أنور الغربي: سعيد لن يدخل انتخابات قد يخسرها وموقفه من فلسطين شعبوي (خاص)

23 days ago

12

طباعة

مشاركة

يعتقد مدير معهد جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان أنور الغربي أن الرئيس التونسي قيس سعيد لا يمكنه الذهاب إلى انتخابات رئاسية لا يضمن فيها الفوز.

وفي حوار مع "الاستقلال"، لفت المستشار السابق لدى الرئاسة التونسية إلى أن سعيد لا يعبأ بنسب المشاركة في الانتخابات المرتقبة في أكتوبر/تشرين الأول 2024، مهما كانت منخفضة.

وسلط الغربي الضوء على الأجواء السلبية التي تشهدها العملية السياسية التونسية، من تضييق على قادة الأحزاب والزعماء والناشطين السياسيين، فضلا عن القضاء والمحامين والصحفيين ورجال الأعمال. 

كذلك عرض الحقوقي التونسي وجهة نظره بشأن الموقفين الرسمي والشعبي في تونس إزاء القضية الفلسطينية.

كما استعرض جهود محكمة الضمير العالمية من أجل فلسطين، في رصد وتوثيق انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، بهدف ملاحقة الأخير وقادته في المحاكم الدولية، وعزله على المستوى الدولي.

وتطرق إلى الاختلالات على مستوى عمل محكمتي الجنايات الدولية والعدل الدولية أو المحاكم الوطنية المختلفة، وكيفية التعاطي مع القضايا المرتبطة بإسرائيل.

وأنور الغربي (60 عاما) خبير في العلاقات الدولية، وحقوقي تونسي بارز، أسس ورأس العديد من المنظمات الحقوقية والسياسية والبحثية في أوروبا والعالم العربي، كما أنه لعب دورا بارزا في جهود التعريف والدفاع عن قضايا الشفافية والحوكمة والعدالة وحقوق الإنسان.

الانتخابات الرئاسية

  • ما رأيك في الانتخابات المرتقبة في ظل حبس عدد من قادة الأحزاب والناشطين السياسيين والحقوقيين؟

موعد الانتخابات هو شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وإلى حد اليوم لم يطلب رئيس الدولة من هيئتها تحديد تاريخ محدد لإجرائها. 

مع العلم أن الدستور التونسي يشدد على ضرورة دعوة الناخبين خلال مدة حددها كحد أدنى بثلاثة أشهر قبل موعد الاقتراع، ونحن اليوم على بعد حوالي ثلاثة أشهر، ولم تتم بعد دعوة الناخبين؛ هذا أولا.

 ثانيا، هيئة الانتخابات لا تزال هيئة منصَّبة وليست مستقلة، وفيها شغورات، لم يجر سدها في الهيئة التي من المفترض أن تشرف على العملية الديمقراطية. 

إضافة لذلك، وُجهت للعديد من الذين أعلنوا عن رغبتهم في الترشح للرئاسيات تهم، في أغلبها كيدية، وكلها أو جلها تهم سياسية. أيضا، إلى اليوم لا وجود للمحكمة الدستورية، رغم أن دستور قيس سعيد نفسه شدد على مسألة المحكمة الدستورية.

علاوة على ذلك، لدينا اليوم برلمان شبه وهمي، يمثل أقل من 10 بالمئة من الشعب التونسي. 

كذلك لدينا مؤسسات وهمية لا يعرفها الشعب ولا نعرف دورها على وجه التحديد؛ من برلمان ومجالس برلمانات جهوية ومجالس محلية وجهوية، وكلها لا تقوم بدور فعلي وحقيقي. 

وكل ذلك يضاف إلى التضييقات على المعارضين، فعدد كبير منهم في السجون؛ مثل رئيس البرلمان الأستاذ راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض.

كذلك يلاحق رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي بعدد من القضايا الكيدية، إلى جانب قيادات سياسية من الصف الأول، على غرار عصام الشابي، وعدد كبير من الزعماء السياسيين.

