دمرت الطبيعة في الساحل الشمالي للأبد.. جريمة إماراتية على أرض مصرية

لندن - الاستقلال | منذ ٤ أعوام

12

طباعة

مشاركة

في حلقة جديدة من مسلسل فشل النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي، أكدت تقارير دولية وخبراء بالعمران أن شركات إماراتية دمرت النسيج البيئي لقرية سيدي عبد الرحمن بالساحل الشمالي أكثر المناطق الساحلية المصرية شهرة وجذبا للزوار، في خطوة يصعب إصلاحها أو إعادتها للوراء.

وفي ظل غياب رقابة من نظام السيسي أو وضع شروط فنية من حكومته ووزاراته المعنية، توغلت الشركات الإماراتية في السواحل المصرية، وألحقت بها أضرارا بالغة. 

ووضعت الشركة عينها على مزيد من الأماكن والموانئ في ظل فوران استحواذات دول الخليج على أصول بلد يعاني من أزمات اقتصادية متلاحقة، ومحاصر بالديون الخارجية وفوائدها.

الساحل الشمالي 

وفي 11 أغسطس/ آب 2022، كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، عن كارثة بيئية ضربت منطقة "سيدي عبد الرحمن" بالساحل الشمالي المصري، بسبب الشركات الإماراتية. 

وقال إن "شركة (إعمار) العقارية الإماراتية تواجه فضيحة في مصر، بعدما ألحقت مشاريعها الإنشائية في موقع بالساحل الشمالي من النخب الأول، أضرارا غير قابلة للإصلاح بواحد من أنقى الشواطئ في البلاد". 

وأضاف أن تلك الشركة العقارية، التي تتخذ من الإمارات العربية مقرا لها، نفذت مشاريع تطوير هددت التركيبة الجيولوجية لسيدي عبد الرحمن، وهي قرية تقع على مسافة 130 كيلومترا غربي الإسكندرية.

وأوضح أنها جزء أصيل من العاصمة الصيفية المستحدثة (العلمين الجديدة) التي تقدر تكلفتها بمليارات الدولارات، وصدر أمر بإنشائها من قبل السيسي بقرار جمهوري في 1 مارس/ آذار 2018. 

وكشف الموقع البريطاني أن "إعمار الإماراتية أنشأت منتجعها الساحلي مراسي على قطعة من الأرض مساحتها 6.5 ملايين متر مربع في سيدي عبد الرحمن، تتضمن 23 مجمعا سكنيا يتملكها حفنة من أغنى الناس في مصر". 

وأورد أن "المشكلة ظهرت قبل شهور، عندما بدأت إعمار في تنفيذ مشروع لإنشاء ميناء للقوارب في مراسي". 

ومضى شارحا: "عمليات الحفر الكبيرة وإزالة كميات ضخمة من الرمال من الشاطئ تعني أن إنشاء الميناء ستكون له تداعيات بيئية كارثية، بما في ذلك تغيير حركة الأمواج على امتداد الساحل وتسريع التآكل الساحلي". 

وتابع أن "الأمر لا يقتصر على أن التجريف الذي تقوم به إعمار سوف يؤدي إلى تآكل كبير في شاطئ مراسي، لكنه أيضا يعرض المباني المجاورة للخطر بفعل التهديد المباشر لها من قبل الأمواج".  

وأشار إلى أن "مشروع إعمار زاد من إمكانية حدوث تآكل تام في الساحل المصري على البحر المتوسط".

تدمير لا تنمية

ويدعم هذا الطرح تحذيرات من قبل المدافعين عن البيئة وخبراء العمران من أن النشاطات الاستثمارية الإماراتية تسرع من التهديد الذي يشكله التغير المناخي للمنطقة.

ويؤكد أستاذ التخطيط العمراني بجامعة حمد آل خليفة في قطر علي عبدالرؤوف، أن "ما تفعله الإمارات في السواحل المصرية تدمير متعمد للبيئة ولا يندرج تحت بند التنمية".

وأضاف عبدالرؤوف لـ"الاستقلال": "لأننا في مثل هذه الحالات التي تنطبق على السواحل في مصر سواء منطقة سيدي عبدالرحمن بالساحل الشمالي أو جنوب سيناء وشرم الشيخ، نعتمد أن أفضل حالة للتنمية تتمثل في (اللا) تنمية، وأن تترك الأماكن على طبيعتها تنعم بها الأجيال القادمة، وتستمتع بما نستمتع به نحن". 

وأوضح أن "الحكومة المصرية عندما تتعامل مع المطور العقاري سواء إماراتي أو غيره، إنما تعطي له الرخصة ليفعل ما يشاء، وهنا تكون الرخصة بمثابة رخصة تدميرية للبقاع المستهدفة، لأنها لا تخضع لمعايير فنية أو علمية حول المنطقة المراد تطويرها". 

ومضى عبدالرؤوف يقول: "ما حدث في سيدي عبدالرحمن، جريمة لا يمكن تجاوزها أو تداركها، لأن أثرها سيظل باقيا لأجيال ولفترة طويلة من الزمن، ولن تعود السواحل إلى طبيعتها مرة أخرى".

