"خيار يوم القيامة".. ما احتمالات تفعيله في المواجهة المرتقبة بين واشنطن وطهران؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في تل أبيب، لم تعد فكرة الردّ الإيراني الأقصى مجرّد سيناريو نظري تتداوله مراكز الأبحاث، بل تحوّلت إلى هاجس يومي داخل المؤسستين العسكرية والسياسية.

فصباح الجمعة 20 فبراير/شباط 2026، أعلن المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، العميد إيفي دفرين، في بيان مصوّر، أن الجيش يراقب التطورات الإقليمية عن كثب. مؤكدا أن المؤسسة العسكرية في حالة تأهّب دفاعي على خلفية تصاعد النقاش العلني بشأن احتمال توجيه ضربة أميركية لإيران.

وفي اليوم نفسه، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين إسرائيليين اعتقادهم بأن الفجوات بين واشنطن وطهران باتت غير قابلة للجسر، وأن احتمالات التصعيد العسكري القريب مرتفعة، مع استعدادات إسرائيلية لاحتمال عمل مشترك مع الولايات المتحدة.

خيار "يوم القيامة"

غير أن القلق الإسرائيلي لا يتركز على الضربة المحتملة بحدّ ذاتها، بقدر ما ينصبّ على تداعياتها وسلسلة الردود المتزامنة التي قد ترفع كلفة الحرب إلى ما يتجاوز أي مكاسب متوقعة.

وفي هذا السياق، يتردد في التحليلات الإستراتيجية تعبير "خيار يوم القيامة" لوصف أقصى أوراق الردع التي قد تلجأ إليها طهران إذا شعرت بتهديد وجودي مباشر.

كما ذكرت صحيفة معاريف العبرية أن الجيش الإسرائيلي يعيش حالة تأهب قصوى منذ نحو شهر، مع تصاعد مستوى الجاهزية يوما بعد يوم، وسط خشية من لجوء إيران إلى هذا "الخيار" في حال اندلاع مواجهة واسعة.

من المهم توضيح نقطتين أساسيتين: أولا، إن مصطلح "يوم القيامة" لا يُستخدم رسميا في العقيدة العسكرية الإيرانية، ولا يرد في بيانات الحرس الثوري الإيراني.

وثانيا، أن المقصود به في الأدبيات البحثية لا يعني بالضرورة سلاحا نوويا، بل يشير إلى حزمة تصعيد مركّبة ومتزامنة، تشمل البحر والجو والبر والفضاء السيبراني، وتستهدف إسرائيل والوجود الأميركي ومفاصل الاقتصاد العالمي دفعة واحدة.

وفي 14 أغسطس/آب 2025، نشر المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن تقريرا تناول فيه سيناريو تفعيل إيران لما يُعرف بـ"يوم القيامة".

ولفهم سبب القلق الإسرائيلي من هذا السيناريو، يكفي استحضار ما جرى خلال المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران 2025، والتي وصفها معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بأنها أشدّ تصعيدا بين الطرفين حتى تاريخه، وأول مواجهة واسعة النطاق ومباشرة، امتدت من 13 إلى 24 يونيو.

ورغم محدودية تلك الحرب زمنيا، فإن دلالاتها كانت عميقة؛ إذ أطلقت إيران خلالها أكثر من 500 صاروخ باليستي ضمن موجات متتابعة، في حملة ضغط غير مسبوقة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

وتمّ توثيق تنفيذ 22 موجة صاروخية خلال 12 يوما، مع اتساع نطاق الأهداف مقارنة بالجولات السابقة التي ركّزت على مواقع عسكرية، ليشمل أهدافا أمنية وبنى تحتية ومناطق سكنية.

ومن أبرز الضربات المسجّلة، إصابة داخل مجمّع "رابين كامب" في منطقة "هكيريا" وسط تل أبيب الذي يُعدّ قلب منظومة القيادة الإسرائيلية ويضم برج هيئة الأركان ووزارة الدفاع وغرف القيادة المحصّنة.

