تنبؤات باندلاع صراع جديد.. 4 أسباب تضعف موقف إثيوبيا أمام إريتريا

منذ ١٣ ساعة

12

طباعة

مشاركة

تشهد منطقة القرن الإفريقي في الآونة الأخيرة حالة متزايدة من عدم الاستقرار، إذ تتزايد المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية محتملة بين إثيوبيا وإريتريا، وسط تدخلات مباشرة من قوى خارجية.

في هذا السياق، استعرض موقع "المجلس الروسي للشؤون الدولية" في تقرير مطول جذور الصراع بين إثيوبيا وبين إريتريا ودول المنطقة، مشيرا إلى أربعة عوامل تُضعف موقف أديس أبابا أكثر من ذي قبل أمام أسمرة.

كما أوضح كيف أصبحت منطقة القرن الإفريقي ساحة صراع إقليمية ودولية بين القوى الكبرى، مسلطا الضوء على الدور الروسي المحتمل لنزع فتيل الأزمة بين إثيوبيا وإريتريا.

وفي نهاية يوليو/ تموز 2025، أفادت تقارير بحشد أديس أبابا قواتها على الحدود الإريترية، بالقرب من ميناء عصب الإستراتيجي المطلّ على البحر الأحمر. 

ونفذت السلطات الإريترية في المقابل عمليات تعبئة عسكرية خلال عام 2025، ما يشير إلى استعدادها لاحتمال نشوب صراع.

وفي 20 يوليو 2025، حذّر الرئيس الإريتري أسياس أفورقي من أن التفوق العددي لن يمنح إثيوبيا أفضلية بالحرب (135 مليون مقابل 3.5 ملايين إريتري). 

كما اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بمحاولة صرف أنظار الداخل عن أزماته عبر افتعال صراعات خارجية. وردا على ذلك، اتهمت أديس أبابا أسمرة بالتخطيط لهجوم عسكري.

وتحدث الموقع عمّا نشرته مجموعة المراقبة الأميركية "ذا سينتري" في يونيو/ حزيران 2025، حول مسؤولية إريتريا "عن التوتر المتصاعد وزعزعة الاستقرار في المنطقة".

وأشارت المجموعة إلى أن أسمرة "تنفذ تعبئة سريعة لقواتها وتعزّز قدراتها العسكرية"، متهمة "مسؤولين وعسكريين إريتريين بالمساهمة في زعزعة استقرار إثيوبيا عبر عمليات الاختطاف والاتجار بالبشر، بالإضافة إلى استغلال غير قانوني للموارد الذهبية في إقليم تيغراي".

من جانبه، انتقد وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسقل تقرير "ذا سينتري"، ووجه اتهاما لإثيوبيا بالوقوف وراءه، مشيرا إلى أنها بدأت "التحضير لحرب انتقامية جديدة". 

ووفقا لتصريحات الرئيس أفورقي، في 20 يوليو 2025، فإن إثيوبيا تنفذ هذه الاستعدادات بدعم من الإمارات وإسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة. 

وبناء على ذلك، ذكر "المجلس الروسي للشؤون الدولية" أن أسمرة "تسعى للحصول على دعم دول أخرى، من بينها السعودية والسودان والصومال".

جذور الصراع 

وتناول الموقع أسباب الصراع التاريخي قائلا: "شهدت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا مسارا متقلبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".

فقد ضُمت إريتريا إلى إثيوبيا ضمن اتحاد فيدرالي، قبل أن تلغي أديس أبابا الحكم الذاتي عام 1962، مما أشعل حربا استمرت ثلاثة عقود".

انتهت الحرب بانفصال إريتريا عام 1993 دون تسوية نهائية للنزاعات الحدودية، حيث تجدد الصراع بينهما بين عامي 1998 و2000.

وفي عام 2018، وُقع اتفاق سلام بين الطرفين، لكنه انهار مع اندلاع حرب تيغراي عام 2020؛ حيث دعمت إريتريا المتمردين ضد الحكومة الإثيوبية.

ورغم توقيع اتفاق سلام في جنوب إفريقيا عام 2022، فإن استبعاد إريتريا من المفاوضات أسهم في استمرار التوتر، خاصة مع سعيها لترسيخ نفوذها في إقليم تيغراي الذي تربطه بها روابط قومية.

على الصعيد الاقتصادي، أوضح الموقع أنه "منذ انفصال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993 تعاني الأخيرة من فقدان منفذ بحري، ما حدّ من صادراتها وأضعف نموها الاقتصادي رغم ثرواتها الزراعية والمعدنية".

