كيف تخطط إسرائيل لاحتواء تركيا دون الانزلاق إلى صدام مباشر؟

"تركيا حققت قدرا واسعا من الاستقلالية الأمنية"
بوصفها فاعلا محوريا في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، تُشكّل تركيا تحديا إستراتيجيا لإسرائيل، لهذا يرى معهد عبري أن على دولة الاحتلال ألا تحوّل أنقرة إلى عدو صريح، فليس لديها أية مصلحة في فتح جبهات جديدة.
وفي مقال نشره معهد "القدس للإستراتيجية والأمن"، لعقيد (احتياط) البروفيسور غابي سيبوني وهو مستشار أول للجيش ومؤسسات أمنية إسرائيلية أخرى، والعميد (احتياط) إيريز وينر، الذي كان مساعدا لرئيس الأركان، بيّن أنه “من الضروري استغلال نقاط ضعف تركيا بالتعاون مع دول إقليمية”.
وقال المعهد: إن "التصريحات المطوّلة التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تركيا خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بفلوريدا في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، أبرزت عمق تقديره للرئيس رجب طيب أردوغان".
كما أوضحت نظرته إلى "تركيا بوصفها فاعلا مهما وإيجابيا وعنصرا مُساهما في الاستقرار ضمن البنية الإقليمية الجديدة التي يسعى إلى بنائها".
وفي الوقت ذاته، كشفت هذه التصريحات، وفق المعهد، أن دور أنقرة في الترتيبات الناشئة بين الولايات المتحدة وإسرائيل "ما يزال محل تجاذب، ولا سيما فيما يتعلق بغزة وسوريا، حتى وإن كان ترامب يعتقد بإمكانية تجاوز نقاط الخلاف هذه".

دوافع تركيا
ويرى أن “هناك عدة دوافع أساسية تُشكّل سلوك أنقرة تجاه إسرائيل، منها دافع جيوسياسي يتمحور حول السعي لترسيخ مكانة تركيا كقوة إقليمية مهيمنة، ودافع أمني، ودافع ديني، ودافع اقتصادي، ودافع سياسي داخلي”.
وفيما يخص الدافع الجيوسياسي، منذ عام 2011، ومع التطورات في مصر وسوريا، وصعود جماعة الإخوان المسلمين، "أعاد أردوغان توظيف الهوية السنية-العثمانية والطموح الإقليمي لبلاده". بحسب المعهد.
وقد وسّع انهيار نظام بشار الأسد في سوريا أواخر 2024 التنافس التركي-الإسرائيلي.
فبينما تركز إسرائيل على جنوب سوريا والتعاون مع الدروز، تدفع تركيا نحو دولة مركزية، ما خلق صدام مصالح مباشر.
ويتكرر هذا التنافس في شرق المتوسط، حيث تقف تركيا، بدعم من ليبيا وقطر، في مواجهة محور يضم إسرائيل ومصر وقبرص واليونان، خاصة بعد اتفاقات الغاز وتعميق الشراكات الأمنية الإسرائيلية.
ورغم شراء تركيا منظومة "إس-400" الروسية، فإن عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) تقيّد سياساتها تجاه إسرائيل، وفق المعهد.
ومع عودة ترامب، سعى أردوغان إلى استثمار شعار "أميركا أولا" لتعزيز علاقاته بواشنطن وتوظيفها.
وقال المعهد: "في المحصلة، تستخدم أنقرة خطابها تجاه إسرائيل لتقديم نفسها منافسا للسعودية ومصر بوصفها (الصوت الإسلامي) الأبرز في المنطقة".
وفيما يخص الدافع الأمني، أوضح أنه شكّل في السابق حجر الزاوية في العلاقة بين تركيا وإسرائيل، لكنه تآكل تدريجيا بفعل التحولات التكنولوجية والتوترات الأيديولوجية.
فقد عزز التعاون الاستخباراتي والتدريب الجوي الإسرائيلي في تركيا حتى عام 2010 الشراكة بين الطرفين، غير أنه بحلول عام 2025 تحوّل البعد الأمني نفسه إلى مصدر توتر، خصوصا في سياق سوريا وغزة.
"كما حققت تركيا قدرا واسعا من الاستقلالية الأمنية، مستفيدة جزئيا من المعرفة والتقنيات الإسرائيلية، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة". بحسب زعم المعهد.
ومع ذلك، فإن انخراطها العسكري في سوريا ودعمها للنظام الجديد يثيران مخاوف إسرائيلية مباشرة.
وبخصوص الاقتصاد التركي، أحد أكبر الاقتصادات في الشرق الأوسط وشرق أوروبا، فإنه يمثل مفارقة صارخة. بحسب تعبير المعهد.
فمن جهة، أسهم النمو المستمر وتنوع القطاعات في ترسيخ موقع تركيا كقوة صاعدة، ومن جهة أخرى، تشكّل معدلات التضخم المرتفعة، والديون الخارجية الثقيلة، والسياسات النقدية محل الجدل ضغوطا مستمرة تهدد بتقويض هذا النمو.
