع أن "الاختلافات الواضحة في مواقف الفصائل المسلحة تثير فرضيتين أساسيتين، الأولى تفترض وجود انقسام أيديولوجي عميق قد يؤدّي إلى مواجهة مسلحة مباشرة بين الفصائل المتحالفة مع الدولة والولايات المتحدة، وتلك التي لا تزال تحت النفوذ الإيراني".
أما الفرضية الثانية فتشير إلى أن “هذا الانقسام قد يكون تقسيما تكتيكيا متفقا عليه مسبقا لتوزيع الأدوار داخل الحركة وكسب الوقت قبيل انتخابات التجديد النصفي في أميركا (نوفمبر/تشرين الثاني 2026) والانتخابات الرئاسية 2028، والتي قد تعيد تشكيل مسار السياسة الخارجية لواشنطن”.
ويعتقد الموقع الروسي أن "كلا السيناريوهين يبقى واردا في ظل الواقع السياسي الراهن في العراق".
وتابع موضحا: "فمن جهة، تحظر الأحكام الدستورية والانتخابية مشاركة الجماعات شبه العسكرية في الانتخابات رسميا، مما يخلق مقاومة قانونية وشعبية لوجودها في البرلمان".
وأردف: "ومن جهة أخرى، أكدت الولايات المتحدة صراحة للحكومة العراقية وهيئة التنسيق ضرورة إيجاد حل عاجل لمشكلة المليشيات، مستبعدة خيار التدخل العسكري المباشر الذي قد يشمل إسرائيل".
وأرجع التقرير رغبة بعض المليشيات في الاندماج داخل النظام الحكومي وتسليم أسلحتها إلى مجموعة من العوامل، "أبرزها نجاحها الانتخابي الأخير، وتطوير بنيتها الاقتصادية، إضافة إلى مخاوفها من تهديد عسكري محتمل من الولايات المتحدة وإسرائيل".
واستدرك: "غير أن هذه الإنجازات ذاتها، المتمثلة في النفوذ السياسي والموارد المالية والقوة العسكرية، تشكل في الوقت نفسه عائقا أمام نزع سلاحها الكامل".
فمن وجهة نظرها، "يُهدد التخلي عن الأسلحة المليشيات بالملاحقة القضائية والعقوبات الاقتصادية وفقدان الدعم الشعبي الذي أوصلها إلى السلطة".
مفاوضات سرية
وفيما يتعلق بالوجود العسكري الأميركي في العراق، ذكر الموقع أن "مصادر سياسية مطلعة أشارت إلى أن بعض الجماعات المسلحة بدأت مفاوضات سرية مع الولايات المتحدة عبر وسطاء قبل عدة أشهر، تركزت على الحصول على ضمانات سياسية مقابل نزع السلاح".
وعقّب قائلا: "يستمر هذا الحوار بأشكال مختلفة منذ سنوات، إلا أن نطاقه ونتائجه لا تزال غير واضحة".
وأبرز الموقع المتغيرات الإقليمية التي أثرت على موقف واشنطن من تلك الجماعات، "فمع تصاعد الصراعات في غزة ولبنان وإيران وسوريا، وتأثيرها على الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة؛ تحوّل تركيز الضغط الأميركي ليشمل ليس فقط المليشيات التي تهدد المصالح الأميركية، بل أيضا الحكومة العراقية والأحزاب التي تعدها واشنطن متعاونة مع هذه الجماعات".
ووفقا له، فإن "هذا التوجه يفسر تشديد واشنطن في الآونة الأخيرة عقوباتها الاقتصادية على البنوك العراقية الرسمية وشركات النفط".
وحول علاقة هذا الملف بالانسحاب الأميركي من العراق، أوضح الموقع أن "واشنطن ربطت إتمام الانسحاب بحل المليشيات وإرساء سيطرة الدولة على الأسلحة".
يُذكر أنه سبق وأن أُعلن في سبتمبر/ أيلول 2024 رسميا عن عزم الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق على مرحلتين.
وتتضمن المرحلة الأولى الانسحاب من قاعدة عين الأسد الجوية، وهو ما تحقق بالفعل في يناير/ كانون الثاني 2026، ومن المقرر أن تنسحب باقي القوات الأميركية الموجودة في قاعدة حرير الجوية بإقليم كردستان شمال العراق نهاية عام 2026.
وفي هذا الإطار، عرض الموقع فرضيتين أساسيتين بشأن أسباب انسحاب القوات الأميركية من العراق.
