الغليان الشعبي في عدن وحضرموت.. هل يربح الانتقالي أم يخسر ما تبقى من رصيده؟

لم تعد أزمة الكهرباء في عدن مجرد انقطاع عابر للتيار، بل تحولت إلى واقع مرير يهدد حياة السكان بشكل مباشر
تعيش مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن، على وقع أزمة خدمية ومعيشية غير مسبوقة، دفعت آلاف السكان إلى حافة الانفجار الشعبي.
ومع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة إلى مستويات قياسية خلال فصل الصيف، غرقت المدينة في ظلام دامس نتيجة الانهيار المتواصل لمنظومة الكهرباء، لتتحول من مدينة عُرفت مبكرا بإدخال الكهرباء إلى الجزيرة العربية إلى رمز لأزمة تتفاقم يوما بعد آخر.
وأشعلت ساعات الانقطاع الطويلة للتيار الكهربائي، إلى جانب تردي الخدمات الأساسية وتدهور الأوضاع الاقتصادية، موجة احتجاجات ليلية واسعة ودعوات متصاعدة للعصيان المدني، في مشهد يعكس حجم الاحتقان الشعبي تجاه السلطات القائمة.
وفي خضم هذه التطورات، يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى استثمار حالة الغضب المتنامية لإعادة التموضع سياسيا، عبر تصعيد هجماته على الحكومة الشرعية ومحاولة تقديم نفسه بوصفه الطرف القادر على إدارة الأزمة وملء الفراغ المتزايد في المدينة.

وضع مأساوي
لم تعد أزمة الكهرباء في عدن مجرد انقطاع عابر للتيار، بل تحولت إلى واقع مرير يهدد حياة السكان بشكل مباشر. وطبقاً للمؤسسة العامة للكهرباء في عدن، فإن "الاحتياج الفعلي للطاقة يتجاوز في ذروة الصيف (630 ميجاوات)، في حين أن القدرة التوليدية الحالية لا تتجاوز (191 ميجاوات) ليلاً و(257 ميجاوات) نهاراً، ما يعني أن العجز في التوليد يصل إلى 70% صيفاً".
هذا العجز الرقمي تُرجم إنسانياً وصحياً إلى كارثة غير مسبوقة، حيث "أكدت مصادر طبية تزايد حالات الإجهاد الحراري والإغماءات بين كبار السن والأطفال، وتسجيل حالات إصابة بأمراض جلدية وضيق تنفس بسبب الرطوبة وغياب التبريد، فضلاً عن كون القطاع الصحي ومراكز الغسيل الكلوي وحضانات الأطفال باتت على حافة الانهيار مهددة بالتوقف".
وفي شهادة حية تلخص هذا البؤس المعيشي، تقول الإعلامية بشرى نصير: إن "الكهرباء تحولت إلى حلم يومي للأسر، وإن الشوارع والمراكز التجارية أصبحت ملاذاً عائلياً بحثاً عن قدر من البرودة، بعد أن تحولت المنازل إلى بؤر حارة كارثية بكل المقاييس".
ثورة “الفرشان”
أمام هذا التردي المريع، انطلقت في عدن ومحافظات مجاورة مثل حضرموت موجة احتجاجات غاضبة أطلق عليها الناشطون اسم "ثورة الفرشان". حيث قام عشرات المواطنين بافتراش الشوارع الرئيسة وإحراق الإطارات وإغلاق الطرق الحيوية، والتظاهر أمام البوابة الرئيسة لقصر "معاشيق" مقر الحكومة.
وجاء في بيان صادر عن نشطاء الحراك الشعبي: "إن التصعيد الشعبي السلمي مستمر ومفتوح، وأن خطواتنا الاحتجاجية ستتوسع وتتطور حتى تبلغ أقصى درجات الضغط الشعبي والقانوني حتى تُرفع المعاناة عن أبناء عدن".
ولم يقتصر الغضب على التظاهر إذ أفادت الأنباء المحلية بأن "مجموعات شعبية في وادي حضرموت أطلقت دعوات واسعة لتعليق العمل في مختلف المرافق العامة والخاصة وإغلاق المحال التجارية، تنفيذاً لعصيان مدني سلمي شامل".
وقد واجهت الأجهزة الأمنية هذه الاحتجاجات بتصعيد أمني لافت إذ أشار مراقبون وصحفيون إلى قيام بعض القوات "بإطلاق الرصاص الحي لتفريق المحتجين وتنفيذ حملات ملاحقة واعتقالات نالت عدداً من المشاركين".

