إيقاف المداولات.. لماذا لم يحسم الإطار الشيعي اختيار مرشحه لرئاسة وزراء العراق؟

يوسف العلي | منذ ١٧ ساعة

12

طباعة

مشاركة

وصلت القوى السياسية الشيعية المنضوية في الإطار التنسيقي الحاكم إلى انسداد كامل في مشاورات اختيار رئيس الحكومة العراقية الجديدة، في ظل تمسّك كلٍّ من نوري المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء الحالي، بترشيح نفسيهما للمنصب، ما عطّل أي إمكانية لتوافق داخلي حتى الآن.

ومع استمرار هذا الجمود، تتصاعد التساؤلات حول السيناريوهات المحتملة لحسم المنصب: هل يُمنح لرئيس الكتلة الأعلى تمثيلاً داخل الإطار، أم تُدفع الأطراف، تحت ضغط الانقسام وضيق الوقت، نحو خيار مرشح تسوية من خارج القوى الفائزة، كحل اضطراري لتفادي فراغ سياسي جديد؟

إيقاف المداولات

في آخر اجتماع عقده الإطار التنسيقي قبل كتابة هذا التقرير، في 5 يناير/كانون الثاني 2026، أعلن مناقشة عدد من الملفات المدرجة على جدول أعماله، إضافة إلى استعراض تطورات المشهدين الداخلي والدولي، من دون التطرق صراحة إلى مصير مرشح رئاسة الحكومة.

واكتفى الإطار، في بيان ختامي مقتضب، بالتأكيد على "ضرورة حسم الاستحقاق الوطني بتسمية رئيس مجلس الوزراء، إلى جانب بقية الاستحقاقات الانتخابية، وفق السياقات الدستورية ومتطلبات المرحلة المقبلة"، في صيغة عكست حجم الإرباك أكثر مما قدّمت مؤشرات على قرب التوافق.

لكن صحيفة "المدى" العراقية كشفت، في 4 يناير، أن الإطار التنسيقي قرر فعليًا إيقاف مداولاته المتعلقة بمرشح رئاسة الوزراء بعد وصولها إلى طريق مسدود، في ظل تمسّك كل من محمد شياع السوداني ونوري المالكي بالمنصب، وعجز القوى الشيعية عن بلورة تسوية داخلية مقبولة.

وبحسب الصحيفة، طُرحت أسماء رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، كخيارات احتياطية محتملة داخل الإطار، رغم غيابهما عن الانتخابات الأخيرة، في مؤشر على ضيق هامش المناورة وغياب البدائل التوافقية الجاهزة.

وتوقعت "المدى" أن يُحسم منصب رئيس الوزراء وفق سيناريو مشابه لما جرى في انتخاب رئاسة البرلمان في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث دفعت الضغوط الدستورية الأطراف السياسية إلى تفاهمات متأخرة أُنجزت في اللحظات الأخيرة، تفاديًا للفراغ السياسي.

وفي السياق ذاته، أفادت وسائل إعلام محلية، في 4 يناير، بأن الإطار التنسيقي اقترب من ترشيح رئيس هيئة المساءلة والعدالة باسم البدري للمنصب، إلا أن السوداني رفض هذا الطرح وأصر على الاستمرار مرشحًا، لا سيما أن البدري يُعد مرشحًا مدعومًا من المالكي ويُنظر إليه على أنه خاضع لإرادته السياسية.

في المقابل، نفى ائتلاف "الإعمار والتنمية" بقيادة محمد شياع السوداني، في بيان نشره على منصة "إكس" في 4 يناير، صحة ما يتم تداوله بشأن تسمية مرشح بديل لرئاسة الوزراء من داخل الإطار التنسيقي.

وأكد سيف المنصوري، عضو الائتلاف، أن السوداني لا يزال المرشح الأقوى داخل أروقة الإطار، ويتمتع بدعم واضح يستند، بحسب تعبيره، إلى ما تحقق من استقرار نسبي ومنجزات خلال المرحلة الماضية.