الأولى، "تفترض التزام واشنطن بتنفيذ الاتفاقية بصدق؛ حيث تعتزم إتمام الانسحاب ضمن الإطار الزمني المحدد".
وفي هذا السياق، يرى التقرير أن "الضغط المتزايد على الحكومة والقوى السياسية والمليشيات وسيلة لتهيئة الظروف اللازمة في العراق وضمان انتقال آمن ومنظم للمسؤولية إلى دولة عراقية ذات سيادة".
"أما الفرضية الثانية، فتفترض أن الولايات المتحدة تُراجع إستراتيجيتها، وربطت انسحابها بحل المليشيات". وفق قوله.
ويعتقد التقرير أن "هذا السيناريو يشير إلى أن أي حكومة عراقية رسمية غير قادرة على تلبية المطلب الأميركي الرئيس بالكامل، ألا وهو الحل الكامل لقوات الحشد الشعبي، ما يفرض على واشنطن مراجعة جدول انسحابها وربطه بنتائج ملموسة وقابلة للتحقق في نزع سلاح المليشيات".
وبحسب تقديره، "تكتسب الفرضية الثانية مزيدا من التأكيد في الوضع الراهن؛ حيث إن الانقسام داخل المليشيات نفسها -نصفها يوافق على شروط نزع السلاح والنصف الآخر يرفضها- يعيق فعليا تنفيذ الاتفاقيات القديمة".
وهو ما عُدّ أنه "يوفر ذريعة للولايات المتحدة للإصرار على استئناف المفاوضات ووضع خرائط طريق جديدة أكثر صرامة، تربط بشكل مباشر بين مواعيد الانسحاب المستقبلية وآليات محددة للقضاء على الجماعات المسلحة".
وفي هذا الصدد، يكشف موقف أحد القادة المؤثرين عن حقيقة مهمة؛ إذ صرح زعيم منظمة بدر، هادي العامري، في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2025 بأن قرار نزع السلاح يجب أن يتخذه العراقيون وحدهم دون أي تدخل خارجي. مؤكدا أن التحالف الدولي لا يمكنه فرض شروط للحد من التسلح طالما بقيت قواته في البلاد.
في المجمل، شدد التقرير على أن "الضغط الأميركي الحالي على العراق ليس نهجا جديدا، بل رد فعل على عدم تنفيذ الاتفاقيات السابقة".
واستدل على ذلك قائلا: "فمنذ اتفاقية الإطار الإستراتيجي لعام 2008، التي لا تزال الأساس القانوني الوحيد للتفاعل بين الجانبين، يتعارض التزام الولايات المتحدة بضمان أمن العراق ومؤسساته الديمقراطية مع وجود المليشيات المسلحة".
"واليوم، تُذكّر واشنطن بغداد بأن سيادة البلاد وأمنها مستحيلان دون سيطرة الدولة الكاملة على الأسلحة وحل الهياكل العسكرية الموازية".

توزيع الأدوار
في سياق متصل، تناول الموقع دور إيران في العراق بعد حرب الأيام الاثنى عشر. مشيرا إلى "تراجع نفوذها؛ حيث أصبح دورها السياسي في تشكيل الحكومة الجديدة أقل أهمية من ذي قبل".
ومع ذلك، لفت إلى أن "روابطها التنظيمية والأيديولوجية والاقتصادية مع الجماعات المسلحة الرئيسة لا تزال قوية، مما يجعل من غير المرجح أن يتراجع نفوذها الفعلي على هذه الجماعات".
وفق هذه المعطيات توقع أن “تُجري طهران إعادة تنظيم إستراتيجية لأدوات نفوذها في العراق، فقد دمجت أكثر الجماعات نفوذا سياسيا مثل عصائب أهل الحق (27 مقعدا)، وكتائب سيد الشهداء (12 مقعدا)، وكتائب الإمام علي (12 مقعدا)، وأنصار الله العوفية (5 مقاعد)، ومنظمة بدر (21 مقعدا) في المجال السياسي القانوني عبر هيكل الحشد الشعبي”.
ولم يستبعد التقرير أن "يكون اتفاقها على نزع السلاح جزءا من هذه الشرعية، محولا إياها إلى بديل سياسي طويل الأمد".
بالتوازي مع ذلك، أشار الموقع إلى "احتفاظ الجماعات الأكثر جاهزية قتالية وتطرفا، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء، بقدرات عسكرية تحسبا لأي مواجهات مستقبلية محتملة مع الولايات المتحدة".