تكشف التقارير الرسمية والبرلمانية أن جذر المشكلة في عدن ليس شح الموارد، بل الفساد المنظم والعبث المالي. ووصفت لجنة تحقيق برلمانية قطاع الكهرباء بأنه "الثقب الأسود لابتلاع المال العام، وماكينة فساد وعبث مهول لم يسبق أن ارتكبته الحكومات المتعاقبة".
وحسب ذات التقرير، فإن "حجم الفساد والهدر في هذا القطاع تجاوز 1.8 تريليون ريال بسبب سوء الإدارة والصفقات المشبوهة للطاقة المشتراة واحتكار استيراد الوقود عبر شركات تجارية خاصة".
من جانبها، أكدت مصادر فنية واقتصادية متطابقة أن "كلفة الطاقة المشتراة وما رافقها من فساد مالي تجاوزت 8 مليارات دولار طيلة السنوات العشر الماضية ذهبت لصالح متنفذين، وهي كلفة كانت كفيلة ببناء 3 محطات حكومية عملاقة".
بالإضافة إلى بروز ظاهرة "الخطوط الساخنة" التي وصفها مدير الإعلام بوزارة الكهرباء، محمد المسبحي، بأنها "صنعت تمييزاً واضحاً بين قيادات تحصل على الكهرباء دون انقطاع، ومواطن يعيش معظم يومه في الظلام، ما يمثل انتحاراً فنياً واستنزافاً للشبكة".

توظيف الأزمة
في خضم هذا الغليان الشعبي والفساد المستشري، يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى استغلال الملف الخدمي والنزيف الاقتصادي لتحقيق مآرب سياسية والالتفاف على المطالب الخدمية البحتة.
ورغم أن تقارير رسمية تتهم قيادات في المجلس الانتقالي نفسه بـ "احتلال وقود الطاقة، والسيطرة على عقود الاستيراد بصفقات مشبوهة، وفرض جبايات غير قانونية تقدر بـ 10 ريالات عن كل لتر ديزل مستورد"، إلا أن المجلس سارع إلى تبني النبرة الاحتجاجية لتوجيه دفة الغضب نحو الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي.
وفي خطوة واضحة لاستثمار هذا الاحتقان، أصدر المجلس الانتقالي بياناً سياسياً جاء فيه: "إن قضية شعب الجنوب ليست مجرد ملف مرتبات أو كهرباء أو خدمات، بل قضية شعب يطالب باستعادة دولته وحقه في تقرير مصيره"، مطلقاً دعوات لأنصاره بـ "التظاهر والاحتجاج استغلالاً لموجة الغضب الشعبي ضد انقطاع الكهرباء" لقاء دفع الأزمة نحو مربعه السياسي الخاص والتملص من تركة الفشل الإداري والخدمي التي تسبب فيها طوال سنوات سيطرته على المدينة.
ويرى محللون سياسيون أن هذا التحرك يمثل "أكسيجيناً سياسياً" للانتقالي، الذي يحاول "استعادة دور المبادرة والدفع بأنصاره للمشاركة في الاحتجاجات ضد الحكومة"، خاصة بعد إخراجه عسكرياً من حضرموت والمهرة وتضييق الخناق عليه في عدن.
ويهدف الانتقالي من خلال هذا الاستغلال إلى "إبراز فشل الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي في تقديم حلول تلامس حياة الناس"، في محاولة لكسب تعاطف الشارع الجنوبي وتعويض تراجع نفوذه الميداني.
بالمقابل، سارعت المكونات السياسية واللجان الأمنية إلى التحذير من هذا التوظيف، حيث شددت اللجنة الأمنية في عدن على "ضرورة عدم تسييس الاحتجاجات أو توظيفها لخدمة أجندات خاصة لا ترتبط بالمطالب الشعبية المشروعة".

تمويل سعودي
تحت وطأة هذا الضغط الشعبي والسياسي المتزايد، وقعت وزارة الكهرباء والطاقة اتفاقية عاجلة مع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. وأوضحت الوزارة أنها "وقعت اتفاقية لتوريد مشتقات نفطية تشمل الديزل والمازوت بقيمة 150 مليون دولار لدعم تشغيل محطات التوليد"
وأعلنت الوزارة بناءً على ذلك عن "بدء تنفيذ خطة عاجلة لرفع كفاءة توليد الطاقة تدريجياً، مؤكدة تفهمها الكامل لحجم المعاناة، وعد قطاع الكهرباء أولوية قصوى في جدول أعمال الحكومة" ورغم هذه الوعود والإعلانات الإسعافية، يظل الشارع العدني متوجساً، مؤكداً أن الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً، وأن إنهاء المعاناة يتطلب اجتثاث "مافيا الطاقة" ومحاسبة الفاسدين بشكل حقيقي ومستدام.