وبالتالي، لا يمكن تنظيم الانتخابات في مثل هذه الأجواء التي يسودها الكثير من الضبابية والخوف والرعب في المجتمع. وأرى أن إجراء انتخابات رئاسية، في مثل هذه الأوقات، قفز على الواقع.

وتصوري -وهذا ذكرته في أكثر من مناسبة- بأن قيس سعيد لا يمكنه عمليا أن يجري انتخابات لا يضمن نتيجتها مسبقا. 

فهو حاليا يُعد قد تورط في عدد من القضايا، كما أنه ورط العديد من حوله، وصار يعتقد أنه يستحيل عليه الخروج الآمن في المرحلة المقبلة، وبالتالي هناك عملية هروب إلى الأمام، وهو ما يعقد الأمور كثيرا. 

ولذا، أكرر بأن سعيد لا يمكنه الذهاب إلى انتخابات لا يضمن فيها أن يكون هو الفائز، مهما كانت النسب. مع التأكيد على أنه لا تعنيه نسبة المشاركة، وإن كانت محدودة للغاية. 

فقد ادعى سابقا، بعد نزول بعض المئات من أنصاره، أن نحو مليون و800 ألف متظاهر دعموه. علاوة على ذلك، شارك في المحطات الانتخابية التي دعا إليها من 5 إلى 10 بالمئة من الجسم الانتخابي في تونس.

ومع ذلك رأى أن هؤلاء هم الصادقون، وهؤلاء هم الذين يجب الاستماع إليهم، أما الـ 90 بالمئة من بقية الشعب، فهؤلاء لا يُسمع لهم. 

وإجمالا، فإن هناك منطقا غريبا في تسيير الدولة، وفي النظر للشعب وللأغلبية، وبالتالي من الصعب جدا الوثوق في المسار الحالي. 

  • تتباين آراء الساسة التونسيين بين من يدعو للمشاركة في الانتخابات ومن يرى مقاطعتها.. فأيهما تعتقد أنه أقرب للواقع والصواب؟

هذا الموضوع مرتبط بالأجواء، فإذا بقيت على حالها، فمن الصعب جدا المشاركة.

نحن نشهد اليوم أن عملية السيطرة على القضاء متواصلة. فكما نعلم، فُصل العشرات من القضاة، ورغم حصولهم على حكم من المحكمة الإدارية، إلا أن وزارة العدل، وبالتحديد الوزيرة (ليلى جفال) تتمسك برفض إدماجهم من جديد في السلك القضائي.

كذلك يتلكأ (حاتم المزيو) عميد المحامين، المحسوب على السلطة التنفيذية بشكل أو آخر، في إدراجهم في سلك المحامين، رغم أن القانون يسمح لهم بذلك.

وبالتالي، نحن نشهد عملية تشهير وسحل مجتمعي للقضاة الذي لا يرضخون للتعليمات، وكذلك للمحامين. 

ورأينا كيف تم الاعتداء بالعنف الشديد على بعضهم، وعملية اعتقال البعض من دار المحامي، وهي سابقة لم تحدث في تاريخ تونس.

فكيف يقتحم دار المحامي ويُعتقل محامون من داخله، وتعذيب بعضهم جسديا بشكل لم يحدث منذ قيام الثورة في 2011. وقد وُثق كل ذلك بالطبع عبر المحامين.

وأيضا استُهدف صحفيون ورجال أعمال وناشطون سياسيون. وتقريبا كل الفئات والتيارات استُهدفت بشكل أو آخر.

ولذا، يصعب جدا، في مثل هذه الأجواء، تصور إجراء انتخابات حرة ونزيهة. ففي النهاية، الانتخابات مسار كامل، تجرى فيها مناظرات وعرض مشاريع وتقديم برامج. وما رأيناه حتى الآن لا يبشر بإمكانية السير في هذا المسار بشكل سليم.

وحتى الذين أعلنوا عن نيتهم في الترشح في الانتخابات القادمة، محسوبون على المنظومة القديمة التي ثار عليها الشعب في 2011. 

وهي ذات المنظومة التي نراها اليوم موجودة في الإعلام الذي تسيطر عليه السلطة القائمة في البلاد اليوم.

