"تلقى أموالا فرنسية".. قصة إساءة وزير بحكومة أخنوش لسمعة المغرب
.jpg)
ملف جديد "حارق" طفا على الساحة السياسية في المغرب، بعد نشر وسائل إعلام "وثائق سرية" تكشف تورط وزير التعليم العالي والبحث العلمي عبد اللطيف الميراوي، في تلقي مبالغ مالية؛ مقابل الترويج لمشاريع فرونكوفونية بالمملكة خلال ترؤسه جامعة حكومية بمدينة مراكش.
وبعد التسريبات طالبت كيانات تعليمية وحقوقية، الوزير، بتقديم استقالته، لكنه خرج ببيان "استنكاري" بشأن التسريبات، دون تكذيبه للمعلومات بمستندات، بينما أحكم الصمت على حكومة عزيز أخنوش، وحزب الوزير "الأصالة والمعاصرة".
فضيحة مدوية
ونشرت مواقع مغربية، بينها صحيفة “بالواضح”، في 2 يوليو/تموز 2022، وثائق تتهم الوزير الميراوي بـ”تلقي 2.6 مليون درهم (255 ألف دولار) خلال سنتين، مقابل الترويج لمشاريع الفرنكفونية في المملكة”.
وقالت إن الوزير الذي جيء به من طرف اللوبي الفرنكفوني إلى قطاع التعليم العالي لإلغاء مشروع “البكالوريوس” (الإنجليزي) رغم مصادقة المملكة عليه، هو نفسه الذي وقع على عقد يمنعه من استخلاص أي رواتب ما عدا بعض التعويضات بحكم انتمائه لجامعة “دلفور” الفرنسية.
وحصل الميراوي على منصب أستاذ جامعي في جامعة "دلفور" سنة 2000، ومنذ ذلك التاريخ تولى العديد من المناصب هناك، منها مدير قسم التكوين والهندسة (2001-2008)، ونائب رئيس قسم الأبحاث في الفترة 2008-2011، ومدير قطب الطاقة والإعلاميات، ومدير المعهد الوطني للعلوم التطبيقية في مدينة رين الفرنسية.
ثم تولى رئاسة جامعة القاضي عياض خلال الفترة ما بين 2011 و2019، ورئيس الوكالة الجامعية الفرنكفونية بين 2013 و2017 والتي تضم 60 بلدا و748 مؤسسة جامعية.
وأوضحت الصحيفة أنه رغم كون القانون الداخلي للجامعة الفرنسية يمنع على الميراوي استخلاص أي مستحقات من جامعة “القاضي عياض” بمدينة مراكش التي عين فيها سنة 2011 رئيسا، إلا أن قراراً نشرته الصحيفة يقضي بحصول المسؤول نفسه على 60 ألف درهم شهريا (6 آلاف دولار).
وذلك يضعه في ورطة بسبب تزوير ملفه العلمي وطريقة وُلوجه لجامعة القاضي عياض، بحسب الصحيفة المغربية.
وأضافت أنه "من المرتقب أن تزلزل هذه الفضيحة أركان الجامعات المغربية، خصوصا أنه بالرجوع إلى بنود الاتفاق بين جامعة دلفور والميراوي، فإن الأخير يتوجب عليه مقابل الحفاظ على راتبه الدفاع على مصالح الفرنسة بالمغرب".
وتساءلت الصحيفة: لماذا قام الميراوي باستخلاص راتبه كأستاذ جامعي بفرنسا في الوقت الذي كان يستخلص فيه راتبه كرئيس جامعة بمراكش؟”
ومضت تقول إن "الأخطر في العقد أن الجامعة الفرنسية تهين الجامعة المغربية، حيث أقر في إحدى فقراته “أنه بالنظر إلى محدودية الموارد المالية لجامعة القاضي عياض فإن الجامعة الفرنسية ستتكفل بتسديد ما مجموعه 259 ألف يورو”.
واستنتجت الصحيفة أن العقد يجيب عن السبب الذي دفع عبد اللطيف الميراوي مباشرة بعد تعيينه وزيرا لإلغاء النظام الإنجليزي “الباشلور” والإبقاء على النظام الفرنسي.

