ما حقيقة "تنازل" قيس سعيد عن سيادة تونس عبر اتفاق عسكري مع الجزائر؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تعيش النخبة السياسية والحقوقية والإعلامية التونسية حالة من الجدل الواسع، إثر اتفاق عسكري مع الجارة الجزائر، وسط أحاديث عن “تنازل” الرئيس قيس سعيد عن سيادة الدولة.

وتجدد الجدل بعد أن وصل وفد عسكري تونسي رفيع المستوى، يقوده رئيس أركان القوات البرية الفريق أول محمد الغول، في 24 ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى الجزائر، في زيارة مخصصة لبحث قضايا التعاون العسكري بين البلدين، على ضوء الاتفاق المبرم في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2025.

من حيث الشكل، تندرج الاتفاقية ضمن التعاون الثنائي المشروع بين دولتين جارتين تواجهان تحديات أمنية مشتركة، خصوصا في ظل عدم الاستقرار الإقليمي، وانتشار التهديدات العابرة للحدود.

غير أن تسريب بنود الاتفاقية، خاصة من لدن قناة "الزيتونة" التونسية، كشف أن الأمر يتجاوز التنسيق التقني أو تبادل الخبرات، ليصل إلى قلب الوظيفة السيادية للدولة، أي إدارة الأمن الداخلي التونسي وضمان استمرارية مؤسسات الحكم.

حيث تنص الاتفاقية وفق ما تمّ تسريبه على إمكانية تقديم "مساعدة" عسكرية وأمنية بطلب من أعلى هرم السلطة في تونس، وتشمل هذه المساعدة حماية مؤسسات الدولة، وتحييد ما يوصف بـ "العناصر التخريبية أو المتمردة"، مع إمكانية انتشار القوات العسكرية الجزائرية  على أراضي تونس.

وكانت وزارة الدفاع الجزائرية، قد أصدرت بيانا بتاريخ 7 أكتوبر 2025، أكدت فيه أن رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، السعيد شنقريحة، قد استقبل وزير الدفاع التونسي خالد السهيلي الذي قام بزيارة عمل إلى الجزائر على رأس وفد عسكري رفيع المستوى.

وأشارت الوزارة الجزائرية إلى أن الجانبين وقعا على "الاتفاق الحكومي المشترك للتعاون في مجال الدفاع بين وزارتي دفاع البلدين"، وقالت: إنّ "هذا الاتفاق يعد محطة فارقة في تاريخ العلاقات بين البلدين وخطوة هامة على مسار تعزيز العلاقات العسكرية الثنائية". وفق بيانها.

jaych.jpg

تفاعلات منتقدة

عدد من السياسيين والناشطين بتونس عبروا عن غضبهم لما تمَّ ترويجه بخصوص الاتفاقية، وفي هذا الصدد، رأى أنور غربي، مستشار الرئيس الأسبق منصف المرزوقي، أن "هذه أخطر اتفاقية على حرية التونسيين وكرامتهم".

واسترسل غربي في تدوينة عبر فيسبوك بتاريخ 18 ديسمبر 2025، "بالتأكيد هذه أخطر اتفاقية على حرية التونسيين وكرامتهم ومفردات الاتفاقية في اتجاه واحد وبين طرف غالب وطرف تابع وتذكرني بالاتفاق في إدارة الشيشان والعلاقة بالحكم المركزي في موسكو، أي علاقة تبعية مع المحافظة على عبارات السيادة".

ونبَّه السياسي التونسي إلى أن "الاتفاقية - إن ثبتت صحتها رغم أن المصدر يحظى بمصداقية عالية في مجال العمل الصحفي الاستقصائي -  تجعل من تونس إقليما تابعا وتضع السلطة القائمة في تونس في مرمى المساءلة القانونية المباشرة.

بدوره، قال الناشط الحقوقي عز الدين حزقي في تدوينة عبر فيسبوك بتاريخ 18 ديسمبر 2025: إنه تابع قناة الزيتونة، وسمع ورأى، أن هناك اتفاقية كارثية مع الجزائر". مطالبا "السلطة الحاكمة بتوضيحات تؤكد أو تنفي هذا الخبر الفاجعة".

على المستوى العملي، دعا الوزير التونسي السابق المبروك كرشيد، في تدوينة بتاريخ 19 ديسمبر 2025، من وصفهم ببعض الأصوات الحرة من البرلمانيين إلي توجيه استدعاء لوزير الدفاع والاستماع إليه.