وتابع: "تعد أديس أبابا استعادة وصولها إلى الموانئ ضرورة إستراتيجية، بينما تراها أسمرة تهديدا لوحدة أراضيها".

ومع رفض إريتريا مقترحات استئجار ميناء، اضطرت إثيوبيا للاعتماد على موانئ دول أخرى مثل جيبوتي بتكلفة باهظة بلغت مليار دولار سنويا، الأمر الذي أثقل كاهلها وحد من قدرة منتجاتها على المنافسة العالمية.

نتيجة لذلك، اتجهت إثيوبيا لعقد اتفاق مع أرض الصومال يقضى باستئجارها منفذا على البحر الأحمر، لكن سرعان ما تسبب هذا الاتفاق في توتر مع مقديشو أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، قبل أن تُستأنف في عام 2025، رغم استمرار الخلافات بين الطرفين.

وأردف الموقع: "زاد المشهد تعقيدا تصاعد نشاط حركة الشباب المتطرفة المنضوية تحت راية تنظيم الدولة، والتي تكن العداء تجاه أديس أبابا".

وخلص إلى أن "اعتماد إثيوبيا على موانئ الدول المجاورة يُعد بالنسبة لها خيارا محفوفا بالمخاطر في قضية إستراتيجية ترتبط بالأمن القومي والاقتصاد".

في سياق إقليمي أوسع، شكل بناء سد النهضة منذ عام 2011  توترات متصاعدة بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، لارتباط حياة البلدين الأخيرين اعتمادا شبه كامل على مياه النيل. 

ويرى الموقع أنه "مع إعلان إثيوبيا في يوليو 2025 استكمال بناء السد تمهيدا لتشغيله كليا في سبتمبر/ أيلول 2025، ازداد الموقف حدة، خاصة مع دعم القاهرة لأسمرة في خلافها مع أديس أبابا، ما ينذر بتصعيد إقليمي واسع".

وداخليا، ربط بين التوترات الإقليمية والنزعات الانفصالية داخل إثيوبيا قائلا: "في ظل تدهور علاقات أديس أبابا الإقليمية، تصاعدت النزعات الانفصالية داخل البلاد، وتجلى ذلك في حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022 التي خلّفت نحو 600 ألف قتيل وأضرارا اقتصادية جسيمة".

وعزا تلك النزاعات الانفصالية إلى "توفر موارد طبيعية، أبرزها مناجم الذهب، مما يمنح النخب المحلية قدرة على الاستقلال عن السلطة المركزية، إلى جانب التدخلات الخارجية".

وأضاف: "تشهد أقاليم أخرى مثل أمهرة وأوروميا اضطرابات مماثلة، وسط اتهامات إثيوبية لإريتريا بتغذية هذه النزاعات، وهو ما تنفيه الأخيرة".

ساحة تصادم

واستنادا إلى المعطيات السابقة، ينظر الموقع إلى الصراع الجيوسياسي في إثيوبيا "بصفته صراعا يحول منطقة القرن الإفريقي إلى ساحة مواجهة بين مصالح دولية متشابكة، لا مجرد صراع إقليمي".

ومن وجهة نظره، فإن "مساعي أديس أبابا لاستعادة منفذ بحري على البحر الأحمر تمثل مدخلا لتوترات متواصلة، خصوصا في ظل الرفض المتنامي من قوى دولية تعول على أمن هذا الممر الحيوي المؤدي إلى قناة السويس، الشريان الإستراتيجي الذي يمر عبره ربع إمدادات الطاقة العالمية".

وترى الدول العربية وعلى رأسها السعودية وقطر ومصر، أن مساعي إثيوبيا لاستعادة وضعها كدولة بحرية، بمثابة تهديد للتوازن القائم. وفق الموقع؛ إذ يعد البحر الأحمر منطقة نفوذ "إسلامية"، باستثناء إريتريا ذات الأغلبية المسيحية وإسرائيل التي تسيطر على جزء صغير من الساحل.

ولهذا، "تقدم هذه الدول دعما سياسيا واقتصاديا نشطا لإريتريا؛ إذ تُعد السعودية ومصر والسودان من أبرز شركائها التجاريين".

ويزداد المشهد تعقيدا بفعل تعدد المصالح المتضاربة في المنطقة. وذكر الموقع أن الإمارات "تنتهج سياسة متوازنة بين إثيوبيا وإريتريا، بما يضمن لها مكاسب بغض النظر عن مآلات النزاع".