كما شدد القيادي في الائتلاف، النصري، عبر تدوينة نُشرت في اليوم ذاته، على أن الأنباء المتداولة بشأن وجود مرشحين آخرين تهدف إلى التشويش على الرأي العام وإرباك المشهد السياسي، ولا تستند إلى معطيات واقعية.

خطوة وداعية

في خضم التكهنات المتصاعدة بشأن هوية رئيس الحكومة العراقية المقبل، كشفت مصادر سياسية مطلعة أن اسمَي رئيس هيئة المساءلة والعدالة باسم البدري، ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، يُطرحان بقوة داخل أروقة الإطار التنسيقي، مع ترجيح كفة الأول بوصفه خيارًا أكثر قبولًا لدى غالبية القوى المؤثرة.

وأوضحت المصادر لـ"الاستقلال"، مشترطة عدم الكشف عن هويتها، أن حظوظ رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني بدأت بالتراجع، لا سيما عقب توجيهه، في 5 يناير، كتب شكر إلى مستشاريه وموظفي مكتبه في رئاسة الوزراء، وهي خطوة فسّرها بعض الفاعلين السياسيين على أنها إشارة وداع مبكرة.

وتوقعت المصادر أن يكون السوداني قد اتجه إلى القبول بعدم تجديد ولايته، في ظل تضاؤل فرص الحصول على ولاية ثانية، لافتة إلى أن الحديث عن شبه إجماع داخل الإطار التنسيقي على تقديم البدري بدأ يكتسب زخمًا متزايدًا، رغم رفض السوداني لهذا الخيار، إلا أن تمريره يبقى ممكنًا كونه يحظى بدعم أغلب أطراف الإطار.

وفي السياق ذاته، أكد القيادي في ائتلاف "دولة القانون" عباس البياتي أن الإطار التنسيقي لا يميل إلى اختيار رئيس وزراء غير مجرّب، محذرًا من احتمال حدوث "انسحابات" في حال حصر الترشيح بعدة أسماء متنافسة.

وقال البياتي، خلال مقابلة تلفزيونية، إن اللقاء الذي جمع نوري المالكي ومحمد شياع السوداني في 3 يناير أسهم في "إذابة الجليد" بين الطرفين، مرجحًا التوصل إلى توافق يفضي إلى اختيار “رئيس وزراء قوي”. على حد تعبيره.

وأشار إلى أن تعقيدات المرحلة الإقليمية والدولية تجعل من الصعب المجازفة بمرشح مغمور، موضحًا أن مسار التوافق داخل الإطار أكثر تعقيدًا مقارنة بالبيئتين السنية والكردية، بسبب تعدد القوى وتداخل المصالح داخل البيت الشيعي.

ولفت البياتي إلى أن مفاوضات اللحظات الأخيرة قد تظل الخيار الأكثر واقعية، كونها تسمح بعقد تسويات تقوم على تقديم تنازلات محدودة مقابل مكاسب أكبر.

وفي هذا الإطار، أفادت وسائل إعلام محلية بأن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ورئيس تحالف الإعمار والتنمية محمد شياع السوداني عقدا خلال الأيام الماضية لقاءً غير معلن، جرى خلاله الاتفاق على مجموعة من المعايير التي ستُعتمد في اختيار مرشح رئاسة الحكومة المقبلة.

وبحسب قناة "الموقف" العراقية، في 5 يناير، فإن هذه المعايير ستُعرض لاحقًا على قادة الإطار التنسيقي، تمهيدًا لحسم الملف.

من جانبه، أوضح القيادي في ائتلاف "الإعمار والتنمية" قصي محبوبة، خلال مقابلة تلفزيونية في اليوم ذاته، أن اللقاء لم يكن سريًا بقدر ما كان غير معلن، مؤكدًا أن الطرفين توصلا إلى تفاهمات حول عدة ملفات، في ظل محاولات بعض الأطراف داخل الإطار دفع الخلاف بينهما نحو التصعيد، بما يفتح الباب أمام فرض مرشح تسوية من خارج معسكرهما.