الاتهامات الإعلامية دفعت بديوان الوزير إلى إصدار بيان في 6 يوليو، رأى فيه أن “ما تم تداوله عبر بعض المنابر الإلكترونية، أخبار زائفة ومضللة وصلت حد التشكيك في وطنية الميراوي والطعن في سمعته ونزاهته، وأن ما تم ترويجه هو خرق سافر لمقتضيات القانون المنظم للصحافة، وتجاوز خطير لأخلاقيات المهنة".
وقال البيان الصادر باسم الوزارة بدل اسمه الشخصي: “حرصا على تنوير الرأي العام، تجدر الإشارة إلى أن الوضعية النظامية للوزير إبان رئاسته لجامعة القاضي عياض بمراكش، في الفترة الممتدة بين 2011 و2019، كانت سليمة بحكم مطابقتها للمقتضيات الجاري بها العمل فيما يخص حركية الأساتذة الباحثين، سواء بالمغرب أو بفرنسا".
ورأى أن “هذه الحملة التضليلية لن تنال من الدينامية الإصلاحية التي أطلقها بغية الارتقاء الفعلي والملموس بأداء منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار”، مقررا "اللجوء إلى القضاء وفقا القوانين الجاري بها العمل".
تضارب مصالح
رئيس "الجمعية المغربية لحماية المال العام"، محمد الغلوسي قال إن "تقارير إعلامية نسبت للوزير تقاضيه أجره من جامعة فرنسية في الوقت الذي كان فيه رئيسا لجامعة القاضي عياض، كما أشارت إلى أن بندا في الاتفاق بين الوزير -لما كان رئيسا للجامعة المغربية- وبين الجامعة الفرنسية يفرض عليه بعث تقارير إلى تلك الجامعة".
وأشار في تدوينة عبر فيسبوك في 7 يوليو إلى أن "البلاغ المنسوب للوزير لم يرد على مضمون الوثائق المنشورة، وفضل سياسة الصمت وعدم التعليق عليها، كما أنه لم ينشر من جانبه الوثائق التي تفند ما نشر إعلاميا وتؤكد صحة ما ذهب إليه من كونه كان في وضعية سليمة اتجاه القوانين والأنظمة الجاري بها العمل".
وتابع الغلوسي: "السيد الوزير المحترم يتقلد منصبا وزاريا مهما من حق المغاربة أن يعرفوا حقيقة ما كتب حول موضوع تضارب المصالح، وعليه أن يخرج للرأي العام لتوضيح كل جوانب القضية عوض الاكتفاء ببلاغ غامض يزيد من غموض وتعقيد القضية".
بدوره، تساءل موقع "الأسبوع الصحفي" في مقال بعنوان "الميراوي.. هل هو وزير فرنسي في حكومة أخنوش؟": "ما علاقة هذا الموضوع بالوزارة حتى يصدر ديوان الوزير بيانا باسم الوزارة يتعلق بأمور شخصية تتعلق بفترة توليه مسؤولية رئاسة جامعة القاضي عياض؟ وهل يستغل الوزير منصبه ونفوذه للزج بالوزارة في قضية تعود لفترة انقضت؟"
وتابع في تقرير نشره في 14 يوليو: "هل فعلا كان الوزير يخدم المصالح الفرنسية في التعليم العالي، خاصة وأن بيان الديوان لم يتطرق لمسألة التعويضات التي كان يتلقاها الميراوي من جامعة القاضي عياض وغيرها؟".
وشدد الموقع على أن "هذه القضية تضع رئاسة الحكومة أمام مسؤولية كبيرة بسبب (شبهة) سقوط الوزير في تضارب المصالح خلال توليه مسؤولية سابقة في قطاع التعليم العالي".
إلى جانب "اتخاذه قرارات مفاجئة تتمثل في إعفاء مسؤولين في الوزارة (بعد تعيين الحكومة الجديدة في أكتوبر/تشرين الأول 2022)، وإلغاء نظام “البكالوريوس” (مطلع عام 2022) الذي لم يكمل عامه الجامعي الأول، وحرمان الطلبة الذين بدأوا الدراسة بهذا النظام التعليمي من إكماله، والذي يسمح بتعلم اللغات الأجنبية وتطوير مهارات التواصل.
وأكد الموقع أن "رئيس الحكومة أصبح ملزما بفتح تحقيق مع الوزير الميراوي بخصوص سقوطه في شبهة تضارب المصالح، وتقلده منصبين في وقت واحد".
