مفارقات عديدة.. الانتخابات التركية تحيي ذكريات الديمقراطية المصرية الموءودة

داود علي | منذ عام واحد

12

طباعة

مشاركة

في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية (1923)، توجه ملايين الأتراك لصناديق الاقتراع في 14 مايو/ أيار 2023، لانتخاب رئيس جديد، إضافة إلى 600 عضو في الجمعية الوطنية الكبرى (البرلمان).

ووفقا لوكالة "الأناضول" التركية الرسمية بلغت نسبة المشاركة 88.92 بالمئة، حيث أدلى نحو 56 مليون ناخب من أصل 64 مليونا، بأصواتهم في مشهد تاريخي، أشادت به الصحف والتقارير العالمية.

وفي 20 مايو 2023، نشرت صحيفة "بوليتيكو" الأميركية، مقالا للكاتبة نتالي طوشي، قالت فيه: "الانتخابات التركية التي بلغت 89 بالمئة في بلد يقارب 90 مليون نسمة، هي نتيجة انتخابية تضع معظم الديمقراطيات الليبرالية في العار".

وأضافت: "يصعب أيضا تصور إجراء جولة إعادة في انتخابات روسية تحت حكم فلاديمير بوتين، أو في الصين تحت حكم شي جي بينغ أو مصر تحت حكم عبد الفتاح السيسي".

كان استحضار مصر في المشهد التركي قائما في كل حال، ما بين تجربتين، واحدة غدت مضربا للأمثال في المشاركة الشعبية وتحقيق إرادة الأمة، والثانية يضرب بها المثل في سحق الديمقراطية، وسيادة الديكتاتورية العسكرية. 

ما بين تجربتين

عند المقارنة بين مصر وتركيا في الاستحقاقات الانتخابية، فإن الخط الزمني بين الدولتين ليس ببعيد. 

فتركيا شهدت أول اقتراع حر في تاريخها يوم 14 مايو 1950، عندما توجه المواطنون للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية، التي فاز فيها جلال بيار عن حزب "الديمقراطية". 

واستمرت الجمهورية التركية في مسارها الديمقراطي الطويل حيث لم تزور أي انتخابات منذ 1950 رغم الانقلابات العسكرية. 

أما أول انتخابات شهدتها مصر، فكانت في 15 مارس/ آذار 1965، في الاستفتاء الرئاسي لتولي الرئيس جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية.

وفاز فيه بنسبة 99.9 بالمئة وهو الأمر الذي تسبب في سخرية وجدل واسع آنذاك، بسبب النتيجة المبالغ فيها من حيث الموافقة والتأييد للرئيس.

لكن للمفارقة فإن التجربة المصرية البرلمانية سبقت التجربة التركية، فمصر عرفت أول مجلس نواب عام 1866، في عهد الخديوي إسماعيل. 

أما تركيا فعرفت البرلمان أو "مجلس الأمة الكبير" عام 1877، خلال عهد السلطان العثماني، عبد الحميد الثاني. 

لذلك فإن المفارقة الكبيرة بين الحالة المصرية والتركية، في الاستحقاقات الانتخابية، وشكل إدارة العملية السياسية، من حيث المشاركة الشعبية، وتأثير المواطن في صناعة القرار، لا تعبر عن التاريخ المتقارب في شهود الديمقراطيات الصاعدة، وتشكيل الدول الحديثة. 

التجربة الموءودة 

وشهدت مصر عقب ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، بداية حقبة مختلفة لأهمية الاستحقاقات الانتخابية، وفاعليتها في تأطير المشهد السياسي على نحو ديمقراطي فريد على الحالة المصرية، التي ظلت سنوات تعاني من تعنت السلطات العسكرية، وتزوير الانتخابات أو تغييبها. 

وفي 23 و24 مايو/ أيار 2012، انطلقت المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية، حيث شارك فيها أكثر من 50 مليون ناخب، وأفرزت أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا، وهو الرئيس الراحل محمد مرسي. 