وتابع، وذلك "حول صحة الوثيقة المسربة، ومعرفة ما ورد بالاتفاق الحقيقي"، كما دعا إلى معرفة لماذا لم يقع تكذيب رسمي للوثيقة المسربة.

في المقابل، رأى الوزير التونسي السابق محمد عبو، أن هناك العديد من المؤشرات التي تدفع للاعتقاد بعدم صحة ما تم تداوله بشأن مضامين الاتفاقية.

وأضاف عبو في تدوينة عبر فيسبوك، ومن ذلك أن "إرسال وحدات من الجيش الشعبي الجزائري إلى الخارج يتم بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان حسب الفصل 91 من الدستور، وهذا يشمل التوغل في تراب دولة أخرى للقبض على إرهابيين أو  للدفاع عن نظام تعرض لثورة آو تمرد أو محاولة انقلاب".

وتابع، كما أن "الجيش الشعبي الجزائري الذي خرج من عشرية سوداء ذاقت فيها الجزائر الأمَرّين، ليس مليشيا بوب دينار، حتى يلتزم بالانخراط في صراعات داخلية لدول أخرى".

واسترسل عبو، وأما مسألة استمرار النظام الدستوري ومسألة الشرعية في دولة كتونس، فمن المفروض أن تترك لمحكمة دستورية، لا لجيش أجنبي، فضلا أنه لا يُعرف عن الجزائر تدخلها في هذه المتاهات.

وأردف، ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن لتونس جيشا انقلابيا، فالعقيدة العسكرية تكونت في أكاديميات وطنية وفي تربصات في دول الجيش فيها محترف ويعرف جيدا مهامه وعلاقته بالسلطة المدنية في كنف الشرعية، لا في أكاديميات شرق المتوسط.

وخلص إلى أن الجيش التونسي لن يقبل باتفاق يسمح بتوغل جيش أجنبي، وإن كان صديقا، في التراب التونسي لمطاردة إرهابيين، ربما قبل بدعم تقني خارجي في فترات ضرب فيها الإرهاب البلاد، ولكنه اليوم له تجهيزات كافية وخبرات قتالية حقيقية لا فقط نظرية، وقدم شهداء، وهو المؤسسة الأكثر ثقة ولا يعقل أن يترك لغيره وغير الأمن تنفيذ مهام على ترابه.

شفافية مطلوبة

أمام غياب أي تفاعل رسمي مع ما تم تسريبه من مضامين في الاتفاقية، دعا حزب تونسي السلطات في بلاده إلى الكشف عن النص الكامل للاتفاقية الأمنية الأخيرة الموقعة مع الجزائر.

وأضاف حزب "حركة حق"، وفق ما نشر موقع "الترا تونس" بتاريخ 24 ديسمبر 2025، أن هذا الإعلان أو النشر هو بهدف وضع حد للتسريبات المتداولة ودحض ما يروّج من معطيات تفيد بأن الاتفاقية تمنح الجزائر حق التدخل العسكري في تونس لدعم نظام الرئيس قيس سعيد.

وأعرب المصدر ذاته عن قلق الحزب إزاء ما وصفته بالتسريبات الرائجة، ويرى أنها تعكس يقظة المجتمع وحرصه على سيادة البلاد ومقدراتها، لكنها في الوقت ذاته تبرز خطورة غياب المعلومة الرسمية، الذي يفتح المجال أمام الشائعات ويغذي مناخ التشكيك، بما يفضي إلى اهتزاز الثقة بين الدولة والمجتمع.

وشدد أن "المصلحة الوطنية تقتضي اعتماد سياسة تواصلية شفافة، قادرة على قطع الطريق أمام الإشاعات وتوضيح الحقائق للرأي العام".

ورأى الحزب أن "العلاقة مع الجزائر تعد علاقة إستراتيجية تحظى بالتقدير، غير أن استمرارية هذه العلاقة ونجاحها يظلان مرهونين بوضوح الاتفاقيات المبرمة ونزاهتها، وبكونها تحقق المصلحة المشتركة في إطار الاحترام التام لسيادة كل دولة".

أمام حدة الجدل بالبلاد، فنّد الرئيس التونسي قيس سعيّد، صحة الوثائق المتداولة التي تزعم وجود اتفاق تعاون دفاعي مع الجزائر.