كما سُجلت أضرار في قاعدة تل نوف الجوية قرب رحوفوت، وإصابات في محيط معسكر غليلوت في هرتسليا الذي يُعدّ مركزا محوريا لوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية.

أما الضربة الأكثر حساسية رمزيا وعمليا، فكانت استهداف معهد وايزمان للعلوم في رحوفوت يوم 15 يونيو، بعد يومين فقط من الضربة الإسرائيلية الأولى على إيران.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية إصابة مباشرة لمبانٍ داخل المعهد، بينها مبنى أولمان لعلوم الأحياء ومبنى الكيمياء الجديد قيد الإنشاء، مع امتداد أثر الانفجار إلى مبانٍ أخرى.

وتسبَّبت الضربة بأضرار في عشرات المنشآت داخل المجمع، وتوقف جزء ملموس من العمليات البحثية، وسط تقديرات بأن الخسائر بلغت مئات ملايين الدولارات.

كما تحدثت تقارير إسرائيلية ودولية عن تضرر عشرات المختبرات وضياع مشاريع بحثية وبيانات علمية تراكمت على مدى سنوات، ما جعل الهجوم يتجاوز البعد العسكري إلى استهداف رمزية التفوق العلمي الإسرائيلي ذاته.

إغلاق هرمز

ما جرى في يونيو/حزيران 2025 كان نسخة محدودة زمنيا من مواجهة مباشرة، لكن ما تخشاه إسرائيل في حال توجيه ضربة أميركية واسعة داخل إيران هو تحوّل تلك الصورة إلى نسخة أكبر وأكثر تعقيدا: ضربات أشد كثافة، جبهات متعددة، وكلفة اقتصادية وسياسية تتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة.

في هذا السياق يتبلور مضمون "خيار يوم القيامة" كما تقدمه أدبيات مراكز الأبحاث، غير أن استهداف تل أبيب ليس سوى جزء من المشهد. فثمة خيار آخر لا يقل حساسية يتمثل في شلّ شريان الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز.

أهمية المضيق لا تختصر في رمزيته، بل في أرقامه؛ إذ تشير تقارير دولية وأميركية إلى أن نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرا يمر عبره، فيما يتكرر في التغطيات الحديثة رقم يقارب 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية. أي اضطراب هناك لا ينعكس على أسواق الطاقة فحسب، بل يمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد عالميا.

وكان معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى قد أشار منذ عام 2018 إلى أن إيران قد لا تكون قادرة على فرض إغلاق كامل وطويل الأمد للمضيق بسبب التفوق البحري الأميركي.

لكنه حذّر في المقابل من أن طهران تمتلك خيارات تصعيدية دون مستوى الإغلاق الشامل، لكنها أكثر خطورة من حيث الأثر الاقتصادي، مثل تعطيل الملاحة، ورفع علاوة المخاطر في الأسواق، والتحرش بالسفن، وتنفيذ عمليات سريعة، وربما زرع ألغام أو استخدام صواريخ مضادة للسفن ووسائط غير متماثلة.

ولم يعد الأمر نقاشا نظريا فقط. ففي 17 فبراير/شباط 2026 أعلنت إيران أنها أغلقت مضيق هرمز مؤقتا لساعات خلال تدريبات بالذخيرة الحية، في خطوة وصفتها وكالة أسوشيتد برس بأنها نادرة وقد تسهم في زيادة التوترات.

وبحسابات تل أبيب، فإن تعطيلا محدودا ومؤقتا قد يكون كافيا لخلق ضغط دولي على إسرائيل والولايات المتحدة لاحتواء التصعيد، إذا بدأت أسواق الطاقة بالاهتزاز وارتفعت كلفة الشحن والتأمين، ما يحوّل ساحة المواجهة من الميدان العسكري إلى طاولة الاقتصاد العالمي.

القواعد والجبهات

أحد المكونات الجوهرية فيما يُوصف بـ"خيار يوم القيامة الإيراني" يتمثل في استهداف القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، بهدف توسيع رقعة الحرب منذ اللحظة الأولى.