ومن المشاهد التي ستظل عالقة في الأذهان خلال تلك الانتخابات هي المناظرة الشهيرة التي جرت بين المرشحين الرئاسيين، وزير الخارجية الأسبق، عمرو موسى، ورئيس حزب مصر القوية، والسياسي البارز، عبد المنعم أبو الفتوح، وكان ذلك الأمر جديدا وغير معهود على الواقع السياسي المصري. 

المشهد الآخر أن الرئيس مرسي فاز بفارق ضئيل عن منافسه الفريق أحمد شفيق، إذ حصل الأول على نسبة 51.73 بالمئة من الأصوات، بينما الثاني على 48.27 بالمئة، وهو مشهد آخر غير دارج في تاريخ الانتخابات المصرية، التي يحصل فيها الحاكم دائما بنسب تتجاوز 90 بالمئة

وكان أكثر الانتخابات التي حدثت فيها منافسة قبل ذلك التاريخ خلال عام 2005، عندما حصل الرئيس (آنذاك) محمد حسني مبارك على 88.6 بالمئة من الأصوات، مقابل منافسه أيمن نور الذي حصل على 7.3 بالمئة فقط، ورأى أن الحدث "جلل" حينئذ، وأنها "خطوة نحو التغيير". 

لذلك فإن تطورات التجربة المصرية بعد 2011 كانت تبشر بمستقبل أفضل نحو الإصلاح والتغيير، لولا الانقلاب العسكري عام 2013 الذي دمر التجربة، وأعادها لمربع الصفر. 

"فانتازيا" الانتخابات

انقلاب 2013 لم يضرب فقط المسار الانتخابي، ولكنه أثر في شرائح الناخبين وشكل المشهد الانتخابي نفسه، فبعد أن كان هناك تنافس شرس من الأحزاب والجماعات السياسية لإرضاء الناخبين، وكان الناخب هو سيد قراره والمتحكم في مصيره، تحول الأمر إلى مشهد "فانتازي هزلي". 

وعرفت في مصر ظاهرة الرقص والطبل والزمر أمام لجان بلا ناخبين، وهو ما حدث في 26 مارس/ آذار 2018، عندما تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو لحفلات رقص لناخبين أمام مقار اللجان الانتخابية في اليوم الأول لانتخابات الرئاسة.

وانطلقت انتخابات الرئاسة التي قدم فيها السيسي نفسه كمرشح شبه أوحد، وسط تشكيك في نزاهتها من منظمات دولية ومحلية، إضافة لإعلان كيانات سياسية مقاطعتها بعد ما قالت إنه إقصاء تعرض له مرشحون.

لكن الأكثر غرابة في الانتخابات المصرية في ظل حكم السيسي، هو اعتقال المتقدمين للترشح لمنصب الرئاسة.

ففي انتخابات 2018 قرر رئيس أركان القوات المسلحة الأسبق، سامي عنان، الترشح للرئاسة، لكن السيسي نكل به وقرر استبعاده، وقدمه للمحاكمة العسكرية. 

وحينها أيضا أعلن المرشح المنافس للرئيس محمد مرسي عام 2012، الفريق أحمد شفيق ترشحه، وكان مقيما في الإمارات أشد حلفاء السيسي، وسرعان ما تم ترحيله إلى مصر، وأقام إجباريا في أحد فنادق القاهرة، ليخرج ويعلن تراجعه عن الترشح. 

وكانت أكثر الحالات قسوة ما تعرض له المرشح أحمد قنصوة، وهو عقيد في الجيش أعلن في ديسمبر/كانون الأول 2017 ترشحه للانتخابات الرئاسية.

وقال إن الترشح يأتي "إنقاذا للبلاد من الواقع المتردي"، وجاء ذلك في مقطع فيديو نشره على "فيسبوك" وهو يرتدي الزي العسكري.

وأعلن في بيانه أنه "لن يخون القسم العسكري ويفرط في تراب البلاد، وإنه ليس فيلسوفا ولا نبيا"، في إشارة إلى الصفات التي أسبغها مؤيدو السيسي عليه.

لكن ردة الفعل تمثلت في إصدار محكمة شمال القاهرة العسكرية في 19 ديسمبر/كانون الأول 2017 حكما على قنصوة بالسجن ست سنوات مع الشغل والنفاذ، بعد أن أدانته بـ"مخالفة النظام العسكري".