فيتو أميركي

في المقابل، أفاد موقع "هف بوست عراقي"، في تقرير نشره بتاريخ 5 يناير، بأن الإطار التنسيقي يشهد تقاربا لافتا بين رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، تقارب تحكمه حسابات سياسية باردة تهدف إلى قطع الطريق أمام تكتلات داخلية أخرى داخل الإطار تسعى لتمرير مرشح بديل من خارج هذا الثنائي.

وأشار التقرير إلى أن الطرفين يريان نفسيهما منتميين إلى جذر سياسي واحد، وأن لحظة التنافس الداخلي الحاد قد تحولت إلى لحظة اصطفاف دفاعي في مواجهة ما وصفه بـ"الندية الداخلية" التي تحاول فرض مشروعها داخل الإطار، لافتا إلى أن ياسر المالكي، أحد أبرز قيادات دولة القانون، نفى ما عده "أخبارا مضللة" تتعلق بوجود مرشحين بدائل لرئاسة الحكومة.

وبحسب الموقع، فإن الرسائل الصادرة من معسكري المالكي والسوداني تؤكد أنه لا مجال لتمرير مرشح من خارج هذا الثنائي، محذرة من أن الذهاب إلى خيار ثالث قد يفتح الباب أمام أزمة سياسية معقدة داخل الإطار التنسيقي.

وتابع التقرير أن محاولات الدفع باسم رئيس هيئة المساءلة والعدالة باسم البدري، بدعم من شخصيات بارزة داخل الإطار، في مقدمتها قيس الخزعلي وهادي العامري، تراجعت بشكل كبير، ليس فقط بسبب محدودية ثقله الانتخابي، وإنما نتيجة ما وصفه الموقع بـ"فيتو أميركي وإقليمي صارم"، دون الخوض في تفاصيل أسبابه التي قال إنها "كثيرة وخطيرة".

ورأى التقرير أن المشهد يزداد تعقيدا مع اقتراب زيارة مارك سافايا، المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق، الذي استهل عام 2026 بخطاب تصعيدي غير مسبوق، استهدف فيه جماعات شيعية مسلحة على نحو مباشر.

ولفت إلى أن ما وصفه بـ"حدث فنزويلا الأخير"، والمتمثل في اعتقال قوة أميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، شكّل رسالة واضحة للنخب السياسية في المنطقة، مفادها أن واشنطن مستعدة لفرض إرادتها بالقوة عندما ترى ذلك ضروريا، وهو ما يعزز منسوب القلق داخل الإطار التنسيقي.

وبحسب قراءة الموقع، فإن هذا الضغط الخارجي يُسرّع من وتيرة حسم ملف رئاسة الوزراء، ويدفع الإطار إلى البحث عن شخصية قادرة على إدارة توازن دقيق مع الولايات المتحدة، تجمع بين الخبرة السياسية والقدرة على المناورة الدولية، من دون الانزلاق إلى مسار صدامي مباشر مع واشنطن.

وفي هذا السياق، وجّه مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق، مارك سافايا، في الأول من يناير/ كانون الثاني 2026، رسالة عبر منصة "إكس" هنأ فيها العراقيين بحلول العام الجديد، مؤكدا أن فريقه يعمل مع الحكومة العراقية لجعل عام 2026 عاما مفصليا لإنهاء ظواهر السلاح المنفلت والفصائل المسلحة.

وقال سافايا: إن الجهود الأميركية تتركز على أن يكون العام الجديد نهاية لعدم الاستقرار، ونهب الثروات، وضعف الخدمات، والتهريب، والبطالة، والمليشيات، إلى جانب غسيل الأموال، والتدخلات الخارجية، والفساد، والتحايل على القانون، مؤكدا أن هذه الرسالة "موجهة لمن عاثوا في أرض العراق فسادا".

وختم بالقول: "انتهى وقتكم وبدأ وقت العراق والعراقيين. سيبقى العراق وعلمه عاليا خفاقا ومصدر فخر لكل العراقيين، وما زلنا في البداية".