وأكد الرئيس سعيّد، خلال لقائه الدوري برئيسة الحكومة، بتاريخ 18 ديسمبر 2025 بقصر قرطاج، أنه "لا مجال للمسّ بالسيادة الوطنية". مشددا أن "المحاسبة طبقا للقانون حقّ مشروع للشعب، بالنظر لما عاناه من ظلم واستيلاء على ثرواته وتفريط في مقدراته".

ووجّه الرئيس التونسي كلامه للمتفاعلين مع الحدث بالتشكيك في سياساته قائلا: "أما الذين ما زالوا في غيهم ويتخبطون، فليعلموا أن الدولة لا تُدار بالتدوينات ولا بافتعال وثائق لا وجود لها إلا في خيالهم المريض، فهم مفضوحون مكشوفون".

وبتاريخ 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عبر وزير الدفاع التونسي في جلسة برلمانية عن استهجانه "توظيف الاتفاقية العسكرية بين الجزائر وتونس لبث الإشاعات". مؤكدا أنه "كلما اقترب البلدان من توثيق تعاونهما كثرت المغالطات".

كما شدّد على أن ما يهم تونس هو أمنها وحماية حدودها وسيادتها. مشيرا إلى أن العلاقات مع الجزائر تقوم على شراكات منظمة لا تحمل طابعا سياسيا أو اصطفافيا.

إلى ذلك، أوضح الوزير التونسي أن الاتفاقية العسكرية مع الجزائر ليست جديدة؛ إذ تم توقيعها سنة 2001، وتمت مراجعتها لتتوافق مع المستجدات، مؤكدا أنها لا تحمل أي بُعد سياسي، وأن تعزيز التعاون العسكري بين البلدين يُعد خيارا إستراتيجيا يخدم أمن واستقرار المنطقة.

68e564c34c59b77e5a37f3e4.jpg

مساس بالسيادة

رغم نفي الرئيس سعيد، إلا أن عدم كشف أو نشر نص الاتفاق مع الجزائر، زاد الشكوك بخصوص مضمونها، وفي هذا الصددـ رأت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، أن الاتفاق يَمس بالخطاب القومي للرئيس التونسي.

وقالت الصحيفة في تحليل بتاريخ 26 ديسمبر 2025، إنه رغم توضيح الرئيس ووزير دفاعه، إلا أن الملف عاد إلى الواجهة بقوة، ليصبح حديث الساعة ومصدر قلق متزايد لدى الرأي العام التونسي.

ورأت أن الجدل القائم يبرز أن الشارع التونسي يدرك خطورة ما ينطوي عليه هذا النوع من الاتفاقيات، التي لا تخضع لمصادقة مجلس نواب الشعب، وتندرج، على ما يبدو، ضمن دائرة "سرّ الدولة".

وعلى مستوى التداعيات، شددت الصحيفة على أن هذه القضية تُضعف سلطةً سياسيةً بنت خطابها، في سياق شعبوي، على شعار السيادة الوطنية ورفض أي تدخل أجنبي.

وأردفت، حيث إن تسريب بنود الاتفاق يكشف واقعا مغايرا تماما، تصبح فيه السيادة "مرنة" وقابلة للتأويل، مع سلطة تونسية تبدو مستعدة لإظهار شكل من أشكال التبعية للجزائر.

وقال المصدر: إن هناك شعورا عاما بالقلق يخيم في تونس، في ظل الانطباع السائد بأن قيس سعيّد أتاح للجزائر إمكانية التدخل في البلاد.

وعلى مرّ السنين، تضيف الصحيفة، نجحت الأنظمة التونسية المتعاقبة في إبقاء التدخل الجزائري على مسافة، غير أن الوضع تغيّر جذريا مع قيس سعيّد الذي وصل إلى السلطة دون سند دولي حقيقي، وكان يبحث عن "راع".

وخلصت إلى أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أحسن في لعب هذا الدور، في وقت لم ينجح فيه لا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ولا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في القيام به.

أسئلة معلقة

في قراءته لهذه التفاعلات، قال الوزير التونسي السابق فوزي بن عبد الرحمان: إن موضوع الاتفاقية العسكرية مع الجزائر يطرح العديد من الأسئلة، بعضها نستطيع الإجابة عنه وبعضها يبقى دون جواب.

وأولها، يقول ابن عبد الرحمن لـ "الاستقلال"، إن خبر الاتفاقية تم نشره على صفحة الجانب الجزائري دون التونسي، كما نعلم أن الرئيس سعيد نفى صحة ما يتم ترويجه بخصوص مضامين الاتفاقية.