ووفقا له، فإن "هذا لا يعكس انقساما، بقدر ما يعكس توزيعا للأدوار ضمن إستراتيجية موحدة تهدف للحفاظ على النفوذ والقدرة على الردع".
في المقابل، أشار إلى "سيناريو آخر أقل ترجيحا يشير إلى أن الانقسام يعكس ضعفا حقيقيا في السيطرة الإيرانية، مما يسمح لبعض الجماعات بالتصرف بشكل مستقل".
إلا أنه يرى أن "هذا يتناقض مع المشاركة المنسقة لهذه الجماعات نفسها في الانتخابات وخطابها العلني، الذي لا يزال يتماشى مع خط مؤيد لإيران".
الوسيط المحايد
ومن ثم خلص الموقع إلى أن "التوجه السائد في العراق حاليا يتمثل في تشكيل حكومة قادرة على إنجاز مهمة محددة بالغة التعقيد، وهي نزع سلاح المليشيات".
مع ذلك، يقدر أن "احتمالية تنفيذ هذه الخطة من قبل القوى السياسية التقليدية ضئيلة، فمن غير المرجح أن يتمكن أي حزب نافذ أو رئيس وزراء سابق يتمتع بسلطة حقيقية من قيادة مثل هذه العملية".
وفسر ذلك قائلا: "إن انخراط القوى السياسية في النظام القائم، ومصالحهم الحزبية، وطموحاتهم الشخصية، يُثير شكوكا حول حياد العملية ويضعف الثقة في نزاهتها، مما يقوض ثقة كل من المليشيات وواشنطن".
"أما الشخصيات غير المرتبطة بالصراعات الحزبية أو البرلمانية، والتي لا تسعى إلى السلطة الشخصية على المدى البعيد، فلديها فرصة أكبر للنجاح". بحسب الموقع.
ومن هنا، يعتقد أنه "يمكن لمثل هذا القائد (التكنوقراط) أو الانتقالي أن يلعب دور الوسيط المحايد، الذي تقتصر مهمته على توجيه البلاد خلال هذه الأزمة".
ونوه التقرير إلى أن "الوقت ليس في صالح بغداد؛ إذ تتفاقم الحاجة إلى حل عاجل بفعل الضغوط الداخلية المتزايدة".
وتابع: "يتزايد إدراك الأوساط السياسية العراقية بأن المواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة واستمرار العقوبات لا تهدد فقط بتفاقم الأزمة الاقتصادية، بل بانهيار النظام السياسي برمته".
وأردف: "إن عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المالية الأساسية، كدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية ومعاشاتهم التقاعدية، يخلق بالفعل وضعا اجتماعيا خطيرا ينذر باحتمال اندلاع احتجاجات جماهيرية".
في المحصلة، قدر التقرير أن "تصريحات العديد من الجماعات المسلحة العراقية المؤيدة لاحتكار الدولة للأسلحة تتجاوز مجرد التلاعب السياسي، وتعكس التزاما باتخاذ إجراءات ملموسة".
واستدرك: “إلا أن تنفيذ هذه الخطوة يعرقله تحديات جسيمة، منها الرفض القاطع من جانب جماعات مؤثرة أخرى لنزع سلاحها، والشكوك حول قدرة الحكومة الجديدة على إنفاذ الاتفاقيات، وموقف إيران غير المستقر الذي قد يختار بين التصعيد أو خفض التصعيد”.
وأخيرا، بحسب الموقع "المعضلة الإستراتيجية الأميركية المتمثلة في الالتزام بجدول سحب القوات المعلن أو مراجعته وتشديد شروطه".
كما أن "تنفيذ هذه الخطوة سيتوقف على العديد من المتغيرات التي لم تُحدد بعد، منها حجم وتوقيت نقل الأسلحة، والمؤسسات الحكومية التي تتسلمها، والوضع السياسي المستقبلي لهذه الجماعات، والمصير النهائي لقوات الحشد الشعبي".
واستطرد: "تتمثل المهمة الرئيسة للحكومة الناشئة، من خلال المناقشات الداخلية المعقدة والمفاوضات مع واشنطن وطهران، في تحويل هذه المبادئ العامة إلى آليات فعالة لنزع السلاح والاندماج".
واختتم الموقع حديثه قائلا: إن "التصريحات الحالية ليست سوى بداية عملية طويلة ومحفوفة بالمخاطر، يتوقف مآلها على التفاعل غير المتوقع بين القوى الداخلية والخارجية".