وفيما يتعلق بآفاق الحراك الشعبي ومدى إمكانية تحوله إلى "انتفاضة شعبية عارمة" تُسقط الحكومة، فإن القراءة الواقعية للمشهد تؤكد أن حالة الاحتقان في عدن وحضرموت بلغت مستويات غير مسبوقة، متجاوزة مجرد انقطاع التيار الكهربائي أو تردي الخدمات إلى تهديد مباشر لحياة السكان ومعيشتهم.
كما امتدت تداعيات الأزمة إلى القطاع الصحي الذي بات، وفق تقديرات محلية، على حافة الانهيار ومهددا بالتوقف، في ظل استمرار الانقطاعات الطويلة للكهرباء وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، الأمر الذي عزز منسوب الغضب الشعبي وأدى إلى اتساع رقعة الاحتجاجات، التي أطلق عليها بعض الناشطين اسم "ثورة الفرشان".
ومع ذلك، فإن تحول هذه الهبة الشعبية إلى انتفاضة واسعة قادرة على إسقاط الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي يواجه جملة من الكوابح الموضوعية، يأتي في مقدمتها الموقف الأمني والعسكري.
فالمعطيات الميدانية تشير إلى أن الأرض ليست ممهدة بالكامل أمام المحتجين، إذ تواجه الأجهزة الأمنية هذه التحركات بصرامة عبر إطلاق الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، إلى جانب تنفيذ حملات ملاحقة واعتقالات، وهو ما يحد من قدرة الحراك على التوسع والتحول إلى حركة منظمة ذات تأثير سياسي حاسم.
علاوة على ذلك، هنالك عائق رئيس يتمثل في غياب قيادة شعبية موحدة؛ فبالرغم من أن "التصعيد الشعبي السلمي مستمر ومفتوح" وفقاً لما نقله موقعا (يمن مونيتور وهنا عدن)، إلا أن غياب مظلة قيادية موحدة ومستقلة يجعل الاحتجاجات عرضة للتشتيت أو الاختراق السياسي.
كما أن إسقاط الحكومة في ظل غياب بديل اقتصادي حقيقي لن يحل الأزمة الفنية الكامنة في أن "الاحتياج الفعلي يتجاوز 630 ميجاوات بينما التوليد لا يتجاوز 191 ميجاوات".
وبالإضافة إلى العوامل الداخلية، يبرز الدور الإقليمي ككابح أساسي من خلال التدخل السريع عبر الاتفاقيات الإسعافية، مثل "توقيع اتفاقية توريد مشتقات نفطية بـ 150 مليون دولار بتمويل سعودي" وهو التدخل الذي يعمل كمسكّن للأزمات ويمثل طوق نجاة مالي وسياسي يمنع السقوط الكامل للحكومة الشرعية عبر امتصاص الغضب الشعبي في اللحظات الحرجة.
إن الاحتجاجات الحالية تمثل تهديداً حقيقياً لاستقرار الحكومة أكثر مما تمثل فرصة مؤكدة للانتقالي. وهي قادرة على إضعاف السلطة وإرباكها، لكنها ليست في وضعها الراهن ثورة منظمة قادرة على إسقاطها، كما أنها لا توفر للانتقالي طريقاً مضموناً لاستعادة نفوذه وسلطاته السابقة. بل قد تتحول، إذا استمرت وتوسعت، إلى موجة غضب ضد جميع القوى المتصدرة للمشهد السياسي في الجنوب، وليس ضد الحكومة وحدها.

هل يستعيد الانتقالي دوره؟
يضع التساؤل حول مدى قدرة المجلس الانتقالي الجنوبي على استعادة دوره وشعبيته ونفوذه من بوابة الغليان الشعبي الراهن علامات استفهام كبرى حول مناوراته السياسية الأخيرة. إذ يحاول المجلس الالتفاف على الأزمة المعيشية وعزل نفسه عن دائرة المسؤولية الإدارية والخدمية عبر تبني لغة الشارع، مستبقاً الأحداث بإصدار بيان ربط فيه أزمة الكهرباء بملف "قضية شعب يطالب باستعادة دولته وحقه في تقرير مصيره".