وأعتقد أن فرض أمر واقع بالذهاب إلى انتخابات لا يمكن أن يحظى بمصداقية ولا شرعية، لا على المستوى الداخلي ولا الخارجي. 

والذهاب إلى انتخابات بنسب مثل التي شهدتها الانتخابات السابقة -أي مشاركة أقل من ثمانية أو 10 بالمئة من الجسم الانتخابي- يضر بسمعة تونس ومصالحها وبالاستثمار في البلاد، ولا ينفع في شيء. 

“استحمار الشعب”

  • في حوار سابق لك.. تحدثت عن "سياسة استحمار الشعب"، فما المقصود بهذا المصطلح؟ 

"الاستحمار" كما عبر عنه الكاتب الجزائري مالك بن نبي، هو محاولة تسويق شيء للناس وكأنه حقيقة، واستبلاه العامة من الناس.

 لكن الحقيقة أنه يمكنك أن تغالط بعض الناس لبعض الوقت، ولكن لا يمكنك أن تغالط كل الناس لكل الوقت.

  • ما مظاهر هذه السياسة من وجهة نظركم؟ 

بالنظر إلى الواقع التونسي، نحن أمام مسار كامل منذ خمس سنوات؛ يردد فيها رئيس الدولة شعارات تبين أنها غير حقيقية وغير واقعية، بل وبعضها خطير للغاية ويضر بالبلاد.

فرئيس الدولة نفسه قال، في أول زيارة له لفرنسا، بأن تونس دولة غير صالحة للاستثمار؛ وهو تصريح خطير. 

ولو كانت هناك دولة فيها مؤسسات تحاسب وتراقب، لعزلت الرئيس من منصبه، أو ساءلته على أقل تقدير. ولكن مع الأسف استمر هذا العبث بالدولة وبمؤسساتها. 

أضف إلى ذلك، فُرض ما يسمى بالشركات الأهلية في البلاد، وهي مشاريع فساد، لأنها، بالنهاية، محاولة لتمليكها أراضي الدولة، وإعطائها تسهيلات من بنوكها، ومنحها نوعا من الحصانة للاستيلاء على المقدرات والمال العام.

 وأرى أنها نوع من "الحزام الانتخابي" والتوريط لهؤلاء في المنظومة التي يسعى قيس سعيد لبنائها في البلاد. وبالتالي فإن مشروع الشركات الأهلية وهمي.

كذلك تحدث قيس سعيد ورجاله عن العديد من المشاريع الوهمية، مثل مستشفى القيروان، والسكة الحديد، وغيرها من المشاريع التي تبين حقيقة عدم وجودها في أرض الواقع. 

فضلا عن كل المخططات الوهمية لاغتيال الرئيس، ومحاولات الاستيلاء على السلطة، وغيرها. 

ومما يثير العجب أن المحاولات الانقلابية التي حدثت في تونس معدودة على الأصابع منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا؛ أي خلال عشرات السنوات. 

ولكن خلال 5 سنوات من حكم قيس سعيد، لدينا ما يناهز 25 قضية تآمر على أمن الدولة. 

بعضها يضم متآمرا واحدا، مثل قضية وزير العدل السابق (نور الدين البحيري)، المتهم بالتآمر على أمن الدولة، في حين أن الجهة التي من المفترض أنه تآمر معها -وهي الأطراف الخارجية- بُرئت. 

وبالتالي صار مفهوم التآمر، أو مفهوم التواصل مع الآخر، منتفيا، لأنه لا يوجد بالأساس طرف آخر. 

وهذه كلها وغيرها، مسائل تؤكد بأن الدولة تسير في مسار ضد المنطق والواقع، وهي كمن يسير في الطريق السريع بالاتجاه الخطأ. 

ولهذا أنا أسمي ما يحدث بأنه "استحمار للشعب" واستبلاه لهم وتسويق للعبث على كل المستويات. 

حتى إن بيانات رئاسة الجمهورية التي تنشر على صفحة رئاسة الجمهورية، تحتوي على معلومات وبيانات مغلوطة، لاستبلاه الناس.