ليست كإيران
وقال المعهد: إن "إسرائيل تواجه تحديا مركبا في علاقتها مع تركيا، فمن جهة، لا تعدّ أنقرة خصما عسكريا مباشرا على غرار إيران، بل هي دولة عضو في الناتو، ومندمجة في شبكات اقتصادية وجيوسياسية كثيفة، وترتبط بعلاقات وثيقة مع دول غربية، في مقدمتها الولايات المتحدة".
وأضاف: "من جهة أخرى، وتحت حكم أردوغان، تموضعَت تركيا بوصفها الفاعل الأبرز، من خلال دعم حركة حماس، والسعي إلى تعزيز نفوذها بين المواطنين العرب داخل إسرائيل، وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية، ومحاولة توسيع حضورها في القدس".
واستطرد المعهد: "فيما يتعلق بالتهديد المباشر الناجم عن سوريا، فإن وجود تركيا ونشاطها هناك يُلزم إسرائيل بالتحرك لمنع التصعيد أو الاحتكاك المباشر بين الجيش الإسرائيلي والعناصر التركية".
ويتطلب ذلك -بحسب المقال- الفصل الواضح بين مناطق النفوذ في سوريا وفرضها، بما يضمن بقاء جنوب سوريا خاليا من أي وجود تركي.
وتُتيح المحادثات الجارية الرامية إلى التوصل إلى ترتيب أمني في سوريا فرصةً لتعزيز هذا الهدف، بما في ذلك من خلال تفاهمات مع تركيا بوساطة الولايات المتحدة.
فيما يتعلق بغزة، أكد المعهد أنه “يتعين على إسرائيل الإصرار على عدم وجود أي حضور عسكري تركي داخل القطاع، وذلك في ضوء انعدام الثقة العميق حيال استعداد أنقرة لنزع سلاح حماس، فضلا عن مخاطر تصعيد التوتر إلى حد وقوع احتكاك عسكري غير مقصود بين الطرفين في غزة”.
ونوه إلى أن “هامش المرونة الممكن يقتصر على الجوانب المدنية والاقتصادية فقط، وبحدود ضيقة للغاية".
وتابع: "في جميع الأحوال، لا ينبغي السماح بأي نشاط أمني تركي داخل القطاع”.
![]()
دبلوماسية حازمة
ويعتقد المعهد أن "الدبلوماسية هي المستوى الأكثر فاعلية المتاح أمام إسرائيل للتعامل مع تركيا، فعضوية أنقرة في حلف الناتو وطموحاتها في لعب دور عالمي يجعلانها عرضة لضغوط أميركية وأوروبية".
وفي هذا الإطار، ينبغي على إسرائيل "تفعيل الضغط عبر واشنطن وحلف الناتو لدفع تركيا إلى وقف دعمها لحماس، بما في ذلك إغلاق مكاتب الحركة في أنقرة، مع تأطير هذا الدعم بوصفه انتهاكا للأعراف الدبلوماسية". بحسب المقال.
وأضاف: "كما يتعين حشد دعم كل من السعودية ومصر اللتين تنظران إلى تركيا بوصفها منافسا إستراتيجيا، رغم التقارب التكتيكي الأخير معها، في ظل استمرار عدائهما البنيوي لجماعة الإخوان المسلمين".
وتابع: "كذلك، ينبغي لإسرائيل استكشاف سبل توظيف اعتماد تركيا على التجارة معها لتهدئة سلوكها، بما في ذلك توسيع أطر التعاون التجاري مع مصر واليونان وقبرص، لا سيما في مجال الغاز الطبيعي القادم من حقل ليفياثان".
وأردف: "إلى جانب ذلك، يتعين على إسرائيل الضغط من أجل تشريعات أميركية تستهدف الاستثمارات التركية المرتبطة برئاسة الشؤون الدينية (ديانت)، التي تُتهم بتمويل أنشطة إسلامية".
وبالتوازي، أكد المعهد أن "على إسرائيل العمل بالتنسيق مع اليونان وقبرص لبناء تحالف إقليمي يهدف إلى احتواء طموحات أردوغان، بما في ذلك من خلال مناورات بحرية مشتركة".
وفي الآونة الأخيرة، أبدى ترامب انفتاحا على بيع مقاتلات "إف-35" لتركيا. وهنا، يتعين على إسرائيل -وفق المقال- أن تُعلن معارضتها المبدئية لمثل هذه الخطوة بشكل لا لبس فيه، لا سيما ما دامت أنقرة ماضية في خطابها التحريضي ضد إسرائيل، ومستمرة في دعم حماس وجماعة الإخوان المسلمين.
وشدد على أنه "يُمكن استغلال نقاط ضعف تركيا -وعلى رأسها انكشافها واعتمادها على الغرب- لاحتواء التوترات معها".
وأوضح أن هذا يتطلب التنسيق مع أوروبا والولايات المتحدة إلى جانب الاستخدام الحذر لاعتماد تركيا على التجارة مع إسرائيل، رغم القيود الرسمية.
ووصف المعهد تركيا بأنها "دولة كبيرة ذات طموحات واسعة، تتأرجح بين النفوذ الإقليمي والحماسة الدينية، إلا أن هشاشتها الاقتصادية والسياسية تجعلها عرضة للضغوط الخارجية".
وختم بالتشديد على أن "الرد الأمثل على تركيا هو دبلوماسية حازمة ومنضبطة تدافع عن مصالح إسرائيل الأمنية".