فالتقدير في واشنطن وتل أبيب أن طهران، إذا تعرضت لضربة أميركية واسعة، قد تسعى إلى نقل الكلفة مباشرة إلى القوات الأميركية المتمركزة في محيطها الإقليمي.

وفي 20 فبراير/شباط 2026، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أن إيران هددت بالرد على القواعد الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لهجوم، محذّرة من أن التصعيد قد يتحول سريعا إلى مواجهة "قبيحة".

وتنتشر هذه القواعد في دول خليجية رئيسة مثل قطر والبحرين والكويت والسعودية والإمارات وسلطنة عُمان، إضافة إلى وجود عسكري في الأردن والعراق.

هذا النوع من الرد لا يبقي المواجهة في إطارها الإسرائيلي-الإيراني، بل يدفعها نحو حرب أميركية مباشرة مع طهران، وهو السيناريو الذي تخشاه إسرائيل؛ إذ قد يتحول أي اشتباك محدود إلى حرب إقليمية شاملة يصعب التحكم بمسارها أو سقفها.

إلى جانب ذلك، يتضمن هذا الخيار فتح جبهات متعددة عبر الحلفاء الإقليميين، ترجمةً لفكرة "الحرب متعددة المسارح". فبحسب معهد دراسات الحرب في واشنطن، إذا جاءت الضربة الأميركية من الجو والبحر، فإن الرد الإيراني قد يكون أفقيا، عبر توزيع النيران على أكثر من ساحة لتشتيت الدفاعات واستنزاف القرار السياسي.

ويشمل ذلك لبنان عبر حزب الله، والعراق عبر فصائل مسلحة حليفة، واليمن عبر جماعة الحوثي، وسوريا عبر مجموعات موالية لطهران. وتمثل هذه الشبكة، وفق قراءة المعهد، بنية الردع الإيرانية في المنطقة؛ إذ تتيح توسيع نطاق التهديد دون حصره في إطلاق الصواريخ من الأراضي الإيرانية فقط.

خلال مواجهة عام 2025، بقيت الضربات المتبادلة نسبيا في إطار مباشر، غير أن تجربة الأيام الـ12 كشفت أن مجرد توسيع دائرة الأهداف داخل إسرائيل — من مواقع أمنية إلى بنى تحتية ومناطق سكنية — كفيل برفع مستوى الرعب داخليا.

وقد أشار معهد دراسات الأمن القومي إلى أن الرشقات الثقيلة من الصواريخ عززت منسوب الخوف والقلق داخل المجتمع الإسرائيلي.

أما في حال اندلاع حرب شاملة، فإن فتح جبهات متعددة يعني ضغطا مركبا: صواريخ باليستية متوسطة المدى من إيران، وصواريخ قصيرة ومتوسطة من الشمال، ومسيّرات وصواريخ بعيدة من الجنوب، مع محاولات لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر أو الخليج. عندها لا يعود السؤال: هل ستعترض المنظومات الدفاعية الصواريخ؟ بل: إلى متى تستطيع منظومة الدفاع والتحمّل المدني الصمود تحت ضغط متعدد المصادر ومتزامن؟

حرب صفرية 

من العناصر المرتبطة بتعبير "يوم القيامة" في المخيال الأمني الإسرائيلي، فكرة ضرب العمق مباشرة عبر مبدأ "إغراق الدفاعات".

فحرب عام 2025 قدّمت مادة واقعية لهذا التصور؛ إذ نفذت إيران موجات صاروخية متتابعة استهدفت نطاقا متنوعا من الأهداف، ومع الرقابة العسكرية الإسرائيلية المشددة ظهرت مؤشرات محدودة لكنها كافية لتأكيد وصول بعض الضربات إلى مناطق حساسة داخل تل أبيب ومحيطها.

وتناقش مراكز الأبحاث العسكرية سيناريو يقوم على كثافة الإطلاق وتنوعه- صواريخ باليستية، مسيّرات، وربما صواريخ كروز- بما يفرض على منظومات الدفاع اختناقا زمنيا وعملياتيا: عدد كبير من الاعتراضات في وقت قصير، استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية، وتراجع القدرة على حماية كل نقطة في آن واحد.

