استشهد بها.. كيف فضحت تجارب الصين وتركيا وإيران جهل السيسي حول تحديد النسل؟

داود علي | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

يستخدم المصريون كلمة "الشماعة" كدلالة على من يريد أن يعلق أزماته وفشله على أمر ما، ثم يتخذه حجة لتبرير إخفاقه. 

الشماعة الدائمة التي يبرزها رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي في فشل سياساته، هي قضية "تحديد النسل"، إذ يعدها السبب الرئيس لحالة الفقر والعوز التي يعيشها الشعب.

وخلال المؤتمر العالمي الأول للسكان والصحة والتنمية، الذي عُقد يوم 5 سبتمبر/ أيلول 2023، بالعاصمة الإدارية شرق القاهرة، أثار السيسي قضية تحديد النسل، وأشار إلى تجارب عدة دول سبق أن تبنت هذه السياسة  على رأسها الصين وتركيا وإيران.

وزعم أن سياسات تلك الدول الصارمة تجاه تحديد النسل كانت الحل الوحيد للنهوض والنمو الاقتصادي خلال العقود الماضية.

لكن السيسي اجتزأ عن عمد أو عن جهل تطورات "تحديد النسل" في تلك الدول، خاصة وأنها بلا استثناء تراجعت عن الفكرة بشكل أو بآخر وبعضها اعتذر عنها، والبعض الآخر عدها "خيانة". 

وفي أكثر من مناسبة دافع السيسي عن عدم إيمانه بالحرية المطلقة للشعب في الإنجاب، ويطالب بضرورة ألا يتجاوز عدد المواليد في مصر عن 400 ألف مولود سنويا خلال العشرين سنة القادمة.

وهذا يعني انخفاض معدل الخصوبة إلى أقل من واحد طفل لكل سيدة في مصر، علما أن عدد سكان مصر حاليا يبلع 109 ملايين نسمة، بمعدل نمو يبلغ 1.7 بالمئة سنويا.

التجرية الصينية 

واستلهم رئيس النظام المصري تجربة الصين في خفض معدل المواليد بصفتها نموذجا ملهما، خاصة "سياسة الطفل الواحد" التي أقرتها عام 1979، عن طريق تقييد العائلات بعدم إنجاب أكثر من طفل واحد.

ولجأت الحكومة الشيوعية في بكين لأساليب حاسمة في تحديد النسل، مثل فرض غرامات باهظة، وإعطاء وسائل منع الحمل بالإجبار، وأخطر من ذلك تعقيم للنساء اللواتي ينجبن أكثر من طفل.

غير أن التداعيات السلبية لهذه السياسة بدأت تظهر بعد عقود، فمع بداية القرن الحادي والعشرين حدث خلل كبير في التركيبة السكانية للصين.

حيث نتج عن تطبيق سياسة "الطفل الواحد" اضطراب اجتماعي هائل، بسبب أن الكثير من العائلات الصينية حرصت على إجراء عمليات إجهاض انتقائية من أجل الرغبة في الحصول على طفل ذكر.

وسبب ذلك اختلالا كبيرا في التوازن بين الذكور والإناث، وأصبحت توجد فجوة كبيرة في أعداد البنات بين الأطفال الصينيين.

وكانت قد ذكرت وكالة "رويترز" في تقرير لها نشرته في 17 مايو/ آيار 2021، أن "معدل الخصوبة البالغ 1.3 طفل لكل امرأة صينية في 2020، يتساوى مع المجتمعات المسنة مثل اليابان وإيطاليا".

وأضافت أن هذا الوضع ينذر بخطر على الصين صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم إذ يجعله عرضة للانخفاض. 

وبالفعل في نهاية عام 2022، جاءت أنباء تتعلق بسكان الصين سببت صدمة مجتمعية، إذ تراجع نمو الاقتصاد الصيني خلال 2022 إلى أحد أسوأ مستوياته في قرابة 50 سنة. 

وجاء خبر انخفاض عدد سكان الصين عام 2022 بـ850 ألف نسمة مقارنة بسكانها 2021 ليمثل صدمة ثانية، إذ يرى الخبراء أن هذه الظاهرة تهدد مستقبل الصين.