كانت انتخابات 2018 ملخصة للمشهد في مصر، وبالنظر إلى النموذج التركي، فإن رئيس البلاد رجب طيب أردوغان، الذي يقود بلاده منذ عام 2002 تحت مظلة حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، والذي حقق نهضة اقتصادية وعلمية وعسكرية، وجد منافسة شرسة على مدار سنوات. 

لا سيما أن المعارضة قد توحدت ضده فيما يعرف بـ"الطاولة السداسية"، على رأسها حزب الشعب الجمهوري المعارض، وزعيمه كمال كليتشدار أوغلو، الذين كالوا لرئيس الدولة الاتهامات ودخلوا معه في معارك طاحنة. 

ومع ذلك لم يعتقل أو ينفى أي منهم، ومثلوا تهديدا غير مسبوق لحكم الرئيس، وكادوا أن يقصوه من السلطة ديمقراطيا في انتخابات 2023، ودخل أردوغان في مرحلة إعادة أمام كليتشدار أوغلو، للمرة الأولى في تاريخه. 

يغار من تركيا

لذلك فإن المشهد التركي، حفز السياسي المصري المنتمي للتيار المدني، خالد داود، لكتابة مقال لموقع "المنصة" في 16 مايو 2023، تحت عنوان "ملاحظات مواطن مصري يغار من الانتخابات التركية". 

وقال فيه: "تابعت بغيرة شديدة الانتخابات الساخنة للغاية التي شهدتها تركيا، متسائلا طوال الوقت: لماذا لم تتقدم مصر نحو عقد انتخابات تنافسية مماثلة، رئاسية وبرلمانية".

وأضاف: "مؤشرات عدة أصابتني بالغيرة في الانتخابات التركية، أول تلك المؤشرات نسبة المشاركة، نحو 90 بالمئة من الناخبين المسجلين الأتراك، توجهوا لصناديق الاقتراع، وهو ما يؤكد حجم الثقة شبه المطلقة في نزاهة الانتخابات وقدرتها على تغيير طريقة إدارة شؤون البلاد". 

وتابع: "ثانيا الثقافة السائدة لعقود بين المصريين هي أن الانتخابات مظهر ديكوري لأن النتيجة معروفة سلفا، وأن أجهزة وزارة الداخلية المعنية تقوم مشكورة بالتصويت نيابة عن المواطنين لتجنبهم مشقة التوجه لصناديق الانتخاب، بجانب الأداء المشرف لكمبيوتر الداخلية الذي ينتج دائما نسب مشاركة مرتفعة وتأييدا كاسحا للرئيس". 

وعلق أيضا الباحث المصري، محمد ماهر، على المفارقات بين الانتخابات التركية والمصرية، قائلا: "الفارق يكمن في عقلية العسكر هنا، الذين استحوذوا على البلد وأسروها لأنفسهم بلا شريك، فتركيا شهدت 4 انقلابات عسكرية، غير المحاولة الفاشلة عام 2016، ومع ذلك حرصت دائما على نزاهة عملياتها الانتخابية". 

وأضاف ماهر في حديثه "للاستقلال" أن "الأمر عكس مصر حيث كانت الانقلابات أو الاستفتاءات هي وسيلة السيطرة المطلقة للحاكم العسكري، وتسري دائما بشكل غير منطقي، حيث نسب تأييد تتجاوز 90 بالمئة وأحيانا 99 بالمئة، وهي كما يتندر أحد العلماء، بأن الله عز وجل نفسه لم يؤمن به الناس بنسبة 99 بالمئة". 

وشدد على أن "الديمقراطية هي الحالة التي وصل إليها الناس بعد تجارب وصراعات وحروب لحكم الدول، وهي الطريقة المثلى".

واستطرد ماهر: "رأينا في مصر الثمن الكارثي لتدمير آلية الديمقراطية والانتخابات، من تردي الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، والفشل في سائر مناحي الحياة، بعدما كان الأمل يسود الجميع عقب ثورة 25 يناير، وكانت الكلمة الدارجة (مصر رجعت لولادها) لكن مع الأسف أضاعها العسكر مرة أخرى".