 وهذا معيب بحق التونسيين، وبحق تاريخ تونس الممتد لآلاف السنين. والتاريخ سيدون هذه الحقبة، بصفتها فترة حالكة من تاريخ تونس.

 سبل الخروج

  • كيف ترى إمكانية الخروج من الأزمة السياسية التي تشهدها تونس؟

لا يمكن للدولة أن تخرج من أزمتها السياسية الحالية إلا بالعودة للعقل والمؤسسات التي ضعفت واهترأت، وتورط بعض مسؤوليها في المسار الحالي. 

ونحن لا يمكننا الآن التحدث عن دولة ومؤسسات في تونس. فحاليا، المؤسسات والدولة مختطفة، وهناك سلطة أمر واقع.

والواقع يقول إن الدولة لا تزال تُسَيَّر بطريقة المراسيم والأوامر، حتى مع وجود هذا البرلمان الذي لم نر له دورا سوى الموافقة على إغراق البلاد في الديون.

فلم يسبق لتونس أن تحصلت على ديون وقروض مثلما حدث خلال السنتين الماضيتين. وصارت تونس، للأسف، دولة في حالة تسول من كل الجهات المانحة. وهذه الديون -بالنهاية- سيتحملها الشعب، طال الزمن أم قصر.

فما يحدث هو إغراق للدولة عبر هذه القروض، وكذلك عبر اتفاقات تضر بمصالح تونس، مثل الاتفاق الذي عُقد مع الاتحاد الأوروبي وإيطاليا في مسألة التعامل مع المهاجرين.

وهو ما تسبب في حرج كبير لتونس وللدبلوماسية التونسية، التي صارت تُنعت بارتكاب انتهاكات كبيرة بحق المهاجرين، وحتى بحق الأشقاء من دول عربية عدة، الذين دخلوا تونس سعيا للهجرة لأوروبا، ولكن منعوا بطرق عنيفة. 

وحسب التقرير الأخير، للمقررين الخاصين للأمم المتحدة، الذي لم ينشر بعد، فقد ارتُكبت بحقهم انتهاكات كبيرة، خاصة من جنسيات فلسطينية وسورية وسودانية. 

وبعضهم وقع بحقهم انتهاكات كبيرة وغير مسبوقة في تاريخ تعامل تونس مع المهاجرين، ولا سيما مع الأشقاء. 

وبالتالي، المسار الحالي معقد وخاطئ بالكامل، ويجب العودة إلى لغة العقل ومنطق الدولة والمؤسسات، كي ترجع تونس للمسار الديمقراطي. فلا يوجد بديل وخيار غير المسار الديمقراطي.

إلى جانب ذلك، نعرف جميعا الأوضاع الإقليمية والدولية المضطربة، وندرك كذلك أن تونس ليس لديها ثروات طبيعية كبيرة. لكنها تورطت بشكل كبير خلال المرحلة الأخيرة في مواقف لا تخدم مصلحة الشعب التونسي، وصارت في عزلة مع كل الأطراف.

ولذا، بات من العاجل جدا العودة إلى المسار الصحيح وإلى الشعب صاحب القرار، كي يقرر الوجهة التي يجب السير فيها.

وإن كنت أؤكد أن ما حدث خلال عامي الانقلاب (يوليو/تموز 2021) بمثابة خسارة عشرات السنين.

إذ تشكل شرخ مجتمعي كبير بين فئات المجتمع المختلفة وجهاته وتياراته، وباتت هناك جهوية مقيتة، وتصدعات كبيرة في المجتمع، وهو أخطر ما حدث لتونس خلال الآونة الأخيرة.

كذلك هناك أمراض مجتمعية تفشت بشكل كبير ولم تكن موجودة في السابق؛ فنسب الجريمة صارت مرتفعة للغاية.

كذلك ارتفعت نسب الرشوة إلى مستويات لم تكن معروفة في السابق. وبالتالي، صرنا أمام واقع يجب إصلاحه في أقرب فرصة ممكنة.

وهذه كلها مؤشرات على مسار خاطئ، وتدميري للدولة والمؤسسات، يجب العودة منه وإصلاحه في أقرب وقت ممكن. 