الصدمة الثالثة جاءت عندما أعلنت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة في نيويورك، عبر بيان في 25 أبريل/ نيسان 2023، أن الهند أصبحت الدولة الأكثر اكتظاظا في العالم.

بواقع 1 مليار و425 مليونا و775 ألفا و850 شخصا، متجاوزة بذلك عدد سكان الصين، لأول مرة في التاريخ.

أما المعضلة فتتمثل أن المجتمع الصيني يتميز بنسبة مرتفعة للغاية من كبار السن، ممن تقاعدوا، أو سيتقاعدون قريبا، وتشير تقارير إلى أن 25 بالمئة من القوة العاملة الصينية ستتقاعد بنهاية هذا العقد.

الحكومة الصينية نفسها استشعرت ذلك الخطر وبدأت في التخلي تدريجيا عن سياستها السابقة بعدما أصبحت تواجه مستقبلا مبهما. 

وفي عام 2015 ألغت الحكومة الصينية جميع سياسات الطفل الواحد، وسمحت للعائلات بإنجاب طفلين كحد أقصى.

وفى مايو 2021، تم تخفيف هذه الحدود والسماح بإنجاب 3 أطفال كحد أقصى.

وخلال كلمته في الاجتماع العام للحزب الشيوعي الصيني، في يناير/ كانون الثاني 2023، تحدث الرئيس الصيني شي جين بينغ، عن أزمة السكان في بلاده مطالبا الشعب بزيادة الإنجاب. 

أما المفارقة فإن الصين لم تتخل عن سياسة تحديد النسل فحسب، بل استخدمت تلك السياسة مع من تضطهدهم وتنكل بهم مثل أقلية الإيغور المسلمة. 

فوفق تحقيق أجرته وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية في 4 يوليو/ تموز 2020، فقد اتخذت السلطات الصينية إجراءات صارمة لتحديد نسل سكان "الإيغور" والأقليات الأخرى. 

وتهدف هذه السياسة إلى تقليص عدد أفراد هذه الأقلية الصينية المسلمة الموجودة في البلاد. 

فهل أغفل السيسي تلك التجربة بتفاصيلها وهو يحرك مفاصل دولته لتطبيقها؟

ففي 6 سبتمبر 2023، أعلنت آمال عبد الحميد، عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب اعتزامها التقدم بمقترح برلماني، إلى المستشار  الدكتور حنفي جبالي رئيس المجلس، لتكرار التجربة الصينية في مصر.  

التجربة التركية 

السيسي استشهد بتركيا ضمن الدول التي نهضت على وقع تحديد النسل، خاصة وأنها تحتل المرتبة 19 ضمن مجموعة العشرين لأكبر الدول الاقتصادية في العالم.

ويبلغ ناتجها المحلي 906 مليارات دولار، وفق البنك الدولي، مع امتلاكها خطط  إصلاح طموحة لتوسيع رقعة اقتصادها وريادتها في منطقة الشرق الأوسط.

ومع ذلك فإنه بداية من عام 2012 بدأت تركيا التخلي تماما عن سياسة تحديد النسل وتبني سياسة مضادة للتشجيع على الإنجاب. 

وهو ما دعا البروفيسور التركي وهبي بيصان، للتصريح في 23 نوفمبر 2022، أن بلاده "تسير بخطى سريعة جدا نحو التحول إلى دولة عجوز في حال لم تتغير القناعات الأسرية بالإنجاب والسياسات الحكومية الخاصة بتحسين الدخل".

خاصة أنه في 30 ديسمبر 2022 أصدر معهد الإحصاء التركي (حكومي) بيانا بالنسب الدورية لمعدل السكان المسنين.

وذكر أنهم كانوا يمثلون 8.5 بالمئة من إجمالي عدد السكان عام 2017، و8.8 بالمئة عام 2018، و9.1 بالمئة عام 2019، و9.5 بالمئة 2020، و9.7 بالمئة عام 2021. 