من جهة أخرى، بين أن أوروبا "ترفض أي تعددية في السيطرة على هذا الممر الحيوي؛ إذ إن تعدد الدول المطلة عليه يعقد مسألة تأمينه ويضعف مبررات نشر قواعد عسكرية فيه".

أما الموقف الأميركي، فوصفه الموقع بـ "الغامض"، وقال: "صرح الرئيس دونالد ترامب أن واشنطن هي من موّلت بناء سد النهضة الذي بلغت تكلفته 4.2 مليارات دولار، بينما تؤكد أديس أبابا أنها موّلته بمواردها الذاتية، دون أن يقدم أي من الطرفين دليلا قاطعا".

ويقدر أن تصريحات ترامب "جاءت في إطار سعيه للحصول على حقوق حصرية في المعادن النادرة الإثيوبية، وعلى رأسها معدن التانتالوم".

علاوة على ذلك، "ينظر ترامب إلى استعادة إثيوبيا لمنفذ بحري بصفته خطوة تخدم مصالح شركات دولية كبرى، من خلال خفض أسعار المواد الخام عالميا والحد من نفوذ الصين، التي تُعدّ أكبر مصدر لأديس أبابا"، وفق ما أفاد به الموقع الروسي.

وذكر أن "موقف واشنطن قد يتغير من أديس أبابا بناء على تطورات أخرى، مثل قبول مصر استقبال فلسطينيين من غزة، وهو مطلب أميركي إسرائيلي متكرر".

ورجَّح أنه "في حال تحقق ذلك، قد تغير الولايات المتحدة سياستها تجاه إثيوبيا، وتمارس مزيدا من الضغوط عليها". ومع ذلك، نوَّه إلى أنه "كما حدث في حالات أخرى، قد يبدأ الصراع دون مشاركة أميركية مباشرة".

"وتبرز في هذا السياق مصالح شركات السلاح العالمية التي ترى في استمرار التوترات ضمانا لوجود مستهلك دائم لمنتجاتها، خاصة مع تراجع حدة الحروب في مناطق أخرى".

وتُظهر التجربة التاريخية في إفريقيا أن الدول الكبرى من حيث المساحة تتعرض تدريجيا للتفكك بفعل النزعات الانفصالية وعدوان الدول المجاورة.

وبحسب الموقع الروسي، تخدم هذه البلقنة -أي تجزئة الدول أو المناطق الكبيرة إلى كيانات أصغر عبر نزاعات قومية أو عرقية أو دينية- مصالح قوى خارجية، إذ يسهل التحكم في الدول الضعيفة وفرض شروط الوصول إلى مواردها، فضلا عن كونها سوقا مربحة للسلاح.

واستطرد: "طال هذا الاتجاه بالفعل الكونغو الديمقراطية والسودان، ويهدد الآن إثيوبيا، ما يجعل من النزاع الإقليمي عقدة عالمية تتشابك فيها مصالح القوى العالمية في مجالات الطاقة والنقل والمصالح العسكرية والجيوسياسية".

موقف ضعيف 

ويتوقع أنه "في حال تجدد المواجهة العسكرية الشاملة، قد تجد إثيوبيا نفسها في وضع أكثر هشاشة مقارنة بما كانت عليه عام 1998؛ إذ إن موازين القوى الحالية لا تصب في صالح أديس أبابا لعدة أسباب رئيسة".

فأولا، يقدر الموقع أن "تعتمد إريتريا هذه المرة على دعم الانفصاليين في إقليم تيغراي، الذين يعدون اتفاق بريتوريا لعام 2022 غير عادل، ويستعدون لاستئناف القتال لاستعادة أراضٍ فقدوها خلال الحرب الأخيرة مع الحكومة المركزية".

وتابع: "بالنسبة لأسمرة، فإنّ الهزيمة الكاملة لإثيوبيا هي وحدها التي ستزيل خطر محاولة أديس أبابا استعادة تلك المناطق". 

ثانيا، قد تقدّم القاهرة دعما كبيرا لأسمرة والانفصاليين الإثيوبيين، فبرغم غياب حدود برية مشتركة، تبقى مصر واحدة من أقوى الدول الإفريقية عسكريا، وتمتلك قدرات جوية متقدمة يمكنها تسخيرها لمساندة إريتريا.

فضلا عن ذلك، لفت الموقع إلى أنه "لا يمكن تجاهل الخصومة التاريخية بين إثيوبيا والصومال، والتي تفاقمت أخيرا بسبب الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال، ما دفع أديس أبابا إلى تعزيز وجودها العسكري على الحدود الشرقية".