غير أن هذا المسعى لاستثمار الانتفاضة الشعبية يواجه جداراً سميكاً من التحديات الموضوعية، وفي مقدمتها أزمة الثقة العميقة وشبهات الفساد التي تلاحقه في أوساط السكان. وتشير التقارير إلى أن الفشل الخدمي ليس حكومياً خالصاً، بل إن قيادات في المجلس الانتقالي نفسه متهمة بـ"احتكار وقود الطاقة، والسيطرة على عقود الاستيراد بصفقات مشبوهة، وفرض جبايات غير قانونية تقدر بـ10 ريالات عن كل لتر ديزل مستورد".
ويجعل هذا التورط المباشر في "مافيا الطاقة" المواطن العادي ينظر بريبة واضحة إلى محاولات المجلس ركوب موجة الغضب الشعبي وتجييرها لصالحه. وينعكس هذا التوجس في وعي متنامٍ لدى الأوساط المحلية بضرورة فصل الملف الخدمي والمعيشي عن التجاذبات السياسية والحزبية.
وقد تجسد ذلك بشكل صريح في تحذير اللجنة الأمنية بعدن من "ضرورة عدم تسييس الاحتجاجات أو توظيفها لخدمة أجندات خاصة لا ترتبط بالمطالب الشعبية"، وهو ما يقلص بوضوح من قدرة الانتقالي على حشد الجماهير تحت شعاراته السياسية دون تقديم حلول ملموسة وواقعية لمعضلة انقطاع التيار الكهربائي والخدمات الأساسية.
وما يزيد من تعقيد موقف المجلس وقوعه في مربع "شريك الحكم" المتناقض؛ فهو من جهة يسيطر عسكرياً وأمنياً على الأرض في العاصمة المؤقتة عدن، ومن جهة أخرى يمثل ركيزة أساسية في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة. ولذلك فإن دعوته لأنصاره إلى "التظاهر والاحتجاج استغلالاً لموجة الغضب الشعبي" قد ترتد عليه عكسياً.
فالمواطن في عدن ينظر إلى المجلس بصفته سلطة أمر واقع مسؤولة أخلاقياً وتنفيذياً عن هذا الانهيار، ما قد يجعل من أي انتفاضة شاملة أداة للإطاحة بنفوذ الانتقالي وشعبيته بدلاً من تعزيزها، ما لم يقدم على إصلاحات حقيقية وجادة داخل منظومته، ويحارب الفساد المحسوب على قياداته.
وفي نهاية المطاف، تتبدى احتجاجات عدن وحضرموت بوصفها "صيحة غضب" وجودية من واقع معيشي لم يعد يطاق، مع استبعاد فرضية تحولها إلى "ثورة مسقطة للنظام" بسبب التدخلات الإقليمية الإسعافية والقمع الأمني المستمر.
ويبقى رهان المجلس الانتقالي على توظيف هذا الاحتقان بمثابة مقامرة سياسية غير مضمونة النتائج، خصوصاً أن هتافات المتظاهرين ضد "الثقب الأسود لابتلاع المال العام" باتت تنال جميع الأطراف دون استثناء، في شارع غاضب لم يعد يشتري الوعود السياسية والشعارات الفضفاضة في ظل غياب أدنى مقومات الحياة الأساسية.
المصادر
- الثقب الأسود.. كيف ابتلعت كهرباء عدن 8 مليار دولار خلال العشر سنوات الماضية بينما المدينة تغرق في الظلام
- تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عدن تنديداً بتدهور الكهرباء والخدمات
- احتجاجات غاضبة تشل الحركة في سيئون وتريم بسبب أزمة الكهرباء بحضرموت
- اللجنة الأمنية بعدن تجدد دعمها للمطالب المشروعة وتحذر من محاولات إخراج الاحتجاجات عن مسارها السلمي
- "ثورة الفرشان" تعلن تصعيد الاحتجاجية والاعتصامات السلمية ورفض الفوضى
- استمرار الاحتجاجات في اليمن… تصعيدٌ أمني في عدن
- احتجاجات عدن وحضرموت... أكسيجين سياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي
- سكان عدن يفترشون الطرقات... انقطاع الكهرباء يحول المنازل إلى جحيم
- الانتقالي يدعو أنصاره للتظاهر استغلالًا لموجة الاحتجاجات الشعبية ضد انقطاع الكهرباء
- وزارة الكهرباء توقّع اتفاقية مع البرنامج السعودي لتوريد وقود للمحطات بقيمة 150 مليون دولار

