تضليل وتدليس
من جانبه، رأى الصحفي مصطفى الفن أن "البيان الاستنكاري الأخير الذي أصدره ديوان وزير التعليم العالي هو أكبر من فضيحة مدوية..".
وأضاف الفن، في تدوينة عبر فيسبوك في 7 يوليو، "لماذا؟ لأن هذا البيان فيه اعتراف مستفز وواضح بما يشبه العمالة والتخابر مع العدو..".
ولفت إلى أن "ديوان الوزير كاد أن يقول بالحرف في هذا البيان على لسان الوزير نفسه: نعم أنا المسمى عبد اللطيف الميراوي اعترف بأني كنت أتقاضى مبالغ مالية محترمة من دولة أجنبية مقابل الترويج لمخططات تمس باستقرار الوطن..".
وتابع: "كاد ديوان الوزير أن يضيف على لسان الوزير أيضا: كما أني كنت أتقاضى هذه المبالغ المالية الأجنبية ليس بصفتي أستاذا باحثا وإنما بصفتي آمرا بالصرف ورئيس جامعة مغربية معين بمرسوم حكومي.."..
وقال الفن: "لكن وعوض أن يعتذر الميراوي ويقدم استقالته نظرا لخطورة هذه الأفعال الجرمية، فإن السيد ركب عجرفته وشرع في ممارسة التضليل والتدليس ظنا منه أننا أغبياء وأكلة تبن..".
واستطرد: "أتدرون لماذا حذف الميراوي نظام (الباشلور) من الجامعات المغربية وأربك المسار الدراسي لآلاف الطلبة؟ وقع هذا لأن هذا النظام يجعل الإنجليزية في نفس الخانة مع الفرنسية وربما فوقها، فيما الميراوي يريد الترويج للفرنسية ولا لغة أخرى غير الفرنسية..".
من جانبه، طالبت كتلة حزب التقدم الاشتراكية بمجلس النواب، باستدعاء الميراوي، لاجتماع لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، لمناقشة ما يروج حول المعطيات المثارة والمتعلقة بتضارب المصالح، وأيضا حقيقة الوثائق المسربة التي تحمل معطيات وإيحاءات خطيرة.
ووجه الفريق النيابي سؤالا كتابيا إلى رئيس المجلس، الطالبي العلمي، في 10 يوليو، من أجل طلب تفسيرات من وزير التعليم بخصوص وقوعه في تضارب المصالح، وذلك بناء على المادة 152 من النظام الداخلي لمجلس النواب، للتحدث في موضوع "شبهة وقوع وزير التعليم العالي في تضارب المصالح".
وأكد الفريق النيابي على "ضرورة حفاظ مؤسسة الحكومة على المصداقية اللازمة، خاصة من خلال توضيح وتفسير أي معلومات ومعطيات تتعلق بأداء أعضائها، وذلك بناء على ضرورة تلازم ثنائية الحرية والمسؤولية لدى الصحافة الوطنية، ودرءا لأي التباسات تتعلق بهذا الخبر ذي الدلالات المهمة".
وتعليقا على ذلك، قال الحقوقي المغربي عبد الله بركة: "نحن أمام تهمة خطيرة بالوثائق والأدلة، تدفع على الدولة بكل هيئاتها خاصة القضائية للتدخل من أجل فتح تحقيق في هذه القضية، لأنها تضرب في مصداقية المؤسسات الرسمية".
وأضاف بركة لـ"الاستقلال"، أن "الصمت غير المفهوم للائتلاف الحكومي وعدم تحريك المتابعة القضائية في حق الوزير يطرح علامات استفهام حول الولاء لمسؤولين الحاليين للوطن".
وشدد على أن "ما قام به الوزير الميراوي في حال تأكد ذلك رسميا وقضائيا فهذا يطعن في ولائه لمؤسسات الدولة ويدخله في خانة التشكيك في وطنيته للفعل المنسوب له".
ولفت بركة إلى أن "المستغرب في حالة الميراوي أن التهم الموجهة له إعلامية يجابهها صمت من الحكومة وحزب الوزير وعدم تحرك القضاء للاستماع للأطراف المعنية لاتخاذ القرارات المناسبة".
وأكد أن "السكوت عن ذلك يفتح الباب أمام فساد متعدد لباقي المسؤولين ويدخل الجامعة المغربية في دوامة ستكون لها تبعات سلبية في المستقبل القريب".

