  • أين المؤسسة العسكرية مما يحدث حاليا في المشهد التونسي؟

أعتقد أن قيس سعيد يسعى لتوريط المؤسسة العسكرية في مساره. فالعديد من المؤسسات، التي بتنا نعرف أنها صارت منكوبة ومدمرة، سمّى الرئيس على رأس البعض منها قيادات من الجيش لتوريطها في الفشل وتوريطها في العملية التي يقوم بها.

كذلك يسمي سعيد، ولأول مرة في تاريخ تونس، قادة سابقين في الجيش على رأس عدد من الوزارات؛ مثل وزارتي الصحة والفلاحة، وهما من أفشل الوزارات حاليا، وقد حدثت محاولات لتغيير طواقم الوزارات بالكامل والإتيان بموظفين آخرين. 

وهذا مسار خاطئ بالتأكيد. فحين تأتي على وزارتين خدميتين كبيرتين، من ناحية القدرة التشغيلية وما توفرهما من موارد للدولة، وتضع على رأسهما شخصية عسكرية، ليس لها أي تجربة عملية في ميدان العمل المدني، فالنتيجة حتما ستكون ما نراه اليوم من فشل وتراجع.

كذلك فإن مسألة إشراف ضباط من الجيش على مشاريع مدنية وبنية تحتية هي جديدة على المشهد التونسي. 

فلم يكن للجيش التونسي سابقا أي دور في هذه المسائل، وبالتالي، فإن عملية توريطه في مسار الفشل الذي يسير فيه قيس سعيد مسألة خطيرة، وستظهر تبعاتها في المستقبل.

القضية الفلسطينية

  • ما رأيك في الموقف التونسي الرسمي الحالي من القضية الفلسطينية؟

أعتقد أن الموقف التونسي الحالي الرسمي من القضية الفلسطينية هو بالأساس موجه للداخل. 

وأنا في البداية كنت رحبت بهذا الموقف، بتقدير أنه يأتي تماشيا مع المسار الدائم للشعب التونسي، الداعم للقضية الفلسطينية، منذ عشرات السنين. فضلا عن استقباله للمقاومة بعد 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا، حيث استقبلت تونس عشرات الآلاف من المقاومين الفلسطينيين.

والحقيقة أن هناك دما بين تونس وإسرائيل التي اعتدت على تونس واغتالت العشرات على الأراضي التونسية؛ في حمام الشط.

كما اغتالت محمد الزواري (تونسي ساعد حركة المقاومة الإسلامية حماس بتصنيع طائرات مسيرة) واعتدت على المدرسة التونسية في غزة.

 فإسرائيل اعتدت على تونس في محطات عدة، وهي بالمناسبة البلد العربي الوحيد الذي اعتدت عليه عسكريا من خارج المنطقة. 

وبالتالي كنا نرى في الموقف التونسي في البداية، على مستوى الخطابات والشعارات، موقفا مرتفعا. 

ولكن مع الأسف الشديد تبين لاحقا أنه موقف موجه للداخل بهدف الاستهلاك الشعبي الداخلي، وليس مبدئيا، كما أنه غير مجد بالمرة. 

فعمليا، لم يكن الموقف الرسمي التونسي بأفضل ما يكون، حيث رفضت تونس استقبال قيادة المقاومة في عدة مناسبات، سواء قبل الاعتداء الإسرائيلي على غزة (7 أكتوبر 2023) أو بعدها.

فقبل الاعتداء على غزة، يوجد 3 مناسبات على الأقل رُفض فيها استقبال المقاومة في تونس. 

وقد حضر وفد لترتيب زيارة لتونس، ولكن رغم الوعود المتكررة، لم يقبل الرئيس استقبالهم. 

وفي مناسبة أخرى، كانت هناك محاولة لترتيب لقاء بين الرئيس قيس سعيد و(رئيس المكتب السياسي لحركة حماس) إسماعيل هنية خلال زيارته للجزائر، لكن ذلك لم يتم أيضا.