واستدرك، لكن ما نشرته الزيتونة، وهي قناة ذات مصداقية، وجرائد "جون أفريك" و"لوفيغارو" الفرنسية، دون أي تكذيب رسمي على تلك التفاصيل، يجعل ما تم نشره أقرب للصحة.

وعن سبب هذا الصمت من طرف السلطات التونسية، قال ابن عبد الرحمن، إن لنا هنا أكثر من إجابة، وأولا أن سلطة قيس سعيد قتلت السياسة بالمعنى النبيل للكلمة، فهو لم يقتل المعارضة بل قتل السياسة التي في جانبه، لا يوجد اليوم من يحمل خطابا سياسيا لدى السلطة القائمة، الوزراء موظفون سامون من الإدارة ولا يتدخلون في الشأن السياسي. هم وجوه من غير صوت.

ثانيا، يردف المسؤول التونسي السابق، المؤسسة العسكرية التي من المفروض أن تكون في واجهة الخبر هي مؤسسة صامتة عند جميع الدول وعندنا، وهي بذلك في دورها ولا يمكن أن نطلب منها أكثر من ذلك، ولكن وزير الدفاع هو الطرف الذي يجب أن يجيب على تساؤلات الرأي العام وهو لا يفعل.

ويرى ابن عبد الرحمن أن مما يفسر الصمت الرسمي أيضا، ما يمكن وصفه بالحرج الذي توجد فيه السلطة السياسية في تونس بخصوص هذا الاتفاق، فهي لا تتلكم ولا تصدق ولا تكذب، فقط تصمت.

وعن إمكانية العمل بالاتفاقية، قال المتحدث ذاته: إن الواجب هو إلغاء الاتفاقية بكل بساطة؛ لأنها غير مقبولة شكلا ومضمونا، ولا يمكن أن تعبر بأي شكل من الأشكال على الإرادة الشعبية في بلادنا.

واسترسل، "إلغاء الاتفاقية هو الرأي والموقف الوحيد في تقديري، ولن أدخل في تفاصيل الاتفاقية، يكفي أن نذكر عدم توازنها، وكذلك عدم خضوعها للمساءلة الدستورية كما كان يجب أن يكون".

من جانب آخر، نبه ابن عبد الرحمن إلى أن ما يجرى لا يصح أن يجرنا من الناحية العاطفية للتعرض إلى العلاقة مع الجار الجزائري، وثوابت سياستنا الخارجية معه، كما هو المفروض أن تكون.

وأردف، هذه الثوابت تتلخص في أنه "لا نسمح لأنفسنا بالتدخل في الشأن الجزائري، وأن كلمة سيادة تطبق على الجانبين"، وأن "تاريخ البلدين مرتبط أشد الارتباط وكان دائما تحت عنوان واحد وهو مساندة الشعب والوقوف إلى جانبه".

وتابع، "يمكن أن تختلف سلطات البلدين أو تأخذ اتجاهات مختلفة في فترات معينة أو في قضايا معينة، لكن احترام الرأي والموقف ومواصلة الحوار هو الطريق الأمثل لتجاوز الخلاف".

وأشار ابن عبد الرحمن إلى أن "ثوابت سياستنا الخارجية هي العمل على وحدة المغرب العربي الكبير ودفع التعاون والاندماج الاقتصادي".

وشدد الوزير السابق إلى أن "هذه الاتفاقية التي وصفتها صفحة وزارة الدفاع الجزائرية بالمحطة الفارقة في تاريخ العلاقات بين البلدين أثبتت أننا نعيش في تونس أزمة حكم وأزمة مؤسسات، وأننا لا يمكن أن نواصل في هذا النهج المسدود، مهما كانت طبيعة الاتفاق ومحتواه".

يُشار إلى أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أكد خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الجزائرية، الجمعة 26 سبتمبر/أيلول 2025، أن سياسة الجزائر تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.

وردا على الأصوات القائلة بوجود تدخل جزائري في الشأن التونسي، أكد تبون أن "ما يروج له مجرد غوغاء ولا أساس له من الصحة".

ووصف الرئيس تبون العلاقة بين تونس والجزائر بأنها "تشبه علاقة دولة واحدة". مضيفا: "خيرهم سابق ولا غبار على العلاقات التي تبقى قوية ومتينة".