في هذا الإطار، تتسع قائمة الأهداف المحتملة لتتجاوز القواعد الجوية ومراكز القيادة، لتشمل البنى التحتية الحيوية في مختلف المناطق. وهنا تبرز الحرب الإلكترونية كجزء مكمّل للضربات الصاروخية ضمن تفعيل "خيار يوم القيامة"، لا بديلا عنها.

فعندما يصبح الهدف شلّ الحياة اليومية وإرباك الجبهة الداخلية، تتحول الشبكات الرقمية إلى هدف لا يقل أهمية عن المدرجات العسكرية؛ إذ يمكن للهجمات السيبرانية أن تنال أنظمة الكهرباء والمياه والمصارف وسلاسل التوريد والاتصالات، ضمن ما تصفه بعض الأدبيات بـ"الردع عبر الفوضى": ليس المطلوب تدمير شامل، بل خلق مستوى من الارتباك يكفي لتعطيل الإيقاع الطبيعي للدولة.

وفي مناخ إقليمي متوتر، قد لا تبقى هذه الهجمات محصورة داخل إسرائيل، بل قد تمتد إلى دول الجوار، بما يخلق ضغطا إضافيا على حلفاء الولايات المتحدة ويدفعهم إلى المطالبة باحتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى أزمة إقليمية عابرة للحدود.

وفي تصريح لـ"الاستقلال"، قال الأكاديمي السوري إبراهيم ياووز: إن الحديث عن إسقاط النظام الإيراني عبر ضربة عسكرية أو حملة تصعيد محدودة ينطوي على قدر كبير من التبسيط، موضحا أن الحروب ذات الطابع الصفري التي تستهدف إنهاء نظام سياسي بالكامل، نادرا ما تنتهي بضربة نظيفة أو عملية قصيرة، بل تتحول غالبا إلى صراع وجودي مفتوح.

وأضاف ياووز أن أي طرح يتناول استهداف رأس النظام أو تغيير بنيته- كما ألمح دونالد ترامب سابقا عند حديثه عن اغتيال المرشد الأعلى أو استبدال النظام — يعني عمليا دفع طهران إلى مربع "البقاء أو السقوط"، وهو أخطر مربعات الصراع. فحين يشعر النظام بأنه يُدفع نحو الانهيار، لن يتصرف بعقلية إدارة أزمة، بل بعقلية مقاومة شاملة؛ لأن المعركة تصبح بالنسبة له معركة بقاء لا مجرد صراع نفوذ.

وأشار إلى أن إيران ليست دولة معزولة في ميزان القوى الدولي، إذ تربطها علاقات إستراتيجية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، وهما لا تنظران بعين الرضا إلى إسقاط نظام إقليمي حليف بهذه الطريقة، لما قد يفتحه ذلك من باب لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. وبرأيه، فإن هذا البعد الدولي يجعل أي محاولة لتصفية النظام الإيراني خطوة تتجاوز الإطار الإقليمي لتدخل في حسابات التوازن العالمي.

وأكد ياووز أنه إذا وجد النظام الإيراني نفسه على حافة الانهيار، فقد يتحول "خيار يوم القيامة" من توصيف نظري إلى سلوك عملي. مشددا على أن هذا الخيار لا يقتصر على رد عسكري مباشر، بل يشمل استخدام كامل أدوات القوة المتاحة: الصواريخ، وتفعيل الحلفاء الإقليميين، والضغط البحري، والحرب السيبرانية.

وختم بالقول: إن إسرائيل تدرك أن أي مواجهة تنزلق نحو حرب صفرية لن تكون قصيرة أو محصورة في جبهة واحدة، بل ستتحول إلى حرب طويلة ومعقدة وممتدة، مختلفة عن أي حرب خاضتها سابقا، ما يدفع تل أبيب إلى التحسب لسيناريو تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والإستراتيجية على نحو غير مسبوق.