ووفقا له "تتزايد المخاوف الإثيوبية من الصومال بسبب ذكريات الغزو الصومالي عام 1977، وتصاعد نشاط حركة الشباب المتطرفة".

ويرى أن "ما يثير قلقا أكبر، إمكانية تشكل تحالف مناوئ لإثيوبيا يضم إريتريا ومصر والصومال، وهو ما تجلى بتوقيع اتفاق أمني ثلاثي بين هذه الدول في أكتوبر/ تشرين الأول 2024".

وأخيرا، يقدر أن "يشكل التفوق التكنولوجي لإريتريا عاملا إضافيا في ترجيح كِفّتها أمام إثيوبيا؛ إذ باتت قواتها المسلحة تعتمد بشكل متزايد على أنظمة تسليح حديثة، أبرزها الطائرات المسيرة، التي قد تحد من تأثير التفوق العددي الإثيوبي".

بناء على ما سبق، يعتقد "المجلس الروسي للشؤون الدولية" أن أديس أبابا "أمام مخاطر إستراتيجية جدية، تجعل احتمالية اندلاع صراع طويل الأمد ومدمر أمرا واقعيا للغاية".

العامل الروسي 

على الصعيد الدولي، لفت الموقع إلى "وجود سبب آخر محتمل لتصاعد الصراع بين إثيوبيا وإريتريا، يتمثل في سعي الغرب إلى معاقبة أسمرة على موقفها المستقل المؤيد لروسيا".

وتُعد إريتريا إلى جانب كوريا الشمالية وبيلاروسيا، واحدة من الحلفاء القلائل الموثوقين لروسيا، ويتضح ذلك من تصويتها في المحافل الدولية، مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تعارض القرارات المعادية لموسكو بشأن أوكرانيا.

وهو أمر يرى أنه "يكتسب دلالة خاصة على خلفية امتناع العديد من الدول الأخرى عن التصويت، ونتيجة لذلك لا يُستغرب أن تكون إريتريا خاضعة بالفعل لعدد كبير من العقوبات الغربية".

كما يعتقد الموقع أن "الدفع نحو تورط إريتريا في صراع جديد مع إثيوبيا قد يعكس أيضا رغبة في الحيلولة دون تعميق تعاون أسمرة مع موسكو".

وتابع موضحا مقصده: "في السنوات الأخيرة، سعت روسيا إلى الحصول على قاعدة بحرية على البحر الأحمر تتيح لها ترسيخ وجودها في إفريقيا والسيطرة على طرق إمداد أوروبا بالمواد الخام الحيوية من الخليج".

ورغم أن المفاوضات كانت قد بدأت مع السودان بهذا الشأن، فإن اندلاع الحرب الأهلية هناك جعل المشروع غير قابل للتنفيذ.

وفسّر الخشية من حصول روسيا على موطئ قدم في البحر الأحمر قائلا: "يُدرك الغرب أن الاتحاد السوفيتي استخدم في السابق قاعدة على جزيرة نورا (تابعة الآن لإريتريا) حتى أوائل التسعينيات".

ووفق الموقع، "يخشى الغرب أن تعيد أسمرة التي تعاني من صعوبات مالية وتحافظ على علاقات وثيقة مع موسكو، تسليم هذه القاعدة لروسيا".

في هذا السياق، يبدو استئناف الحرب بين إريتريا وإثيوبيا أداة ملائمة لتعطيل تلك الخطط، وفق تقدير الموقع.

فمن شأن النزاع أن يستنزف موارد أسمرة ويخلق بؤرة عدم استقرار تعيق أي ترتيبات عسكرية أو سياسية طويلة الأمد مع موسكو.

ورغم ارتفاع احتمالات التصعيد، يرى الموقع أن "هناك فرصا للحل الدبلوماسي؛ حيث يمكن لروسيا أن تؤدي دورا محوريا".

فبفضل نفوذها الفريد على الطرفين، تمتلك موسكو قدرة على طرح صيغ مقبولة للتعايش المشترك.

فالقواسم الدينية المشتركة، لا سيما الانتماء إلى الكنيسة الأرثوذكسية، توفر أرضية روحية ملائمة للوساطة الروسية.

كما أن إنشاء قاعدة بحرية روسية في المنطقة قد يشكل حلا وسطا، يضمن لإريتريا الحماية من التهديدات الخارجية، ويمنح إثيوبيا منفذا لتصدير مواردها عبر الموانئ الإريترية، بحسب الموقع.

واختتم قائلا: "إن نجاح روسيا في تهدئة الخلافات الإريترية الإثيوبية قد يعزز من دورها كوسيط في حل النزاعات الإقليمية في إفريقيا".