وأضاف المعهد أن نسبة إعالة المسنين تستمر في التزايد منذ 5 سنوات، وسجلت 12.6 بالمئة عام 2017 و12.9 بالمئة عام 2018، و13.4 بالمئة عام 2019، و14.1 بالمئة عام 2020 و14.3 بالمئة عام 2021. 

وأدركت حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذه الإشكالية التي تهدد مستقبل البلاد. 

وفي 2014 أعلن أردوغان أن سياسة تحديد النسل "خيانة" للبلاد، ذلك لأنها "تهدد سلسلة النسب التركية".

وحث الرئيس التركي عروسين خلال حفل زفافهما، على أن ينجبا ثلاثة أطفال على الأقل، لزيادة عدد السكان.

وأتبع في تصريح دارج أنه يرى أن انخفاض معدل المواليد قد يتسبب بتقويض النمو الاقتصادي التركي.

وفي 30 مايو 2016، أعلن أردوغان أن الأسرة المسلمة لا تقبل باتباع وسائل منع الحمل أو تنظيم الأسرة، داعيا الأمهات إلى زيادة عدد الأتراك.

ووضعت الحكومة سياسات صارمة لتشجع الإنجاب حيث رفعت الدعم المالي والرعاية الاجتماعية لزيادة الإنجاب، عبر منح مساعدات مالية مباشرة للمواليد الجدد.

كما تقدم الحكومة رعاية صحية وضمانات متزايدة وقروضا مصرفية ميسرة تصب جميعها في خانة تشجيع الزواج والإنجاب. 

التجربة الإيرانية 

أما السياسة الإيرانية في تحديد النسل التي ذكرها السيسي في معرض حديثه، يبدو أنه لم يحط بمتغيراتها التي بدأت قبل أكثر من عقد زمني كامل.

ففي 3 أغسطس 2012  أعلن المرشد الإيراني آية الله على خامنئي أنه من الضروري إيقاف سياسة تحديد النسل المطبقة في إيران منذ 20 عاما. 

وقال: يجب العدول عن برامج تحديد الأسرة بشعار "طفلان يكفيان" التي بدأتها إيران في السبعينيات، موضحا أن هدف إيران إنما هو زيادة عدد سكانها إلى 150 ثم 200 مليون نسمة.

ووصل الأمر أن خامنئي اعتذر عن تلك السياسة في خطاب ألقاه في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، قال فيه "أحد الأخطاء التي ارتكبناها في التسعينيات كان السيطرة على السكان.. أخطأ المسؤولون الحكوميون في هذا الأمر، وأنا أيضا كان لي دور.. فليسامحنا الله والتاريخ". 

وكان الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد قد طلب من الإيرانيين زيادة أعداد أطفالهم إذا كانوا يرغبون في هزيمة الغرب.

وكشف عن خطة بدأ تنفيذها في 21 مارس/ آذار 2011، بموجبها يتم وضع وديعة تعادل 950 دولارا في حساب بنكي لكل مولود جديد، ثم يحصل على 95 دولارا سنويا حتى يبلغ سن الـ18. 

يذكر أنه بناء على تقارير المركز الإحصائي الإيراني (SCI)، في 1 فبراير/ شباط 2021، ينمو عدد كبار السن في إيران بنسبة 3.62 بالمئة، مقارنة بمعدل نمو سكاني في البلاد وصل إلى 1.24 بالمئة. 

وبحسب المركز، "هذا أمر مقلق بالنظر إلى أن البلاد لديها أيضا معدل هجرة سلبيا قدره 0.08 مهاجر لكل 1000 من السكان". 

وأضاف: "حوالي 71.1 بالمئة من سكان إيران هم في سن العمل، مع دخول هذه الفئة العمرية المأهولة سن التقاعد، هناك حاجة إلى قوة عاملة كبيرة أخرى لدعم كبار السن".

نتيجة لذلك، وكما يظهر من الهرم السكاني، فإنه قد سيثقل إيران في المستقبل عدد كبير من السكان المسنين بشكل غير متناسب، وستكون هناك حاجة إلى زيادة عدد السكان للقوى العاملة لتلبية التركيبة السكانية في المستقبل، والحفاظ على نمو اقتصادي مناسب.