وبعد الاعتداء على غزة، تم التعامل مع قضية استقدام بعض الجرحى لعلاجهم في تونس من خلال التسويق الإعلامي واستغلال قضيتهم، وضُيق على بعضهم في الحركة والتواصل وغيرها، وكان الهدف الحقيقي مجرد التقاط الصورة.

كذلك كانت هناك محاولات للترويج بوجود مساعدات تونسية لغزة، وتبين أن كلها حملات وهمية في حقيقة الأمر.

والأخطر من كل هذا على الإطلاق أن تونس أقالت، منذ سنتين، السفير التونسي (قيس قبطني) الذي قدم ورقة لإدانة إسرائيل. وكانت الإقالة بسبب موقفه ذلك، الذي كان يعد موقفا متقدما لدعم القضية الفلسطينية.

كذلك رفضت تونس، في الأشهر الأخيرة، التصويت على القرار الأممي بإيقاف العدوان على غزة، بدعوى عدم الاعتراف بالكيان الإسرائيلي. وبالتالي رفضت ولأول مرة في التاريخ، التصويت على مسألة إيقاف العدوان.

أيضا في اجتماع القمة العربية (منتصف مايو/أيار 2024)، صعدت تونس كلاميا، ورأت أن المواقف العربية فيها شيء من التخاذل، وشيء من الاعتراف بإسرائيل، وانسحبت. 

ولكنها رجعت واعترفت بموقف أقل منه بكثير خلال المنتدى العربي الصيني (نهاية نفس الشهر)، والذي دعا لإقامة دولتين؛ واحدة فلسطينية وأخرى إسرائيلية.

فضلا عن التعاون التونسي المتقدم جدا مع كل من الإمارات وفرنسا ومصر، وهي دول معروف أنها راعية لمنظومة قيس سعيد الحالية، ولا يمكن بأي حال من أحوال أن يقال عنها بأنها ضد التطبيع، أو مساندة للحقوق الفلسطينية الثابتة. 

الشعب ومحكمة الضمير

  • كيف ترى الموقف التونسي الشعبي حيال القضية الفلسطينية؟

يبقى الموقف التونسي الشعبي في كل الحالات موقفا متميزا وراقيا ومحترما ومقدرا.

إذ كانت هناك مساع شبابية من طلاب الجامعات والكشافة التونسية والاتحادات الطلابية والنوادي الشبابية وبعض الأحزاب وغيرها من التجمعات والهيئات المختلفة. لكن يبقى -رغم ذلك- دون المأمول.

  • ما العوامل التي جعلت الموقف الشعبي "دون المأمول"، حسب وصفك؟

بقي الموقف الشعبي دون المأمول بكثير، لعدة أسباب؛ أهمها ربما الوضع التونسي الداخلي، حيث جرى إرهاق الناس وإغراقهم بالمشاكل.

فالمواطن التونسي لا يجد الحاجيات الأساسية من خبز وسكر وزيت وحليب وقهوة وبنزين والأشياء البسيطة اليومية، وبالتالي أُنهك.

ولذا صار النزول للشارع والمطالبة بالحقوق، وحتى المقاطعة نفسها التي طالب بها الكثيرون، أمرا صعبا بسبب إنهاك المواطنين واستنزافهم.

كذلك استُهدف عدد من الناشطين الذين طالبوا بالمقاطعة، والبعض سوئل قضائيا بسبب دعمه لفلسطين أو تعرض لعدد من المضايقات.

ولكن يبقى الموقف في مجمله، متقدما جدا، على الأقل مقارنة ببقية البلدان العربية، حيث خرجت مسيرات ووقفات وإن كانت محدودة. 

فضلا عن الحملات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي أعتقد أنها ربما تكون قد أربكت الساحة شيئا ما.

إذ يتفاعل البعض على هذه المساحات الافتراضية، ويغيب عنهم أن العمل الحقيقي هو في الميدان، عبر تفعيل المقاطعة، وغرس هذه القضية أكثر في النفوس، عبر التصدي للذين يستغلونها لارتكاب انتهاكات بحق الشعب التونسي.