"فالتدخل بقسوة وبعنف يؤدي إلى تغيير الطبيعة البيئية، ومعها ستظل حركة الأمواج هناك متغيرة ومهددة للأبنية وللبر المجاور وستتآكل الشواطئ بنحو متسارع" يؤكد الخبير المصري.

وأردف: "وذلك نتاج أن الشركة الإماراتية أقامت مرسى على امتداد نصف كيلو داخل البحر، وهو أمر هزلي تسبب بالطبع في تلك الكارثة". 

وأوضح رؤوف أن "المشكلة أن الاستفاقة والحديث جاء بعد أن انتهت المشروعات والخطط التدميرية الإماراتية، ما يعني استحالة الحل وتجاوز الأضرار، وإعادة الأمور إلى طبيعتها التي كانت عليها". 

ومضى يقول: "مع الأسف ثقافة الخوف تفرض نفسها في مصر، فلا يستطيع أحد من الخبراء والفنيين معارضة النظام، حتى لو رأوا كارثة مثل كارثة الساحل الشمالي فلن يتقدم أحد بالإفادة لوقف المشروعات أو محاسبة المتسببين فيها".

السواحل والموانئ 

ولم يقف الأمر عند اختراق الإمارات لقطاعات كثيرة في مصر، وما فعلته في الساحل الشمالي من أضرار جسيمة، بل وضعت جل اهتمامها على قطاع الموانئ في سواحل سيناء والبحر الأحمر. 

وفي 8 فبراير/ شباط 2022، التقى وزير النقل، الفريق كامل الوزير، بالرئيس التنفيذي لموانئ أبوظبي، وذلك خلال زيارته لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وخلال اللقاء، أشار رئيس موانئ أبو ظبي إلى أن القيادة السياسية الإماراتية رصدت 10 مليارات دولار للاستثمار في مصر.

ويكون الجانب الأكبر من هذه الاستثمارات في مجال الموانئ، وأن موانئ أبو ظبي لديها اهتمام كبير بالحصول على فرص تعاون جادة مع الجانب المصري في منطقة العين السخنة والسويس وجنوب سيناء. 

يذكر أنه في عام 2016 نشرت وسائل إعلام مصرية تقريرا مسربا عن هيئة الرقابة الإدارية يحذر من هيمنة الإمارات على قطاعات بعينها، أهمها قطاع الموانئ والشواطئ الساحلية. 

وضمت الاستثمارات الإماراتية مشروعات كبرى بدأت حتى قبل عام 2011، أبرزها مشروع ميناء "العين السخنة" المطل على البحر الأحمر.

حيث حصلت شركة موانئ دبي على حق إدارته بحصة 90 بالمئة بموجب صفقة أثارت كثيرا من الجدل، ونشرت صحف مصرية وثائق تؤكد وجود فساد فيها.

وفي 30 يونيو/ حزيران 2022، التقى اللواء خالد فودة محافظ جنوب سيناء، برجل الأعمال الإماراتي خالد البادي رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات البادي الإماراتية.

واستعرض الجانبان فرص الاستثمار بمدينة شرم الشيخ، وتسهيل الحصول على أراض ومنتجعات داخل المدينة الإستراتيجية. 

نفوذ مضر

وفي 15 يناير/ كانون الثاني 2019، نشر معهد "بروكينغز" الأميركي، ورقة بحثية، للباحث "زاخ فارتين"، كبير مستشاري بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. 

وجاء مضمونها التنافس بين دول الخليج على سواحل البحر الأحمر، وعلى رأسها الإمارات. 

وقال فارتين: "بجيوب مليئة ونهم كبير، ترسخ الإمارات وجودها في تلك السواحل بشكل لم تعهده من قبل". 

ووصف الوضع بأنه فورة استثمارات اقتصادية وعسكرية جديدة تعيد رسم معالم الديناميات الجيوسياسية على جانبي البحر الأحمر، ومنها مصر. 

وأكد أن التغول الإماراتي يجري على جانبي إحدى الطرق التجارية الأكثر قيمة في العالم، لأخذ فرصة للتنمية والتكامل، مشددا على وجود مخاطر كبيرة تتمخض عن هذا البروز الإماراتي أيضا.

وقال فارتين: "فبالنسبة إلى الدول الإفريقية الهشة (مثل مصر) على سواحل البحر الأحمر الغربية، فقد يشكل التزام جديد لقوى خارجية عنصرا منشطا ومضرا في الوقت عينه".

وهو ما ظهر بعد ذلك فيما تفعله الإمارات بالسواحل والموانئ المصرية، من الساحل الشمالي إلى البحر الأحمر وجنوب سيناء. 

ويرى الخبير العمراني علي عبدالرؤوف أن منطقة الساحل الشمالي بالتحديد كان يمكن من الأساس أن تكون مقصدا عالميا ويتم بناء المدن والقرى فيها بما يتناسب مع طبيعتها، لا التغول في بناء المراسي والفلل والقصور ومقرات الحكومة الصيفية. 

ويؤكد أن "ما يحدث من هيمنة للشركات والمستثمرين الإماراتيين على القطاع العقاري في مصر، أدى إلى ما أسميه أنا (دبيية) المدن المصرية، أن تتحول مصر بكل ثقلها الحضاري والتاريخي والعمراني إلى مقلدة لدبي".