إلى جانب ذلك، هناك عدد من متصدري مشهد الدفاع الشعبي عن القضية الفلسطينية هم من الداعمين لمسار قيس سعيد والمنظومة الحالية، وهذا قد يربك المشهد برمته. 

إذ إن الشخص الداعم للمسار الذي انقلب على الشعب والدستور وحقوق الناس ويحاول إشاعة الخوف والترهيب بين الناس، لا يمكنه أن يدعم حق شعب يطالب بالحرية الحق واستعادة أرضه وحقوقه. 

فهذان مساران متوازيان لا يلتقيان. فأن تكون داعما لحقوق الشعب الفلسطيني وحريته، يعني أنه لا بد أن تكون حرا، وأن تنعم بحريتك وحقوقك كاملة غير منقوصة. 

ولكن في النهاية، يبقى الموقف التونسي الشعبي موقفا متقدما، لكنه يحتاج إلى المزيد.

  • أُعلن تأسيس أول محكمة ضمير عالمية من أجل فلسطين (من جنيف في 8 يونيو 2024)، وكان لكم دور بارز بتأسيسها، فما أهدافها؟ 

تأتي هذه المحكمة الدولية في إطار مناصرة الحق الفلسطيني، وقبل ذلك مناصرة العدالة الدولية. وحين نقول العدالة الدولية، فالشق الأساسي منها اليوم هو ما تمثله فلسطين والحق الفلسطيني.

عملت محكمة الضمير على مسارات مختلفة، أولها ما كان يعرف بـ "الإخلالات"، وهو ما وثقناه على مستوى عمل محكمتي الجنايات الدولية والعدل الدولية أو المحاكم الوطنية المختلفة، وكيفية التعاطي مع القضايا المرتبطة بإسرائيل.

ولذلك رأينا ضرورة العمل على المستوى الدولي لنشر ثقافة رصد وتوثيق الانتهاكات، بحيث نشكل قاعدة بيانات يشتغل عليها المعنيون والقضاة والمحامون والصحفيون والمثقفون والفلاسفة وغيرهم، كمادة لاستعمالها عند الحاجة، خاصة عند متابعة إسرائيل وقادتها أمام المحاكم الدولية. 

كذلك كانت هذه المحكمة دعما وتقوية للمسارات القضائية، وأيضا أمام المحاكم والمؤسسات الدولية المختلفة.

كما أنها ساهمت في تكثيف الجهود المختلفة لنصرة الحق الفلسطيني، حيث شهدت حضور العشرات من خمس قارات مختلفة من حوالي 40 دولة. 

وكانت هذه الجهود كلها تصب باتجاه محاكمة قادة الاحتلال، والعمل بشكل خاص على طرد إسرائيل من المؤسسات الدولية وعزلها، بسبب خطورة ما تقوم به القيادة الإسرائيلية اليمينية في إسرائيل اليوم. 

وأيضا تتم عملية استهداف قضاة محكمة الجنايات الدولية وتخويفهم وترهيبهم بأشكال مختلفة، فضلا عن عملية استهداف المقررين الخواص والتشكيك فيهم.

ويُعتدى كذلك على مقرات الأمم المتحدة، والمقرات الأممية المختلفة في غزة، وقصف بعضها وقتل العشرات من العاملين والموظفين الدوليين في غزة.

وبالتالي، ارتكبت إسرائيل العديد من الجرائم التي تستوجب المحاسبة والعقاب. ولهذا وجب العمل الجماعي من كل البلدان من كل القارات، حتى لا يبقى قادتها خارج المحاسبة الدولية، وحتى لا يفلت أحد من العقاب.

وهذا هو أحد الأهداف التي من المفترض أن تعمل عليها الأمم المتحدة، بألا نترك أحدا خارج المحاسبة والعدالة.

واليوم، يُترك الفلسطينيون ويُعتدى على حقوقهم، وفي المقابل، يعد القادة الإسرائيليون أنفسهم خارج المحاسبة ودائرة المتابعة. 

وهذا لا يمكن أن يحدث، فنحن -كحقوقيين وقانونيين- لا بد أن نواصل هذا المسار لتحقيق العدالة للجميع.